سؤال الملائكة لله سؤال استرشاد وطلب للمعرفة

منذ 2021-12-13

كيف نجمع بين قوله تعالى في سورة الأنبياء/23 (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) ، وقوله تعالى في سورة البقرة /٢٩ ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) ؟

السؤال:

الله تعالى يُسأل سؤال طلب ومسكنة ، ويُسأل سؤال استرشاد وطلب للمعرفة، ولكنه لا يُسأل سؤال اعتراض أو استنكار على فعل من أفعاله سبحانه وبحمده . وكان سؤال الملائكة سؤال استرشاد منهم، وهم العالمون بحق ربهم، المسبحون بحمده، الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون .  

الإجابة:

أولًا:

أما سؤال الملائكة لرب العالمين، المذكور في سورة البقرة: فكان سؤال استرشاد، وطلبٍ للفهم والفائدة، ولم يكن سؤال تعنت، ولا اعتراض ؛ حاشاهم من ذلك، عليهم سلام الله أجمعين.

وقيل: إن الله تعالى أذن لهم في السؤال فسألوا.

قال "مكي" في "الهداية" (1/ 216 - 217): " روى كثير من المفسرين أن الملائكة علمت بفساد من سكن الأرض من الجن، وسفكهم للدماء، فقالوا على طريق الاسترشاد، وطلب الفائدة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ؛ أي أيكونون مثل أولئك الذين أفسدوا؟

فسألوا مسترشدين لا منكرين، إذ لا علم عندهم بما يكون من أمر الخليفة التي أعلمهم الله أنه خالقها.

وقيل: إنهم قالوا ذلك على طريق التعجب، كما تقول العرب " أتحسن إلى فلان وهو يسيء إليك! ".

وقيل: إن الله جَلَّ ذكره أذن لهم في السؤال عن ذلك.

وقيل: إن الله تعالى ذكره أعلمهم : أنه يجعل في الأرض خليفة. فسألوا على طريق الاسترشاد: ما يكون ذلك الخليفة؟ فقال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، فقالوا عند ذلك، على طريق الاستعظام والاستثبات، لا على طريق الإنكار: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا الآية.

قيل: قالوا ذلك على التعجب مما أعلمهم الله به من إفساد ذرية الخليفة في الأرض، وسفكهم للدماء " انتهى.

ونقل "الواحدي" في "البسيط" أوجه العلماء في الجواب عن ذلك (2/ 324)، فقال :

" وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد فيها] ولا يسفك الدماء؟ كقوله تعالى:  {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ}  [الزمر:9]، يعني كمن هو غير قانت، وكقول أبي ذؤيب:

عَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا... مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا

أراد: أرشد أم غي.

وعلى هذا؛ فالملائكة أرادوا بالاستفهام: أن يُخبَروا بما لا يعلمون، ولم يذهبوا إلى الإنكار والاعتراض، فقال الله:  {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}، لم يطلعهم على صفة أولاد آدم. ولم يبين لهم أنه يريد أن يخلق من يفسد أو لا يفسد.

وقيل: لما قال الله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟ أم تجعل خليفة من الملائكة؟ فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ أي: إن فيهم المطيع والعاصي جميعًا.

وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو: أن الله أعلم الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، أن الخليفة فرقة من بني آدم تسفك الدماء، وأن الله أذن للملائكة أن يسألوه عن ذلك، وكان إعلامه إياهم هذا: زيادة في التثبيت في نفوسهم أنه يعلم الغيب، وكأنهم قالوا: أتخلق فيها قوماً يسفكون الدماء، ويعصونك، وإنما ينبغي إذا عرفوا أنك خلقتهم أن يسبحوا بحمدك كما نسبح، ويقدسوا كما نقدس، ولم يقولوا هذا إلا وقد أذن لهم، لأن الله تعالى وصفهم بأنهم يفعلون ما يؤمرون "، انتهى.

وقال "ابن كثير" (1/ 216) : "وقول الملائكة هذا: ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم ( لا يسبقونه بالقول )، أي: لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه.

وهاهنا: لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا. قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها، فقالوا: أتجعل فيها الآية..، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي: نصلي لك كما سيأتي، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟

قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال: إني أعلم ما لا تعلمون أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف، على المفاسد التي ذكرتموها، ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له تبارك وتعالى، المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم " انتهى.

ثانيًا :

أما قوله تعالى : ( {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}  [الأنبياء/23] ، فكقوله:  {إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج/18].

فمعناه أن الله تعالى هو " المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما خلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه " انتهى من"تفسير ابن كثير" (1/ 378).

جاء في "التفسير الوسيط - مجمع البحوث" (6/ 1102): " استئناف مبين لما يقتضيه تفرده سبحانه بالألوهية وعظمة الربوبية، وهو أَن يكون سائلا لعباده عما يفعلون، لا مسئولا منهم عما يفعله فيهم، يقول العلامة الزمخشري في تفسير هذه الآية: "وإذا كانت عادة الملوك أَلا يسالهم مَنْ في مملكتهم عن أفعالهم، وعما يُورِدُون ويُصْدِرُون من تدبير ملكهم، تهيبا وإِجلالا، مع جواز الخطأ والزلل وأنواع الفساد عليهم؛ كان مَلِك الملوك، ورب الأرباب، خالقهم ورازقهم: أَولى بألا يُسْأل عن أفعاله، مع ما عُلم، واستقر في العقول: من أن ما يفعله كله معقول، ومرتبط بدواعي الحكمة، ولا يجوز عليه الخطأُ ولا فعل القبيح" انتهى بتصرف يسير.

أَما العباد: فإنهم يُسألون بمقتضى عبوديتهم، وتكليفهم بطاعته سبحانه، والعمل بشرائعه التي شرعها لهم على ألسنة رسله، وبمقتضى ما منحهم من عقول صالحة لتمييز الحق من الباطل، والخير من الشر والنفع من الضر.

وفي جملة من يسأَلهم الله من عباده: من أشركوهم معه، كالمسيح والملائكة، فكيف تصلح معبوداتهم للعبادة وهم مسئولون للإِله الواحد سبحانه وتعالى " انتهى.

والحاصل:

أن الله تعالى يُسأل سؤال طلب ومسكنة، ويُسأل سؤال استرشاد وطلب للمعرفة، ولكنه لا يُسأل سؤال اعتراض أو استنكار على فعل من أفعاله سبحانه وبحمده.

وكان سؤال الملائكة سؤال استرشاد منهم، وهم العالمون بحق ربهم، المسبحون بحمده، الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون.

والله أعلم.

الإسلام سؤال وجواب

موقع الإسلام سؤال وجواب