خِطبة النساء بين يسر الماضي وعسر الحاضر

منذ 2007-10-25


تأخذ المواضيع الاجتماعية في هذا العصر حيزاً مهماً من اهتمامات المسلمين على مختلف مستوياتهم الثقافية والاجتماعية، لما يحصل فيه من تجاوزات في هذه المجالات لم تكن تحصل في العصور الإسلامية السابقة، حيث بدأت تظهر في المجتمع الإسلامي عادات اجتماعية بعيدة عن الإسلام وتعاليمه .

ومن هذه العادات تلك المتعلقة بالعائلة وبكيان الأسرة الإسلامية، كعادة تأخير الزواج، وعادة إطالة الخطبة ثم فسخها بعد فترة زمنية غير قصيرة، لدرجة أنه أصبح من الأمر العادي أن يمر كل من الفتاة والشاب بتجربة خطبة أو أكثر دون أن يشكل هذا الأمر أي إحراج لهما أو للمحيطين بهما !

وفي محاولة لدراسة أسباب هذه الظواهر، لا بد في البداية من تحليل بسيط لأسباب نجاح الزواج قديماً ومقارنة هذه الأسباب بالأوضاع الحالية .

والواقع أن الأمر جد بسيط ويمكن تلخيصه بجملة واحدة هي : " تمسك الأوائل بدينهم وتطبيقهم لتعاليمـه "، فقد قام هؤلاء بالالتزام بأحكام الشرع دون الالتفات إلى الشعارات وباليقين بصلاحية هذه الأحكام، فالفرق إذاً واضح بين القدامى والمعاصرين، إذ أن الأمر يتعلق بالإيمان وضعف الإيمان، بالعقيدة والتسليم هناك، وبالضعف والانهزام هنا.

وقد كان من أثر تمسك هؤلاء الأوائل بدينهم أن أدركوا كل ما يتعلق بهذا الدين في مختلف نواحي الحياة الدنيوية والأخروية، فكان مما أدركوا من الناحية الدنيوية دور مؤسسة الزواج في تأمين سعادة الفرد والمجتمع، وتكون سعادة الفرد في إشباع الشهوة عن طريق الحلال و في الحصول على السكن والمودة، كما تكون سعادة المجتمع في استمرار النسل وبقاء النوع البشري، وفي حفظ أمن المجتمع من التعديات وخلط الأنساب ونشر الأمراض والجرائم، التي حذر منها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : «إذا أتاكم من تَرْضَوْنَ خلقه ودينه فزوجوه، إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض» [رواه الترمذي].

هذا باختصار أهم أهداف الزواج كما وردت في الإسلام، وقد ورد ذكرها هنا كمقدمة قبل الانتقال إلى ذكر أسباب تيسير الخطبة في العصر القديم وتعسيرها في العصر الحديث .

يسر الخِطبة في العصر القديم :

أدرك المسلمون الأوائل ارتباط الزواج بالشرع فلم يفصلوا بينهما كما يفعل بعض المعاصرين الذين يدعون إلى فصل الدين عن الدولة، إذ أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل من الزواج نصف الدين فقال : «إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي» [رواه البيهقي] .

لهذا كان هؤلاء يسارعون إلى تزويج أبنائهم إكمالاً لنصف دينهم، وتنفيذاً لأوامر الله عز وجل واتباعاً لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم الذي جعل مسؤولية فساد الولد تقع على الأهل في حال إخلالهم بواجباتهم تجاه أبنائهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «من بلغ ولده النكاح وعنده ما يُنكحه فلم يُنكحه ثم أحدث حدثاً، فالإثم عليه» [رواه الديلمي عن ابن عباس] .

وقد كان لهؤلاء الأوائل معاييرهم الإسلامية في اختيار الزوج وفي تيسير أمر زواج بناتهم، ومن هذه المعايير :

1- الإسراع في تزويج المرأة الخالية من الزوج، تنفيذاً لأمر رسول الله عليه الصلاة والسلام الذي قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : «ثلاث يا علي لا تؤخرها : الصلاة إذا آنت، والجنازة إذا حضرت ، والأيِّم إذا وجدت كفــؤاً» [رواه الترمذي] .

2- البحث عن التقوى، فلم يرغب الصحابي لابنته إلا في الزوج التقي، لعلمه أن التقي لا يظلم، فقد قال رجل للحسن رضي الله عنه : " قد خطب ابنتي جماعة فمن أزوجها؟ قال : ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها " (الإمام الغزالي، احياء علوم الدين، ج2، ص41 ).

3- تخفيف المهور، حيث كانوا يتبعون سنة الرسول عليه الصلاة والسلام في هذا الأمر، فهو القائل : «خير الصَّداق أيسره» [رواه الحاكم] .

4- عَرْضُ الصحابة والتابعين بناتهم للزواج على من يجدون فيه خيراً وصلاحاً، وعدم اعتبار هذا الأمر مشيناً بكرامة الفتاة، وكرامة الوالد، وهذا الأمر لم يفعله صغار القوم، كما قد يتراءى لبعض الناس، بل فعله كبارهم، كعمر بن الخطاب وسعيد بن المسيِّب رضي الله عنهما .

5- عرض المرأة نفسها على من ترى فيه صلاحاً، وعدم استهجان الرجال الصالحين هذا الأمر، فقد ورد في صحيح البخاري عن ثابت البناني أنه قال :
" كنت عند أنس وعنده ابنة له، قال أنس : جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرض عليه نفسها قالت : يا رسول الله، ألك بي حاجة ؟ فقالت بنت أنس : ما أقل حياءها، واسوأتاه، قال : هي خيرٌ منك، رغبت في النبي صلى الله عليه وسلم فعرضت عليه نفسها " .

6- إعانة طالبي الزواج التزاماً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال :
«ثلاثة حق على الله عونهم : المكاتب الذي يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله» [رواه النسائي وابن ماجه] .

لهذه الأسباب ولأسباب أخرى لا يمكن حصرها في هذه العجالة، كان الزواج في تلك العصور زواجاً ميسراً ومباركاً، لأن من كان مع الله فإن الله معه وهؤلاء رجال قال فيهم الله عز وجل : {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب :23 ].

عسر الخِطبة في العصر الحالي :

يستطيع المتتبع لأحوال المسلمين اليوم أن يلحظ الفشل والتراجع الذي طال حياتهم الدينية، والاجتماعية والاقتصادية، وقد تفاقم هذا الفشل حتى أصبح من السهل على الإنسان العادي أن يلحظه ويبدي تخوفاً من تفاقمه .

وقد حصر رسول الله عليه الصلاة والسلام أسباب التراجع والضلال في حياة المسلم بسببين هامين فقال صلى الله عليه وسلم : «تركت فيكم شيئين، لن تضلوا بعدهما : كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا عليَّ الحوض» [رواه الحاكم] .

وقال عليه الصلاة والسلام : «لتتبعن سُنَنَ من قبلكم، شبراً بشبر، أوذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جُحر ضبّ لسلكتموه ، قالوا : اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟» [رواه احمد] .

ففي هذين الحديثين يلخص الرسول عليه الصلاة والسلام سبب الضلال والشقاء الذي يعاني منه المسلمون اليوم، إذ أنهم يواجهون صعوبات ما كانت لتكون لو أنهم التزموا بكتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام، وما كانت لتكون لو أنهم تركوا اتِّباع غير المسلمين والتزموا بمنهج الله عز وجل .

ومن آثار هذا التراجع ما يشهده المجتمع الإسلامي من فشل في الزواج، بل وفشل في مقدمة الزواج وهي الخِطبة، وما يرافق هذا الأمر من فساد أخلاقي واجتماعي واسع حيث بدأ يرافق الخِطبة في بعض الحالات اختلاط وإباحية قد تصل في بعض الأحيان إلى الزنا والفجور.

وفي محاولة لمعرفة أسباب تعسير عملية الزواج، و فشل الخِطبة بين الشباب، يمكن ملاحظة الأسباب التالية :

أولاً : ترك كثير من الأهل اتباع سنة الإسراع في تزويج الفتاة والشاب التي دعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أصبح سن الزواج في هذا ا العصر يبدأ بمنتصف العشرينيات بالنسبة للفتاة ومنتصف الثلاثينيات بالنسبة للشباب، ودوافع هذا التأخير متنوعة أبرزها :

1- طمع الأهل في راتب الفتاة العاملة، أو الطمع في الزوج الغني صاحب المنصب والجاه.

2- فرض نظام التعليم المعاصر، الذي يفرض إطالة فترة الدراسة إلى منتصف العشرينيات كحد أدنى وإلى منتصف الثلاثينيات في حال كانت الدراسة " دراسة عليا " .

وللتعليم الجامعي تأثير آخر على تأخير سن الزواج وفشل الشباب في اختيار الشريك الصالح، وذلك بسب اشتراط المماثلة في المستوى الجامعي عند اختيار الشريك، أو بسبب نفور بعض الشبان من الفتاة الجامعية وذلك خوفاً من التكبر وكثرة المناقشة والتمسك بالرأي التي تميز الفتاة الجامعية عن غيرها .

3- الوضع الاقتصادي وما ينتج عنه من نقص في الأجور، وغلاء في المساكن، وغلاء في المهور .

4- العجز عن إيجاد الشريك المناسب الذي يتمتع بالمستوى الاجتماعي والأخلاقي، وفقدان هذا الأمر يعود لأسباب عديدة منها :

5- غياب دور الخاطبة الذي كان معروفاً فيما مضى، وانتشار الفتور في العلاقات بين كثير من الأسر والعائلات، نتيجة ضعف شديد في الصلات، حيث قد لا يعرف الجار جاره إلا بالشكـل.

ثانياً: الجهل بأحكام الخِطبة التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وذكرها الفقهاء في كتبهم، والتي منها :

1- البحث عن الصلاح والتقوى والكفاءة عند إرادتهم تزويج بناتهم، وأن تكون هذه العوامل هي المعايير السليمة في البحث .

2- ترك الاستفسار والسؤال عن الخاطب، هذا الأمر الذي أباحه الشارع وجعله السبيل الوحيد لمعرفة أخلاق الخاطب وخصاله وتدينه، فقد ذكر الإمام الغزالي في الأعذار المرخصة للغيبة: "وكذلك المستشار في التزويج وإيداع الأمانة، له أن يذكر ما يعرفه على قَصْدِ نُصح المستشير لا على قصد الوقيعة، فإن علم أنه يترك التزويج لمجرد قوله : لا تصلح لك، فهو الواجب وفيه الكفاية، وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه، فله أن يصرح به ( الإمام الغزالي، إحياء علوم الدين، ج3، ص 153)، الوقيعة : غيبة الناس .

3- المعرفة بأحكام الخطبة، وبالحدود التي أباحها الشرع وحرمها في العلاقة بين الخطيبين، حيث أباح الإسلام نظر الخطيبين إلى بعضهما قبل الخِطبة، على أن لا يتعدى هذا النظر الوجه والكفين لقول الجمهور : " لا ينظر إلى غير وجهها وكفيها " (ابن حجر العسقلاني، فتح الباري، ج9، ص88) .

وحرم الخَلوة والاختلاط والخروج معاً، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان إلا المحرم» [رواه احمد] .

كما أن في فعل هذا الأمر تدمير ذاتي للفتاة التي تُعَرِّضُ نفسها لمثل هذه التجربة، وقد تحدثت إحدى الفتيات عن تجربتها بنفسها فقالت : " رفضت الزواج بالطريقة التقليدية وصممت على معرفة شريك حياتي معرفة تامة قبل الزواج، وفعلاً تعرفت على عدد لا بأس به من الشباب في محاولة مني لاختيار الشاب المناسب الذي لم أجده، وكانت النتيجة أنني كَسَبْتُ سمعة لا يحسدني عليها أحد، والآن الجميع يخاف الاقتراب مني ( د. عبد الرب نواب الدين آل نواب، تأخر سن الزواج، ص94 ).

ولا بد من التذكير أن في الزواج ستراً للمرأة، وعلى المسلمة أن تراعي ظروفها وأن تعمد في حال أرادت الزواج إلى عدم الاستسلام لأحلام اليقظة في رسم مواصفات العريس، ولا تجعل ذلك سبباً لرفض العرسان رغبة وأملاً في الأفضل والأحسن، فالعمر يمضي والأجل يدنو، والعاقل هو الذي يستفيد من الفرصة قبل فواتها وقبل انقضاء أوانها …

" ومما يذكره الظرفاء في مثل هذه الحال أن الفتاة ذات العشرين ربيعاً إذا خطبها خاطب تعللت فقالت : ما شكله ؟ ما لونه ؟ كم طوله ؟ ما لون شعره ؟… وترى أن هذا هو عماد الحياة الزوجية، حتى إذا بلغت الثلاثين وجاءها خاطب قالت : كم راتبه ؟ ما مركزه ؟ لتحسُّن إدراكها عن ذي قبل، ومن كان فيها حمق أو ألجأتها الظروف ترفض الخطّاب حتى وهي في سن الثلاثين، حتى إذا بلغت الأربعين وخطبها خاطب قالت : وأين هو ؟ "، (تأخر سن الزواج ، ص92-93).

أما إذا تأخر زواج الفتاة لأسباب خارجة عن إرادتها، كعدم وجود الخاطب، أو عدم وجود الشخص الكفؤ، وهذا الأمر كثير الحصول، فما على مثل هذه المرأة إلا أن ترضى بقضاء الله، ولا تتسرع في قبول الزواج ممن لا يصلح لها خوفاً من البقاء عانساً، وقد وردت في إحدى الصحف عبارة جميلة في هذا المجال تقول : " إذا كنت تريد أن تتزوج خوفاً من الوحدة، فإن الزواج مرعب"( أي في حالة اختيار الشريك غير المناسب ).

ولقد جعل الله عز وجل للشباب الذي يعجز عن الزواج سبيل الاستعفاف فقال تعالى :
{وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [ النور: 33].

وأما وسائل الاستعفاف التي جاء بها الشرع فعديدة، منها :

1- الصوم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجــاء» [رواه البخاري] .

2- الابتعاد عما يثير الشهوات، كالاختلاط المحرم، والنظر إلى المشاهد المثيرة المنتشرة على الطرقات، وفي وسائل الإعلام .

3- الابتعاد عن رفاق السوء واختيار الرفقة الصالحة لما تؤدي إليه عشرتهم من إصلاح للنفس، وحث على الطاعة، وتذكير بالله وتخويف من عقابه .

4- استغلال وقت الفراغ بما ينفع ويفيد، والالتجاء إلى العلم والانشغال بنوافل العبادات، والتفكر بآلاء الله تعالى، واستحضار خشية الله تعالى في النفس لما في هذا الأمر من ردع عن القيام بالمحرمات .

وفي الختام لابد من التذكير بأهمية الزواج كنظام اجتماعي يؤمن الاستقرار للفرد والمجتمع، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة المسلم العامة، فلا يمكن فصله عن أحكام الدين، ولا يمكن التهاون في تنفيذ الأحكام الشرعية المتعلقة به، وذلك كي لا تصبح الأمة المسلمة أمة مقلدة لأمة الغرب فتستحق بذلك العقاب الذي لا بد أن يصيب هؤلاء القوم الذين نبذوا الدين وراء ظهورهم وعاثوا في الأرض فساداً .

وعلى هذا الأمل نرفع أكف الضراعة بالدعاء إلى المولى عز وجل أن يحمي أمة الإسلام من أعدائها في الداخل قبل الخارج وأن يقيِّد لها من يدافع عن قِيَمِها وأعراضها، كما ندعو الله أن ينير طريق الفتاة المسلمة وأن يبصرها بما فيه صلاحها في الدنيا والآخرة .

اللهم آمين .

د. نهى قاطرجي
المصدر: منقول