معالم صلاح الفرد

منذ 2013-11-07

دوائر الصلاح الإنساني تشمل "الفرد - والمجتمع - والدولة"، تشريعات الإسلام تتوزع بيْن هذه الدوائر الثلاث، و الإصلاح يجب أن يتم في هذه الدوائر بطريقة متوازية، مع الأخذ في الاعتبار أن كل دائرة تؤثر في التي بعدها.


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد ذكرنا في المقال السابق أن دوائر الصلاح الإنساني تشمل "الفرد - والمجتمع - والدولة"، ودللنا من العقل والنقل على أن تشريعات الإسلام تتوزع بيْن هذه الدوائر الثلاث، وبيَّنَّا أن الإصلاح يجب أن يتم في هذه الدوائر بطريقة متوازية، مع الأخذ في الاعتبار أن كل دائرة تؤثر في التي بعدها.

وبقي لنا أن نتناول معالم الصلاح في كل دائرة من هذه الدوائر فنتحدث في هذا المقال عن معالم صلاح الفرد، وسيكون حديثنا في المقال القادم -إن شاء الله- عن معالم صلاح المجتمع والدولة.

معالم صلاح الفرد:

تختلف المداخل التي يمكن أن ندخل منها لتعريف الإنسان الصالح، وهذا عرض لأشهر هذه المداخل:

1- التركيز على المعاني القاصرة -الفردية المحضة- والمعاني الاجتماعية:

ذكرنا أنه لابد من الفرد الصالح والمجتمع الصالح، وجزء من تربية الفرد الصالح يتعلق بتهيئته لأن يكون فردًا نافعًا في مجتمعه؛ ولذلك يذكر بعضهم تعريفًا موجزًا لما يجب أن يكون عليه الفرد المسلم من "إخلاص العبادة للخالق"، و"الإحسان إلى المخلوق".

ولا شك أنه يدخل تحت كل واحدة من هاتين العبارتين الكثير من المعاني التي يمكن أن تجدها مفصلة في عبارات أخرى، وقريب من هذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- عن أهل السنة أنهم "يعرفون الحق ويرحمون الخلق"، وإن كانت العبارة رغم عمومها فإن استعماله لها يدل على أنه يريد من المعرفة معرفة السنة من البدعة، ويريد من الرحمة رحمة من تلبس ببدعة في عدم التسرع في التكفير أو التفسيق أو التبديع.

والعبارة سواء حملت على المعنى العام أو المعنى الخاص هي من أفضل العبارات التي تلخص جوانب في غاية الأهمية من جوانب الشخصية المسلمة المتكاملة المتزنة.

2- صلاح (العقل - النفس - الروح - الجسد):


"نموذج الإنسان الصالح هو الذي يستعمل عقله استعمالاً صحيحًا، ويصونه عن التفكير فيما لا يتوفر له أدوات البحث عنه، كما يصونه عن الخرافة".

وهذه طريقة علماء التربية حيث ينظرون إلى مكونات الإنسان ثم يتتبعون ما ورد بشأنها في الكتاب والسنة، فنموذج الإنسان الصالح في هذا المدخل هو: الإنسان الذي يستعمل عقله استعمالاً صحيحًا، ويصونه عن التفكير فيما لا يتوفر له أدوات البحث عنه -علم الغيب-، كما يصونه عن الخرافة بجميع صورها -ومِن أبرزها: تقديس المخلوقات- في حين يوظف عقله في إدراك أدلة صدق الوحي، وفي فهم الوحي، ثم في التفكر في السنن الكونية لتسخيرها وتذليلها.


وهو في ذلك يروِّض نفسه ويكبحها عما دله الشرع أو العقل على ضرره؛ حتى وإن تعلقت به حظوظ نفسه، وفي هذا الباب يدخل الجانب المجتمعي حيث يترك الفرد الصالح بعض حظوظ النفس صيانة لحقوق الآخرين، وللإحسان إليهم بما يفوق حقهم.

