ينتابني شعور أني أعبد غير الله

منذ 2019-02-24

ما وصى به النبي  - صلى الله عليه وسلم – فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((يأتي الشَّيطانُ أحدَكُم فيقول: مَنْ خَلَقَ كذا من خلق كذا؟ حتَّى يقول : مَنْ خَلَقَ ربَّك؟ فإذا بلغَه فليَسْتَعِذْ بِالله وليَنْتَهِ))

السؤال:

أنا شاب مسلم اعرف الله عزوجل ولقد ختمت القرآن تلاوة وبدأت في تلاوته من جديد ولكن انتابني شعور عندما أقوم بالعبادة بأنني أعبد غير الله والعياذ بالله فهل أكون اشركت وكفرت بالله وأنا متأكد بأن الدين عند الله الإسلام وكيف أتخلص من هذه الوسوسة

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فما تشعر به وهو محض وسوسة للشيطان ليحزنك، فاستعذْ بالله منه، واقطَع تلك الوساوس واحذر الا تسترسال معها،  وكفُّ عنْها، فالشيطان إنما يُشكِّك في إسلامك، طمعًا في إضلالك، والدواءُ الناجعُ لهذا الداء، هو الإعراض عن الوساوس، ولا تلتفت إليها؛لأنها من عمل الشيطان؛ يُريد بها أن يُفْسِد دينَك، وعبادَتَك، وإيمانَك.

ودفعُ الوساوس، وإبعادُها عن النَّفْسِ يكون بقوة، وإهْمالُها، وقطعُ الاسترسال فيها، وعدمُ الالتفات إليها، أو الاستسلام لها - هو ما وصى به النبي  - صلى الله عليه وسلم – فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((يأتي الشَّيطانُ أحدَكُم فيقول: مَنْ خَلَقَ كذا من خلق كذا؟ حتَّى يقول : مَنْ خَلَقَ ربَّك؟ فإذا بلغَه فليَسْتَعِذْ بِالله وليَنْتَهِ)).

ومعنى الحديث: إذا عَرَضَ له الوِسواسُ، فيلْجأْ إلى الله - تعالى - في دفعِ شرِّه، وليُعرضْ عن الفكر في ذلك، ولْيَعلمْ أن هذا الخاطر من وسوسةِ الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد، والإغراء؛ فلْيُعرِضْ عن الإصغاء إلى وسوسته، ولْيُبادرْ إلى قطعِها بالاشتغال بغيرها؛ قالهُ الإمامُ النوويُّ في "شرح صحيح مسلم".

وقال شيخ الإسلامابنتيمية في مجموع الفتاوى (22/ 608):
"وَالْوَسوَاسُ يَعرِضُ لكُل مَنْ تَوَجهَ إلَى اللهِ - تعالى - بِذِكرٍ، أَوْ غَيْرِهِ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَيَنبغِي لِلْعَبدِ أَنْ يَثبُتَ، وَيَصبِرَ، وَيُلازِمَ مَا هو فِيهِ مِنْ الذِّكرِ وَالصلَاةِ، وَلَا يَضجَرُ، فَإِنَّه بِمُلَازمةِ ذلك، يَنْصَرِفُ عَنْهُ كَيْدُ الشيطَانِ، {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا} [النساء: 76]، وَكُلَّمَا أَرَادَ الْعَبْدُ تَوَجُّهًا إلَى اللهِ - تعالى - بِقَلْبِهِ جَاءَ مِنْ الْوَسْوَاسِ أُمُورٌ أُخْرَى، فَإِنَّ الشيطَانَ بِمَنزِلَةِ قَاطِعِ الطرِيقِ، كُلَّمَا أَرادَ الْعبدُ يَسِيرُ إلَى اللهِ - تعالى - أَرَادَ قَطعَ الطرِيقِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا؛ قِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ: إنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصارَى يَقُولُونَ: لَا نُوَسْوَسُ، فَقَالَ: صَدَقُوا، وَمَا يَصنَعُ الشيطَانُ بِالْبَيْتِ الْخَرَابِ". اهـ.

وإذا استسلمَ الشخصُ للوَسَاوِس، ولم يقطعْها، فقد تجرُّه إلى مالا تُحمَد عُقباه - والعياذ بالله - ومن أفضل السُّبل إلى قطعِها والتخلُّص منها: الاقتناعُبأن التمسُّك بها اتِّباعٌ للشيطان.

