الغربة

منذ 2005-05-02

قبل أكثر من سنة، وصلتني رسالة من فتاة تشكو غربتها في بيت أهلها، ولم تكن تلك الرسالة هي الأولى وبالتأكيد ليست هي الأخيرة ...


قبل أكثر من سنة، وصلتني رسالة من فتاة تشكو غربتها في بيت أهلها، ولم تكن تلك الرسالة هي الأولى وبالتأكيد ليست هي الأخيرة !

ولما تأمّلت الرسالة وجدت أننا ربما صنعنا الغربة بأيدينا ! كيف ؟

نُحيط أنفسنا بهالة من الوهم -ربما-، ثم لا نخرج منها ! أو ينفرد الصالح بصلاحه، أو يتقوقع داخل دائرة ضيقة محدودة، فلا يرى في الصفحة البيضاء إلا الأسطر السوداء !
بل ربما رأى أسطر الصفحة البيضاء كأنها قضبان سجن !

إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم ( يوسف الصّدّيق عليه الصلاة والسلام ) أُلقي في الجبّ وهو صغير فلم ييأس، وبيع بيع العبيد بثمن بَخْس فلم ييأس، وسُجن بعد أن استبانت براءته فلم ييأس، ودخل معه السجن فَتَيَان فاغتنم الفرصة ليدعو إلى الله وتوحيده سبحانه وتعالى !
إنها دعوة إلى الله أولاً، ودفع لغربته ثانياً، وذلك بأن يُكثر حوله الأتباع على دينه.

ثم سجن سنين عدداً مع عِلم ويقين من سجنوه أنه برئ، وطُلِب منه تعبير رؤيا فلم يتأخر، بل أمحض لهم النصح، فأحسن إليهم رغم إساءتهم إليه. وطُلب منه الخروج من السجن فتأخّر!
حتى تُعلن براءته للجميع. ولما مثُل بين يدي عزيز مصر تطلّعت نفسه إلى الإصلاح فقال: { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }.

فكان من شأنه ما كان حتى تحققت رؤياه بعد زمن طويل: { وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً وَقَالَ يأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّاً وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَآءَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ }..
هكذا عاش يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام غريبا لكنه حاول دفع الغربة بكل ما أمكنه من وسيلة.

وأعجب من هذا، أن تقف أمام قصة موسى عليه الصلاة والسلام الموصوف بالقوة في القلب والبدن، المنعوت بالأمانة في الديانة، يخرج خائفا وجِلاً بعد أن جاءه النذير فقال: { إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ.فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }.

خرج خائفاً وحيداً شريداً طريداً، يتلفّت يمنة ويسرة ينتظر الطّلب ويخشى أن يُدركه.
قال البغوي: "وكان موسى قد خرج خائفاً بلا ظهر ولا حذاء ولا زاد، وكانت مدْين على مسيرة ثمانية أيام من مصر". اهـ .

وقال القرطبي : "لا شيء معه من زاد ولا راحلة ولا حذاء.. ولما رأى حاله وعدم معرفته بالطريق وخلوّه من زاد وغيره أسند أمره إلى الله تعالى بقوله: { عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ }.

ولما ورد ماء مَدْيَن ورد على حين تعب ونصب وجوع وخوف، لكنه لم ينس صنائع المعروف، فسقى للفتاتين { ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ }؛ فهو لم ينسَ أنه بحاجة إلى العون الرباني، وإلى العناية الإلهية؛ فهو وحيد فريد، شريد طريد.. لا أهل ولا مأوى، لا صديق ولا حبيب، لا قريب ولا أنيس..
وسبحان الله اللطيف الخبير، تنقلب الغُربة إلى أُنس، والوحشة إلى سرور؛ فيُدرك الضيافة، ويجد العون والعمل والزوجة !

فأي غُربة كان فيها ؟ وأي وحشة كان سوف يُعانيها لولا صنائع المعروف؟ فيعود من رحلة الفاقة والمسغبة، وقد تأهّل وزالت غربته، وكان معه من يونس وحشته.. ذهب حافياً وعاد مُنتعلاً، حتى قيل له: { فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى }.

فلم يصل إلى أرض مصر إلا وقد أُوحي إليه.
هكذا عاد رافع الرأس حتى وقف أمام فرعون مرّة قائلاً: { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يفِرْعَونُ مَثْبُوراً }


وإذا العناية لاحظتك عيونها

 

نَمْ فالحوادث كلّهن أمان



إن باستطاعتنا أن نُزيل عوامل الغربة التي نعيشها أو على الأقل أن نُضعفها.. ولكن، كيف؟!

عندما يهدي الله شابا أو فتاة في بيت يعجّ بالمنكرات، بل ربما في بيت يفشو فيه الشرك والكفر، فيجد نفسه ضعيفاً غريباً في وسط يُعارِضه في كل قول وفعل، فيبقى يشكو وَضْعه ويندب حظَّه، ويعيش مع رؤوس أموال المفاليس ( الأماني ) !

لكنه لم يتحرّك خطوة واحدة ليزيل عنه الغربة، وليكشف عنه الكُربة؛ لا يجتهد في دعوة أو في دعاء.. ربما كان له حظّ من قيام، أوْ له نصيب من صيام، وله دعوات صالحات، وبينه وبين مولاه أسرار..

ولكنه أغفل استغلال هذه الفُرص، وعجز عن استعمال هذا السلاح.. أمَا إنه لو اجتهد على والد أو والدة، أو أخ أو أخت، ورأى أقربهم إليه، وأكثرهم تعاطفاً معه، وأحبهم إلى قلبه، فجعله غَرَضاً لدعوته، وهدفاً لإصلاحه، فبدأ به عبر رحلة الألف ميل، يدعوه ويدعو له. إن قام في ليل دعا له، وإن صادف ساعة إجابة أشركه في دعائه، وإن صام وحضّر إفطاره، لجّ في الدعاء، وألحّ على الله.

فما هي إلا دعوات صادقة، وجهود مُبارَكة، فإذا بذلك المدعو يسير في رِكابه، ويشدّ من أزْرِه، فيتّخذه عوناً له -بعد الله- على هداية بقية الأسرة، وإذا به قد كسب الرِّهان، وكسر حاجز الغُربة، ووجد من يُناصرِه ويعضد قوله.
وما هي إلا سنوات وبتوفيق الله تكون الأُسرة قد سَلَكَت طريق الهداية، وربما أصبح اللائم بالأمس على الهدى والاستقامة يلوم على التقصير وضعف الاستجابة !

ووالله لقد رأيت هذا رأي عين !
شاب حجّ البيت فسمع أن من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فعزم على فتح صفحة بيضاء، بدأها فور عودته من الحج بأوبة صادقة، هدم معها بناء المعصية، وأقام صروح الطاعة. وكانت أسرته تلومه أن تشدّد -حسب زعمهم- وما هي إلا سنوات حتى كسر حواجز الغربة، وأزال حب المعصية، حتى أصبح - أحياناً - يُلام على بعض تقصيره -الذي كان يُعدّ بالأمس تشدّداً - ! ووجد من يأخذ بيده -إن لم يكن بتلابيبه- ليقول له: اتق الله. ووجد من يُقوّمه إذا اعوجّ، ويشد من أزرِه إذا تذكّر.

والمشكلة تكمن أحياناً في اليأس، وأنه لا سبيل لإصلاح من يعيش بينهم، وأنه لا يُمكن أن يهتدوا، وأن قلوبهم تشرّبت حُبّ المعصية كما تشرّبت قلوب بني إسرائيل حُبّ العجل !
ليس أحد أشد من عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قيل عنه: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب ! قيل ذلك مُبالغة في اليأس منه ومن إسلامه !

ولكنه ما لبث أن أسلم فقيل عنه : كان إسلامه فتحاً على المسلمين، وفرجاً لهم من الضيق.
وقال عبد الله بن مسعود: وما عبدنا الله جهرة حتى أسلم عمر!

ولقد حرص الصّدّيق رضي الله عنه منذ أول وهلة دخل فيها الإسلام على كسر حاجز الغُربة، فاجتهد في دعوة الأقربين، وحرص على صنائع المعروف حتى أعتق الأعبد، فقد أعتق سبعة كلهم يُعذّب في الله، وهم: بلال بن أبي رباح، وعامر بن فهيرة، وزنيرة، والنهدية وابنتها، وجارية بني المؤمل، وأم عُبيس.

فمن أراد إزالة الغربة فليبدأ بأقرب أهله إليه، وليحرص على صنائع المعروف، وليُحسن إلى أهله حتى يُرى أن صلاحه ما زاده إلا بِرّاً وإحساناً.

والله الهادي إلى سواء السبيل..

عبد الرحمن بن عبد الله السحيم

الداعية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في مدينة الرياض