كما أنه يُعنَى بتغذية روحه بالعبادات التي تصفي الروح وتجعلها تحلق بالجسد إلى معاني السعادة والإنس بالله عز وجل، والجسد هو الوعاء الحاوي لهذا كله الذي ينبغي على الإنسان أن يُعنَى به ليقوم بكل هذه المهام، والتي هي من جملة العناية بالجسد، ومقصودها "الروح" في المقام الأول كالطهارة الحسية والمعنوية.

ومن فوائد هذا المدخل: سهولة المقارنة مع المناهج التربوية الأخرى التي تحترم العقل في الجوانب المادية وتوقعه في الخرافة في الجوانب الغيبية! أو التي تطلب صفاء الروح بتعذيب الجسد أو التي تطلق العنان لشهوات النفس والجسد، إلى غير ذلك من المدارس التربوية المنسوبة إلى ديانات أخرى أو المتفرعة عن نظريات تربوية عالمانية.

3- صلاح (العقيدة - العبادة - الأخلاق - المعاملة):

وهذا التقسيم يعتمد على تقسيم العلوم الإسلامية وبيان ما يختص بتربية الفرد منها، وهو أسهل تناولاً بالنسبة لدارسي العلوم الشرعية، كما أن القنطرة بين الفرد والمجتمع واضحة في هذا التقسيم غاية الوضوح عبر قسم (الأخلاق والمعاملات)، وعلى ذلك فالفرد الصالح وفق هذا التقسيم هو الصالح في عقيدته، وعبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، وهذه نبذة عن كل واحدة من هذه الجوانب الأربع.

1- صلاح العقيدة:


من خلال العقيدة الصحيحة المستفادة من الكتاب والسنة يعرف الإنسان حقيقته ومنشأه، ويعرف الكون من حوله، ويؤمن أن له ربًّا خلقه فسواه فعدله، وعلمه البيان، ومنحه العقل والإرادة، وأرسل إليه الرسل، وأنزل له الكتب، وأقام عليه الحجة، وعرفه الغاية والطريق.

ويعرف أن هذا الرب لم يجعل بينه وبين عباده واسطة في عبادته، وأن حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما يعرف أسماءه وصفاته، ومنها: أن الله هو الخالق، الرازق، المدبر، العزيز، العليم، الحكيم، وهذه المعرفة لها آثار عظيمة.

كما أن هذا العالم البديع وراءه خالق عظيم، خلق كل شيء فقدره تقديرًا، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولكن الذي خلقه سيفنيه، ويبدل به عالمًا آخر، هو عالم الخلود، فيه تُوفى كل نفس ما كسبت، وتجزى بما عملت، وهم لا يظلمون.


الآثار المعرفية والسلوكية للعقيدة الصحيحة:

من أهم ما ينبغي أن نُعنَى به ونحن نتحدث عن صلاح الفرد أن نُعنى بمعرفة العقيدة كغرض مطلوب لذاته أولاً ثم كغرض مطلوب لغيره من جوانب الصلاح الإنسانية التي تتحقق كآثار لتلك العقيدة الصحيحة، وفي هذا الصدد نركز على بعض الآثار الإيمانية للعقيدة الصحيحة في أبواب اضطربت فيها كثير من المناهج التي لم تعتمد على تلك العقيدة الصحيحة.

أ- العقيدة والحرية:

"مَن ينصف سيجد أنه متى قورن الإسلام بالمذاهب الليبرالية سيكون أكثر تحقيقًا لحرية الإنسان من مذاهب خلعت كهنة الدين لتضع بدلاً منهم كهنة الفلسفة!".

إلاسلام جاء دعوة تحريرية كبرى لتحرير الإنسان من كل عبودية لغير الله تعالى؛ من عبوديته للشيطان، ومن عبوديته للإنسان، سواء أكان ملكًا أم كاهنًا، ومن عبوديته للملائكة والصالحين بل من عبوديته لنفسه وهواه، فلا يَعبد إلا الله، ولا يشرك به شيئًا؛ ولهذا كان يبعث النبي صلى الله عليه وسلم برسائله إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام، ويختم رسائله إليهم بهذه الآية الكريمة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران:64]، بل إن الشريعة نزهت الإنسان أن يغلو في مخلوق آخر "وإن لم يبلغ حد العبادة"، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لاَ تُطْرُونِي، كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ، وَرَسُولُهُ» (متفق عليه).

ولا وجه للمقارنة هنا بين هذه العقيدة الصحيحة والأديان الكهنوتية القائمة على تقديس البشر، بل ولا مع المذاهب التي تأثرت بهم كالشيعة والصوفية، ولكن عند من ينصف فسوف يجد أنه متى قورن الإسلام بالمذاهب الليبرالية فإنه سيكون أكثر تحقيقًا لحرية الإنسان من مذاهب خلعت كهنة الدين لتضع بدلاً منهم كهنة الفلسفة.

ب- العقيدة والوازع الذاتي:

قدَّمنا أن العقيدة الصحيحة تتضمن المعرفة الصحيحة بالله عز وجل، ومن أعظم آثارها حب الله والخوف من الله، وهذه الآثار يترتب عليها آثار أخرى، وهي: مراقبة الله تبارك وتعالى ووجود الوازع أو "الضمير الذاتي".

ومن المعلوم أن إيجاد الوازع الذاتي عند الفرد يعد مشكلة كبرى عند ذلك فإنه مهما أقمت من دولة وقوانين بدون وازع ذاتي فإن المجتمع لا يستقر؛ لأن المجتمع لكي يكون مستقرًا فلابد أن يكون الوازع الذاتي موجودًا عند معظم الناس، ثم إذا انحرف بعضهم كانت الدولة له بالمرصاد، لكن إذا كان الوازع الذاتي غائبًا عند المعظم تكون هذه حالة الفساد المستشري التي يقولون عنها إنها تهدد الدول بالزوال والانهيار، فالعقيدة إذن يتفرع عليها العبادة والأخلاق والمعاملة، ويتفرع عليها الجزء الذي يهم كل الناس -حتى غير ذوي المرجعية الشرعية- وهو كيف يكون هذا الفرد عضوًا صالحًا في المجتمع ويكون لديه وازع ذاتي يجعله لا يهدد أمن ولا سلامة ولا استقرار الآخرين إلى غير ذلك.

ومن المشاهَد في بلاد المسلمين وجود الوازع الذاتي "الإيماني" عند عدد كبير من الناس بفضل الله تعالى، ولكن الشيطان يفسده عليهم ببعض التأويلات فتجد أن هذا الوازع في موضوع الرشوة أقل بكثير منه في السرقة مع أنهما من باب واحد هو الكسب المحرَّم، لكن لانتشار التأويل في الرشوة ضعف الوازع الإيماني جدًّا، كما أن الشيطان يُضعِف هذا الوازع تجاه عدد كبير من المعاصي بدعوى أنها من الصغائر، وكل هذه المداخل الشيطانية في حاجة إلى علاج؛ بالإضافة إلى تقوية الوازع الإيماني الذي هو فرع على الإيمان بالله واليوم الآخر.

ج- صفات إيمانية أخرى:

قد يعتني الكثير من الباحثين في شأن سمات الشخصية المسلمة ببعض الصفات التي يراها مميزة للشخصية الإسلامية، وهي صفات تتكون كفرع على تعلم الدين والعمل به، ومعظمها آثار مباشرة للعقيدة الصحيحة، ومن أمثلة ذلك: الصفات التي عدها الدكتور "عمر سليمان الأشقر" رحمه الله تعالى كسمات للشخصية المسلمة فذكر: "البصيرة - العزة - التمسك بالحق - المجاهدة - الرضا النفسي والاطمئنان القلبي - إدراك غاية الحياة - الأوبة إلى الحق"، ويمكن أن تضيف إليها كثيرًا من الصفات مثل: "موافقة الفطرة - التوسط - الاعتدال - الصبر - الواقعية - ... "، وغيرها من سمات الدين ذاته التي تنطبع على الأشخاص الذين يتعلمون الدين ويعملون به بطريقة صحيحة.


2- صلاح العبادة:

وصلاح العقيدة يتفرع عليه صلاح العبادة؛ لأن من عقيدة المسلم قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ . مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ . إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56-58]، وبهذا بعث الله الرسل على مختلف العصور والأزمان: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25].

ومن هنا يحيا الإنسان المسلم متعبدًا لله تعالى، مؤتمرًا بأمره، منتهيًا عما نَهى عنه، جاعلاً خشيته وتقواه نصب عينه: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ} [المائدة من الآية:27].

وتتمثّل العبادة أول ما تتمثل في إقامة الشعائر الكبرى التي فرضها الإسلام وجعلها من أركانه العظام: من الصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، ثم ما يكملها من: الذكر، والدعاء، وتلاوة القرآن، والتسبيح، والتهليل، والتكبير.

فالمسلم يذكر ربه في كل حين، وعلى أي حال؛ في أكله وشربه، وعند نومه وعند يقظته، وفي إصباحه وإمسائه، ولدى مدخله ومخرجه، ويوم سفره وأوبته، وعند لبسه ثوبه، أو ركوبه مركبته؛ لا ينسى في هذه المواقف وغيرها أن يذكر الله تعالى شأن أولى الألباب: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران من الآية:191].

والمطلوب في العبادات:

أولاً: أداؤها بلا كسل أو توان.

ثانيًا: أداؤها على الوجه المشروع.

ومخالفة الأول توقع العبد في المعصية، ومخالفة الثاني توقعه في البدعة.

3- صلاح الأخلاق:


والخُلُق والفضيلة من لوازم العقيدة وتمام الإيمان، كما أنهما ثمرة لازمة للعبادة الحقة، وإذا لم تثمر العبادة في الخلق والسلوك دل ذلك على أنها عبادة مدخولة".

خلق المسلم لا يتجزأ، فهو ليس كخلق اليهودي.. وليس كخلق إنسان الغرب الاستعماري الذي يتعامل داخل أوطانه بأخلاق وفضائل مثالية، فإذا تعامل مع البلاد الأخرى سرق وظلم، وطغى واستكبر!"

والقرآن الكريم يحدثنا عن الإيمان مجسدًا في أخلاق وفضائل، كما في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المؤمنون:1-9].

والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن الإيمان كذلك في صورة أخلاق وأعمال وفضائل، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ» (متفق عليه)، وقوله عليه الصلاة والسلام: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَابًا، أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» (رواه البخاري ومسلم).

والعبادات الشعائرية المفروضة من شأنها أن تثمر زكاة النفس بالفضائل، وطهارتها من الرذائل، كما أشار إلى ذلك القرآن إذ يقول الله تعالى في شأن الصلاة: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت من الآية:45]، ويقول في شأن الزكاة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} [التوبة من الآية:103]، وفي شأن الصيام: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة من الآية:183]، وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (رواه البخاري)، وقال: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ» (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

وخلق المسلم لا يتجزأ، فهو ليس كخلق اليهودي الذي يحرِّم الربا في تعامله مع مثله، ويستحله في تعامله مع الآخرين، وليس كخلق إنسان الغرب الاستعماري الذي يتعامل داخل أوطانه بأخلاق وفضائل مثالية، فإذا تعامل مع البلاد الأخرى سرق وظلم، وطغى واستكبر!

المسلم يعدل مع مَن يحب ومَن يكره، مع القريب الأقرب، ومع العدو الأبعد، {كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء من الآية:135]، {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة:8].

4- صلاح المعاملة:


والمسلم مع التزامه بالخلق والفضيلة؛ فهو ملتزم كذلك بمنهج رباني، بشريعة محكمة مفروضة عليه من ربه، أحلت له الحلال وحرمت عليه الحرام، وحددت له الواجبات وبينت له الحقوق، وفصلت له كل ما يحتاج إليه؛ فلم تدعه هملاً، ولم تتركه نهبًا للفلسفات والأنظمة البشرية المتضاربة، تميل به عن يمين وشمال، بل رسمت له "الصراط المستقيم" وألزمته بالسير فيه، مراعية ما يعرض عليه من ضرورات، فأباحت له بعض ما حظرت عليه بقدر ما توجب الضرورة وحجمها وزمنها، من غير بغي ولا عدوان، كما قال تعالى في شأن الأطعمة المحرمة: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:173].

فالمسلم في علاقاته الأسرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية مقيد بأحكام الشريعة الإلهية، فهو يتزوج أو يطلق، ويبيع ويشتري، ويستأجر ويؤجر، ويكتسب وينفق، ويتملك ويهب، ويرث ويورث، ويحكم ويحتكم، ويسالم ويحارب وفقًا لأوامر الشريعة ونواهيها، واقتضائها وتخييرها، فما أحل الله فهو حلال، وما حرّم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو.

وإذا كان صلاح العقيدة والعبادة يغلب عليهما طابع الصلاح الفردي المحض رغم ما يمهدان له من الصلاح المتعدي؛ فإن جانب صلاح الأخلاق والمعاملات يمثلان القنطرة التي تربط باب صلاح الفرد بباب صلاح المجتمع، ويستكمل الفرد بهما أهليته ليكون عضوًا صالحًا في مجتمعه مصلحًا له، ويلاحَظ التداخل بين باب الأخلاق وباب المعاملات؛ إلا أنه متى ذكرنا كلاً منهما على حدة فنعني بالأخلاق الهيئة الراسخة في النفس التي تدفعها إلى فعل المكارم وترك الرذائل، ويظهر أثر ذلك في التعامل فيُعطى كل ذي حق حقه أو يتفضل بما هو أكثر من الحق، وأما المعاملات فنعني بها معرفة الحقوق والواجبات في كل أنواع المعاملات التي يتعرض لها الإنسان.

تنبيهات مهمة تتعلق بصلاح الفرد

1- الصلاح الإنساني والصلاح المادي:


الصلاح الذي قررنا أن الإسلام يجب أن يمثِّل المرجعية العليا فيه هو الصلاح الإنساني، وهو ما يتعلق بالإنسان من حيث كونه إنسانًا لا من حيث لونه أو جنسه أو مهنته أو غير ذلك، وكذلك المجتمع، وأما الصلاح المادي الذي يحتاج إليه الأفراد والمجتمعات فيرجع فيه إلى السعي في الأرض واستكشاف سننها، ويؤخذ بالتجارب البشرية من المسلمين والكفار على حد سواء ما دام قد روعيت فيه ضوابط الشرع، ومع هذا فقد أرشد الإسلام المسلم أن يعمل لدنياه بما تيسر له من فروع الإنتاج؛ زراعة أو صناعة أو تجارة أو رعيًا أو صيدًا، أو استخراجًا لما في الأرض، أو غير ذلك.

وفي الحديث الصحيح: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» (متفق عليه)، وجاء في حديث البخاري: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (رواه البخاري).

والمهن الدنيوية وإن كانت مباحة باعتبار الآحاد، فإن ما تحتاجه الأمة يدخل في باب فروض الكفايات كما سيأتي بيانه في معالم صلاح المجتمع.

2- العلم والتربية:


استعرضنا فيما تقدم معالم الشخصية المسلمة من أكثر من مدخل، وكلها تدور حول تبويب ما جاء به الشرع من أمور علمية أو عملية ينبغي على المسلم أن يعلمها أو أن يعمل بها، والجهل بهذه الصورة هو عائق من عوائق التمثل بها، ولكن ثمة عوائق أخرى يجب أن توضع في الاعتبار من الشهوات والشبهات التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّ مِمَّا أَخْشَى عَلَيْكُمْ: شَهَوَاتِ الْغَيِّ فِي بُطُونِكُمْ وَفُرُوجِكُمْ، وَمُضِلاتِ الْهَوَى» (رواه أحمد والطبراني، وصححه الألباني)، ومِن ثَمَّ فلكي نصل إلى تلك الصورة المطلوبة لابد من علم بها، ولابد من معرفة بالعقبات وبكيفية التغلب عليها؛ مما يعني أن أي منهج للإصلاح ينبغي أن يتضمن أنشطة علمية وأخرى تربوية غرضها ترويض النفوس على تلك المعاني الفاضلة.

3- الصورة المثالية والتكفير:

استعرضنا فيما تقدم معالم الشخصية المسلمة وغني عن الذكر أن مَن يستعرض مثل ذلك إنما يستعرض الصورة النموذجية المثالية، ولا يُتصور غير ذلك؛ لأن المطلوب هو تحفيز الجميع تجاه العلم والعمل بهذه الصورة.


ولكن هل يترتب على هذا أن مَن خالف تلك الصورة المثالية في أي جانب من الجوانب قد خرج من الإسلام؟!
هذه القضية لها متعلقان:

الأول: في حق هذا الشخص ألا يخرجه أحد من دين الله إلا بحكم من الله.

الثاني: حق الأمة ألا تسلب بعض أبنائها "وإن كان في التزامه بدينها خلل"، كما أن الأم لا ترضى بقتل ابنها العاق وإن كانت بلا شك تتمنى أن يتراجع عن عقوقه.

ومِن ثَمَّ كانت معرفة وسطية المنهج في غاية الأهمية، فالحق وسط بيْن الوعد والوعيد، وبين الخوارج والمرجئة، أما الخوارج فقد جنوا على عصاة المسلمين كما جنوا على أمة الإسلام؛ إذ أخرجوا منها أكثر أبنائها، بل أصبحت بعض جماعات التكفير لا ترى مسلمًا على الأرض غير مَن انتمى لجماعتهم، وإن كانوا يعدون على أصابع اليد الواحدة أحيانًا! ومع خطورة هذا المسلك فإن مسلك "المرجئة" في غاية الخطورة هو الآخر؛ لأنهم في سبيل الهروب من تكفير مرتكب الكبيرة زعموا أنه مَن نطق بالشهادتين لا يضره بعد ذلك ما فعل!

فحال الخوارج كحال مَن يقضي على المريض بالقتل بدلاً من العلاج، وحال المرجئة كحال مَن يجعل أكثر الناس مرضًا مقياسًا للصحة والعافية!

والحق وسط بيْن هذا وذاك، فإن القرآن والسنة يدعوان إلى الصورة المثالية ويرغبان فيها، ويرهبان من أية مخالفة، ولكن هذا مع وجود نصوص تبيِّن أن مرتكب الكبيرة لا يكفر وأنه ما زال في دائرة الإسلام، فنرى في سياق الكلام على كبيرة من أكبر الكبائر والتغليظ في حقها وهي قتل المؤمن يقول الله تعالى: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة من الآية:178].

وبهذا يتبين لنا أن الدعوة إلى الصورة المثالية لا يعني تكفير مَن خالفها، بل لا يكفر إلا مَن حكم الله بكفره بارتكابه ناقضًا من نواقض الإيمان، وأما المعاصي فتنقِص الإيمان، ولكن لا تزيله بالكلية.

وبهذا العرض نكون قد انتهينا من الكلام على معالم صلاح الفرد، وفي المقال القادم -بمشيئة الله- نتكلم عن صلاح المجتمع والدولة.

 

عبد المنعم الشحات

أحد المشايخ البارزين بمسجد أولياء الرحمن بالاسكندرية للدعوة السلفية و منهجه منهج أهل السنة و الجماعه و سلف الأمة من الصحابة و التابعين لهم باحسان