الصلاة بالقلب

منذ 2016-07-21
السؤال:

أرى زوجي يصلي، ولا يحرك شفتيه؛ أي: أنه يصلي بقلبه، لا ينطق باللسان، وذلك فى قيامه وركوعه، ويغمض عينيه حتى ينتهي من صلاته، فهل صلاته صحيحة؟

عقَّبتُ - ذات مرة - على شكل صلاته، ولكني لا أعرف صحتها، وأخاف أن أقول: إنها خطأ - إذا كانت كذلك - فيقف عن الصلاة – تمامًا - لطبعه العنيد، ومواظبته الضعيفة على تأدية الصلاة.

وجزاكم الله خير الجزاء.

الإجابة:

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فقراءة القرآن، لا تُعتَبَرُ إلا إذا تلفظ القارئ بها، وإن لم يُسمِع من حوله؛ فإنه يكفي تحريك اللسان والفكين والشفتين.

قال أبو الوليد، محمد بن أحمد بن رشد في "البيان والتحصيل": "مسألة: وسُئل عن قوم صَلَّوْا خلف إمامٍ الصبحَ، فلم يَجهرْ بالقراءة، ففتحوا عليه، فلم يجهر حتى فرغ، فقيل له: ما قرأتَ، فقال: بلى، في نفسي، فقال مالك: ما أراه قرأ، وإنكم تفتحون عليه لا يقرأ، هذا جاهلٌ جدًّا؛ فأرى أن تعيدوا أنتم الصلاة، وما أراه قرأ، وإنما الذي قلت لكم تعيدوا الصلاة، ما كنتم في الوقت، فإذا ذهب الوقت، فلا أرى عليكم إعادة.

قال محمد بن رشد: وجه هذه الرواية، أن مالكًا - رحمه الله - اتهم الإمام بترك القراءة، ولم يحقق ذلك عليه، لقوله: بل في نفسي أي سرًّا؛ لأن القراءة في النفس دون تحريك اللسان، ليست بقراءة؛ فلو حقق عليه أنه ترك القراءة جملة، أو أنه لم يحرك بها لسانه، لأوجب عليه وعليهم الإعادة في الوقت وبعده، على أصل مذهبه، في أن من لم يقرأ في صلاته أعادها أبدًا. ولما فتحوا عليه، فلم يقرأ، حَمَلَ عليه أنه ترك الجهر جاهلًا متعمدًا، فقال: هذا جاهلٌ".

وقال الإمام النووي في "المجموع" (3 /394):

"شرطا القراءة وغيرها، أن يُسمِع نفسه إن كان صحيح السمع، ولا شاغل للسمع، ولا يُشترط في هذه الحالة حقيقة الإسماع، وهكذا الجميع في التشهد، والسلام، وتكبيرة الإحرام، وتسبيح الركوع وغيرِه، وسائر الأذكار التي في الصلاة، فرضها ونفلها، كلُّه على هذا التفصيل بلا خلاف".

وسئل الشيخ العثيمين في "لقاءات الباب المفتوح" (16 /23) عن بعض الناس في الصلاة يقرؤون الفاتحة والأذكار بالقلوب، ولا يقرؤونها باللسان، فهل تجزئهم؟

فأجاب: "لا يَصلُحُ أن يُقال: قرأ فلانٌ إلا بنطق، فأما إذا أمَرَّها على قلبه، فهذا لم يقرأ، ولا تجزئه في الصلاة؛ لأنه ترك الفاتحة في الحقيقة، وترك التسبيح، وترك التكبير، لكن اختلف العلماء: هل يُشترط أن يُسمِع نفسه؛ بمعنى: أن يكون لحركات لسانه وشفتيه صوتٌ يَسمَعُه، أو لا يُشترط؟ والصحيح: أنه لا يُشترط أن يُسمع نفسه، لكن يُشترط أن ينطق".

أما تغميض العينين في الصلاة، فمكروه لغير حاجة؛ قال ابن القيم في "زاد المعاد": "ولم يكن من هديه - صلى الله عليه وسلم - تغميض عينيه في الصلاة، وقد تقدم أنه كان في التشهد يومئ ببصره إلى أُصبُعِه في الدعاء، ولا يجاوز بصرُه إشارتَه...، وقد يدل على ذلك مدُّ يده في صلاة الكسوف؛ ليتناول العنقود - لما رأى الجنة - وكذلك رؤيتة النارَ وصاحبةَ الهرة فيها، وصاحبَ المحجن، وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه، وردُّه الغلام والجارية، وحجزُه بين الجاريتين، وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه، وهو في الصلاة، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه، وكذلك حديث تعرض الشيطان له، فأخذه فخنقه، وكان ذلك رؤية عين؛ فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة.

وقد اختلف الفقهاء في كراهته: فكرهه الإمام أحمد وغيره، وقال: "هو فعل اليهود"، وأباحه جماعة، ولم يكرهوه، وقالوا: قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة، وسرها ومقصودها.

والصواب أن يقال: إن كان تفتيح العين لا يُخِل بالخشوع فهو أفضل، وإن كان يحول بينه وبين الخشوع لما في قبلته من الزخرفة والتزويق أو غيره، مما يشوش عليه قلبه، فهنالك لا يكره التغميض قطعًا، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة". اهـ. مختصرًا.

هذا؛ وننصح الأخت الكريمة أن تتحلى بالرفق واللين، والحكمة واللطف، حال نصحها لزوجها؛ كي يكون التوجيه مؤثرًا نافعًا، ولا يدعو إلى النفور والعناد؛ كما قال – تعالى -: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]،،

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام