شرح وأسرار الأسماء الحسنى - (25) اسم الله الخالق

منذ 2014-06-14

اسم الله الخالق يعلمك التفكر وكثرة ذكر ربك الذي خلقك ودبر لك أمرك، وشكره على نعمائه التي امتن بها عليك، وليس أكبر من نعمة الوجود.. ومما ينافي هذا الشكر أن تنازعه في صفة الخلق تلك فتدعي لنفسك ما ليس لك أو تضاهيه في خلقه.

أولًا: ورد اسم الله تعالى الخالق في القرآن مُطلقًا ومُقيدًا، مُعرفًا ومُنونًا، قال اللهُ جلّ وعلا: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الحشر:24]، وقال جل شأنه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [فاطر:3].

لا بد في البداية أن نشير إلى أنَّ هذا الاسم الشريف يشير إلى صفة من صفات ربوبية الرب جل وعلا، فإنَّ صفات الربوبية تؤول إلى معانٍ خمس:
الصفة الأولى: صفة الخلق.
والصفة الثانية: صفة المُلك.
والصفة الثالثة: صفة التدبير والهيمنة.
والصفة الرابعة: صفة الإحياء.
والصفة الخامسة: صفة الإماتة والبعث والنشور.

فلا يكون ربًا من لم يتصف بهذه الصفات، وأضف إليها كذلك صفة الرزق.
فصفة الخلق بإحياءِ الموتى وإيجادِ الشيء من العدم وفي نفس الوقت هو سبحانه وتعالى الذي يرزقهم ويتولى أمورهم، أفلا يستحق من اتصف بذلك أن يكون هو الإله فلا يُعبد إلا هو ولا يحب ولا يُجَلُ إلا هو سبحانه وتعالى على هذا الاعتبار، فهو الذي خلق وهو الذي رزق وهو الذي يحي ويميت، وهو سبحانه وتعالى له صفة المُلك وله صفة الهيمنة، إذا كان الله سبحانه وتعالى تفضل على عباده بكل ذلك، ألا يستحق بعد هذا أن يكون هو الإله؟

وقد ورد اسم الله تعالى الخالق مُقيدًاكقوله تعالى: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [الزمر:62]، خلق سبحانه وتعالى كل شيء فأوجد هذه الأشياء بعد أن كانت في عالم العدم، هو سبحانه وتعالى الذي قدر وجودها وأوجدها وهو على كل شيء وكيل.

اسم الله الخالق في السنة:
وقد ورد في السنة إثبات هذا الاسم كذلك، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وصححه الألباني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: غلا السعر على عهد رسول الله فقالوا: "يا رسول الله غلا السعر، فسعر لنا سعرًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو الخالق القابض الباسط الرازق المُسعِّر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دمٍ ولا مال» (صححه الألباني).

هذا الحديث يشير إلى قضية التسعير.. فالأصل أن يترك الأفراد لبعضهم البعض في أمر التسعير ولا يتدخل الحاكم ولا يسعر، لكن إن وجد احتكار لسلعة من السلع الضرورية أو وصل الأمر إلى حد التضييق على عباد الله تعالى بأن غَلَوا جدًا في الأسعار، بحيث لا يستطيعها أفراد المجتمع فهنا رخص الفقهاء للحاكم أن يتدخل لكن الأصل ألا يسعر وأن يدع الناس كل منهم يكون له حظ من أخيه.

الشاهد قول النبي: «إنَّ اللهَ هو الخالق» وقد ورد كذلك أن النبي قال: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (صححه السيوطي في الجامع الصغير).

معنى اسم الله الخالق في اللغة:
الخلق في اللغة يدور حول معنيين:
المعنى الأول: هو إيجاد الشيء من الشيء، أو إيجاد الشيء من العدم.
أي يأتي الخلق بمعنى الإنشاء والإبداع، ويأتي بمعنى تقدير الشيء.
فمن ذلك قولُ الله جل وعلا: {الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ} [السجدة:7]، وقول الله تعالى: {هذَا خَلْقُ اللَّهِ } [لقمان:1] أي هذه مخلوقات الله: {فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [لقمان:11]، فالمعنى هنا أصله التقدير وإبداع الشيء من غير أصل.

الخلق قد يأتي أيضًا بمعنى الكذب على اعتبار أن الذي يكذب يُؤلف ويُنشئ كلامًا لا يُطابق الحقيقة لذلك ستأتي {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} [ص:7]، يعني افتراء وكذب. ويقول الله جل وعلا: {إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا} [العنكبوت:17]، يعني أنكم تؤلفون وتكذبون وتأتون بهذه الأمور التي لا تتطابق مع الحقيقة، ويقول الله تعالى {إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء:137]، أي إن هذا إلا كذب الأولين.

الخالق في أسماء الله تعالى هو الذي أوجد جميع الأشياء بعد أن لم تكن موجودة، فالخالق هو الذي ركب الأشياء تركيبًا ورتبها بقدرته ترتيبًا، يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} [فاطر:3]، {هَلْ مِنْ خَالِقٍ} أي هل من مُبدع؟ هل من مُنشئ؟ هل من مُوجد للأشياء؟ من العدم غير الله

المعنى الثاني:هو تقدير الشيء أو تركيبه وترتيبه..
يدل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً} أي قدرناها كذلك: {ثم خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون:14].

وقفة مع مسألة مهمة في القضاء والقدر:
كل مخلوق مهما عظم شأنه أو دق حجمه لا بد أن يمر بأربعِ مراحل أو مراتب:
المرتبة الأولى: مرتبة التقدير، المرتبة الثانية: مرتبة الكتابة، المرتبة الثالثة: مرتبة المشيئة، المرتبة الرابعة: مرتبة الخلق والإيجاد والتكوين. أي شيء قدره الله تعالى لا بد أن يمر بهذه المراتب الأربعة.

أول مرحلة: مرحلة التقدير وحساب المقادير:
وهذه تعني أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى في علمه السابق قدَّر كل شيء قبل تصنيعه.
ذكرنا عند ما تدارسنا اسم الله تعالى العليم أنه جل وعلا يعلم قبل إيجاد الشيء وصف هذا الشيء وما سيكون وحاله، فالله سبحانه وتعالى يعلم جميع خلقه قبل أن يخلقهم، وفي نفس الوقت قدر لهم كل شيء قبل أن يُوجدوا، إذًا أول شيء قبل أن يوجد ذلك الشيء كان في علم الله مُقدَّر ثم..

المرحلة الثانية: كُتب في اللوحِ المحفوظ:
هذه هي المرحلة الثانية التي هي مرحلة الكتابة، فكُتِب فيه تفصيل هذا الخلق وما يلزم لنشأته وإعداده وهدايته وإمداده وجميع ما يرتبط بتكوينه، ثم بعد ذلك..
المرحلة الثالثة: وهي المشيئة: ونعني بذلك أن الله سبحانه وتعالى شاء لهذا الشيء أن يوجد في هذا الزمان وهذا المكان فما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن.

وبعدها جاءت مرحلة التنفيذ والخلق: وهي المرتبة الأخيرة أن وجد هذا الشيء وقُدَّرَ له كل تفاصيل حياته، فكانت المرحلة الرابعة، مرحلة خلق الأشياء وتكوينها وتصنيعها وتنفيذها وفق ما قُدر له بمشيئة الله في اللوح المحفوظ، وقد علق ابن القيم على هذه المراتب في كتابه الماتع شفاء العليل فقال: "مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها، لم يؤمن بالقضاء والقدر".

وانتبه.. فهذه جملة خطيرة! فأنت حين تقول: "أؤمن بالقدر خيره وشره" يجب أن تكون مؤمنًا بهذه المراحل إيمانًا جازمًا تؤمن بأن الله سبحانه وتعالى قبل أن يقدر الشيء كان يعلمه، وتؤمن بأن كل شيء مكتوب في اللوح المحفوظ، وتعلم علم اليقين أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وتؤمن بقدرة الله على التقدير ومرحلة الإيجاد.

تؤمن بهذه الأربعة إيمانًا جازمًا لا نقاش فيه ولا جدال وإن لم يدركها عقلك وأن تسلم بترتيب هذه المراحل وتدرجها ولا تعمل فيها عقلك، لأنه قاصر عن إدراك مثلها -كما ذكرنا من قبل-.
إذًا معنى الخلق يدور حول معنيين شريفين عظيمين، المعنى الأول معنى الإنشاء وإيجاد الشيء من العدم، والمعنى الثاني معنى تقدير الشيء وتكوينه على هذه الصفة التي تقدمت معنا.

دلالة هذا الاسم على صفة الرب سبحانه وتعالى..
اسم الله الخالق يدل على ذاتِ الله المُتصف بصفة الخالقِ.
ويدل باللزوم - أي يلزم من كونه خالقًا- أن يكون هو ابتداءً حي وإلا كيف يخلق وهو ليس بحي ؟!. ويلزم أن يكون هو القيوم الذي به قيام كل شيء ومن ذلك إيجاده من العدم، يقوم به كل شيء ولا يقوم هو سبحانه وتعالى على شيء.

ويلزم من ذلك أن يكون سميعًا بصيرًا، فكيف يخلق وهو سبحانه وتعالى لا يكون سميعًا لما يخلق، بصيرًا بكل شيء، عليمًا بكل شيء، وكذلك صفة المشيئة والحكمة والقدرة والغنى والقوة إلى غير ذلك من هذه الصفات التي ينبغي أن يتصف بها الخالق.

الدعاء باسم الله تعالى الخالق: دعاء مسألة ودعاء عبادة.
ورد هذا الاسم بهذه الصفة في كثير من نصوص الكتاب والسنة، من ذلك قول الله جل وعلا: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ . الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ..}، هنا محل الشاهد: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:190-191]، فجعل هذه الصفة في مقام دعاء الثناء، يا رب ما خلقت هذا باطلًا سبحانك أنت الخالق، ثم ثناه بدعاء المسألة فقال فقنا عذاب النار.

ومن هذا أيضًا ما ورد في سنن النسائي وصححه الألباني من حديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن رجلًا من أصحاب النبي قال إن رجلا من أصحاب النبي قال: "قلت وأنا في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: والله لأرقبن رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة، حتى أرى فعله، فلما صلى صلاة العشاء -وهي العتمة-، «اضطجع هويًا من الليل، ثم استيقظ فنظر في الأفق، فقال: {رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ . رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ . رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ . رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}» [آل عمران:191-194].

حتى بلغ إلى: إنك لا تخلف الميعاد، ثم: «أهوى رسول الله إلى فراشه، فاستل منه سواكًا، ثم أفرغ في قدح -من إداوة عنده- ماء فاستن، ثم قام فصلى»، حتى قلت: قد صلى قدر ما نام، «ثم اضطجع»، حتى قلت: قد نام قدر ما صلى، «ثم استيقظ»، ففعل كما فعل أول مرة، وقال مثل ما قال، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات قبل الفجر" (تخريج مشكاة المصابيح:1166، إسناده صحيح على شرط مسلم)، الشاهد أنه صلى الله عليه وسلم أول ما فتح عينيه تعبد الله سبحانه وتعالى بعبادة التفكر وهذا سيجعلنا نتوقف عند هذا المعنى مليًا في حظ المؤمن من اسم الله تعالى الخالق.

وكذلك الدعاء حال النوم:
كان صلى الله عليه وسلم ربما يقول: «اللهم أنت خلقت نفسي وأنت توفاها لك مماتها ومحياها إن أحييتها فاحفظها وإن أمتها فاغفر لها، اللهم إني أسألك العافية» (صحيح مسلم)، وكذلك جاء أيضًا في أذكار الصباح والمساء، قال أبو صالح رضي الله عنه: "سمعت رجلًا من أسلم قال كنت جالسًا عند رسول الله فجاء رجل من أصحابه فقال يارسول الله لدغت الليلة فلم أنم حتى أصبحت، قال «ماذا؟» قال عقرب. قال: «أما إنك لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك إن شاء الله» (إسناده صحيح).

حظ المؤمن من اسم الله تعالى الخالق:
أن يمعن نظره ويمتع بصره بخلق الله، يما يحل له النظر إليه من هذا الخلق.
كما قلنا سنتوقف عند معنى التفكر قليلاً مع اسم الله الخالق، فقد جاء في تفسير ابن كثير لآيات التفكر التي أوردناها: "أن رجلاً في الصحراء ليلاً نظر إلى السماء فوجدها مُتلألئة بالنجوم فقال أشهدُ أن لكِ ربًا، اللهم اغفر لي، فغفر الله له"، امتلأ قلبه باليقين في هذه اللحظة فنطقها صادقًا متعبدًا فغفر له.

وكانت أم الدرداء تقول "كان جُلٌّ عبادة أبي الدرداء التفكر"، على إنَّ أبا الدرداء رضي اللهُ عنه كان معروفًا بكثرة صلاته وتسبيحه لكن لعله كان يسبح في إثر التفكر، عبادة التفكر عبادةٌ عظيمة الشأن -كما ذكرنا قبل ذلك- ونحتاج حين نتدارس اسم الله الخالق أن نحيي هذه السنة، سنة التفكر، فاختلِ بالله سبحانه وتعالى وناجه لتشعر بالرهبة العظيمة وأنت تنظر للسماء وتحدثه وتكلمه جل وعلا، فيكون هناك نوع من الذكر والفكر والشكر يملأ القلب فيتولد اليقين بالله سبحانه وتعالى.

أن تعلم أنك ميسر لما خلقت له..
في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني أن عمر بن الخطاب سئل عن هذه الآية: ‏{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172]، فقال عمر بن الخطاب: "سمعت رسول الله سئل عنها، فقال رسول الله: «إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل النار يعملون»، فقال الرجل: ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال رسول الله: «إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله الله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله الله النار».

الحديث في الرواية الأخرى، أنَّ الرجل لما قال للنبي ذلك قال: «اعمل فكلٌ مُيسَّر لِما خُلِقَ له»، فالرجل تداخلت عليه المسألة، لمَ يدخل أناس النار وأناس الجنة؟ الأمر التبس على الرجل، فلم يجيبه النبي في المسألة بإجابة عقلية، إنما أرشده إلى ما ينبغي عليه أن يُشغلَ ذهنه فيه، ألا وهو أن يعمل عملًا يُختَم له به، طالما هو لا يستطيعُ أن يعلمَ أو يفهم مقادير الله، ولا يستطيعُ أن يعلمَ ما هو مُقدَّرٌ له، فلِمَ يُشغِل ذهنه بهذه القضية؟

قال له: «أن الله عند ما خلق العباد وقال أنَّ هؤلاء أهل الجنة فإنه ييسر لهم عمل الجنة.. فاعمل بعملِ أهلِ الجنة إن كنت تريدها، وإن وجدت من نفسك نزوحًا ناحية المعاصي فهذا عمل أهل النار»، إذًا فالنبي بإجابته على سؤال الرجل أثبت أمرين: أول شيء أثبت له أنَّ له إرادة، وطالما أنَّ له إرادة، فهذه هي التي تشغل باله، تشغل نفسك بها لأن هذه هي التي عليها التكليف، وثاني شيء أغلق مسألة دخول الشيطان عليه بأنه يقول أصل أنا مُقدَّر لي أن أكون من أهلِ النار، قال له: لا. أنت لو خُتِمَ لك بعملِ أهل الجنة تدخل الجنة، فركِّز الآن في أنك تعمل عمل يدخِلُك اللهُ به الجنة، ولا تفكر في شيء آخر، لا تُفكر في أنَّ ذنوبك هذه ستكون أنها سبب والعياذُ بالله تهلك في النار، أو... أو... فجعله ما بين الترغيبِ والترهيبِ وما بين الأمرين تتولد إرادة العباد ما بين الخوف والرجاء.

الأمر الثالث: الشكر.
أن يشكر العبدُ لخالقه أن منَّ عليه بمثل هذه المنن، هذا الخالق سبحانه وتعالى خلق فسوى، وقدر فهدى لذلك سبح {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى:1-2]، فأول شيء أن يشكر الله سبحانه وتعالى أن منَّ عليه بهذه النعم العظيمة، ويسرّها له، كما في الحديث الذي رواه مُسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها سمعت النبي يقول: «إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل. فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظمًا من طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهى عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلامَى، فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار» (صحيح مسلم:1007).

و يُغني عن هذا كله ركعتين يركعهما من الضحى، لذلك صلاة الضحى لها مقام عظيم جدًا، صلاة الأوابين فإن لم يُصلَّها فعليه أن يسبح الله تعالى، ويحمده، ويهلله، ويستغفره، أقل شيء عدد الثلاثمائة وستين مفصل، يقسمهم يستغفر مائة مرة، ويسبح خمسين مرة، وهكذا.. فقال «يمشي يومئذٍ وقد زحزح نفسه عن النار»، لأنه شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه هذه.

من أثرِ الاسم على العبد إيمانه بأنَّ الخالقَ في أوصافه يختلف عن المخلوق.
المعنى الرابع: أن يؤمن بأنَّ الله سبحانه وتعالى مُخالِفٌ لجميعِ خلقه {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]، يقول النبيُّ: «ليسألنكم الناس عن كل شيء حتى يقولوا: الله خلق كل شيء. فمن خلقه؟» (صحيح مسلم)، وقال: «يأتي الشيطان إلى أحدكم فيقول من خلقك؟ فتقول خلقني الله فما زال به حتى يقول: فمن خلق الله؟ قال: فإذا وجدتم ذلك، فليستعذ بالله، ولينتهِ» (صحيح البخاري)
الأمر الأول: يلجأ إلى اللهِ عزّ وجل ويستعيذ به من شرِّ همزات الشياطين.
والأمر الثاني: ينتهي لا يتمادى مع الشيطان في ذلك يُغلِق الباب فورًا.

الأمر الخامس: الذكر.
ذكرنا {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى . الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى} [الأعلى:1-2]، حقه انه ما دام خلق أن تسبحه وتذكره.

الأمر السادس: وهو أنك لا تُشبِههه سبحانه وتعالى بما انفرد به
فلا ينبغي لك أن تدَّعي لنفسِك أي صفة من صفات الربوبية التي انفرد الله بها، ومن هنا يأتي تشنيع العلماء على المصورين، فالتصوير هو النحت بالصلصال وغيره بما يضاهي خلق الله، فالنبي قال: «إن أشد الناس عذابًا عند الله يوم القيامة المصورون» (رواه البخاريّ)، وفي رواية الامام أحمد قال: «أشدَّ الناس عذابًا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم». ألم تدعوا الخلق؟ هي صنع الله ولا يصح أن يضاهيها ويقول هواية. فبالتالي هذا الأمر باتفاق العلماء هو حرام بلا خلاف، ورخص منهم في غير التماثيل.

وفي صحيح البخاري من حديثِ أبي زُرعة البجلي قال: دخلت مع أبي هريرة دارًا بالمدينة فرأى أعلاها مصورًا يصور، فقال سمعت رسول الله يقول -يعني عن رب العزة- أنه قال عز وجل «(ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي فليخلقوا حبة وليخلقوا ذرة» (صحيح البخاري)، فهذا فعل فيه منازعة لله عزوجل يحرم القيام به باتفاق.

الخلاصة:
إذًا اسم الله الخالق يعلمك التفكر وكثرة ذكر ربك الذي خلقك ودبر لك أمرك، وشكره على نعمائه التي امتن بها عليك، وليس أكبر من نعمة الوجود.. ومما ينافي هذا الشكر أن تنازعه في صفة الخلق تلك فتدعي لنفسك ما ليس لك أو تضاهيه في خلقه.

المصدر: موقع الكلم الطيب

هاني حلمي عبد الحميد

حاصل على ليسانس دار العلوم وحضر الماجستير في فقه وأصول أحد الفقهاء السبعة.

المقال السابق
(24) اسم الله تعالى المصور
المقال التالي
(26) اسم الله الجبار