وقال ابن حجر الهيتمي: "للوسواس دواءٌ نافعٌ هو الإعراضُ عنه جملةً، وإن كان في النفس من التردُّد ما كان، فإنَّه متى لم يلتفِتْ لذلك، لم يثبُت، بل يذهبُ بعد زمن قليلٍ؛ كما جرَّب ذلك الموفَّقون، وأمَّا مَن أصغَى إليها، فإنَّها لا تزالُ تَزدادُ به حتَّى تُخْرِجه إلى حيِّز المجانين، بل وأقبحَ منهم؛ كما شاهدناه في كثيرٍ مِمَّنِ ابْتُلوا بِها، وأصغَوْا إليها، وإلى شيطانها". اهـ.

هذا؛ ومِمَّا يُعينك على دَفْعِ الوساوس والتغلُّبِ عليها:

1- صدق الالتجاء إلى الله - تعالى - بالدُّعاء، وإخلاص التوجه إليه: أن يُذهِبَ عنك هذا المرضَ ويدفعَه، وأن يرزقك اليقين.

2- الإكثار من قراءة القرآن بتدبُّرٍ، والمُحافظة على ذِكْرِ الله - تعالى - في كلِّ حال - لا سيَّما - أذكارِ الصَّباحِ والمساءِ، وأذكارِ النَّومِ والاستيقاظِ، ودخولِ المَنْزِل والخروجِ، ودخولِ الحمَّامِ والخروجِ منه، والتَّسميةِ عند الطعام، والحمدِ بَعدَه، وغير ذلك؛ فقد روى أبو يَعلى عن أنسٍ أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إنَّ الشيطان وَضَعَ خَطْمَهُ عَلَى قلبِ ابْنِ آدَمَ، فإنْ ذَكَرَ الله خَنَسَ، وإن نَسِيَ التَقَمَ قلْبَه، فذلك الوَسواسُ الخنَّاس))، ومن أفضل الكتب الجامعة لذلك؛ كتابُ "الأذكار" للإمام النَّوويِّ.

3- الاستعاذةُ بالله من الشيطان الرجيم، والإعراضُ عن وسْوسَتِه، وقطعُ الاستِرْسال مع خُطُواته الخبيثة في الوسوسة؛ فذاك أعظمُ علاج؛ فالشيطان إذا وَسْوَسَ، فاستعذتِ بالله منه، وكفَفْتِ عن مطاوَلَتِهِ في ذلك، اندَفَعَ بإذن الله.

فعن عُثْمَان بْنِ أبي العاص قال: "يا رسول الله، إنَّ الشَّيطانَ قدْ حالَ بيْنِي وبيْنَ صلاتِي وقراءَتِي؛ يُلَبِّسُها عليَّ، فقال رسول الله - صلَّى الله علَيْهِ وسلَّم -: ((فإذا أحسَسْتَهُ، فتعوَّذْ بِالله منه، واتْفُلْ عن يَسارِك ثلاثًا))، قال: ففعلتُ ذلك، فأذهَبَهُ اللهُ عنِّي"؛ رواه مسلم.

4- الانشغالُ بالعُلوم النافعةِ، وحضورُ مَجالس العلمِ، ومُجالسةُ الصالحين، والحذَرُ من مُجالسةِ أصحاب السُّوء، أوِ الانفراد والانعِزَال عنِ الناس، ولْتعلَمي أن الشيطانَ يريدُ بوَسْوَسته إفسادَ الدين والعقل، ولذلك؛ ينبغي أن تجتهدي في دفعِها بالاشتغال بغيرها.

5- الإكثارُ من الطَّاعات، والبُعدُ عن الذُّنوب والمعاصي، والحرصُ على قوة النفس، وصدقُ التوجُّه إلى فاطر الإنس والجن،والتعوُّذُ الصحيحُ الذي يتوَاطَأُ عليه القلبُ واللسانُ، فإنَّ ما أنتِ فيه من مجاهَدةٍ هو نوعُ مُحارَبَةٍ، والمحارِب لا يتمُّ له الانتصاف من عدوِّه بالسلاح إلَّا بأمرين: أن يكون السلاحُ صحيحًا في نفسه جيدًا، وأن يكون الساعدُ قويًّا، فمتى تخلَّف أحدُهما، لم يُغنِ السلاحُ كثيرَ طائلٍ.

هذا؛ والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام