طريق الإسلام

منذ 2014-06-23

إن طريق البشرية السالك، الواصل، الآمن هو طريق الإسلام، الطريق الذي يرسمه الإسلام، ويُبَيِّن معالِمَه، ويحدد مقوماته، ويشرع شرائعه، ويُزكِّي أخلاقه؛ بما أنزل الله سبحانه على رسول صلى الله عليه وسلم. قال سبحانه: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصَحبِه ومن والاه، وبعد:

طريق الإسلام؛ فما طريق الإسلام؟

إن طريق الإسلام، عبارة من كلمتين: مضاف ومضاف إليه، ومعلوم أن المضاف نكرة؛ كبنائه، فهو يحتاج على تعريف أو مُعرِّف؛ لا يُعرَف من دونه. بينما المضاف إليه لا يأتي إلا مُعرَّفًا؛ كبنائه، مما يقتضي أن له صفةً ووظيفةً.. فصفته أنه معروف، ووظيفته أنه يُعرِّف غيره.
أهو الطريق الذي يسلكه بِكَ الإسلامُ لِيوصلَك إلى بَرِّ الأمان؟
أم هو الطريق الذي يرسمه الإسلام ويمهده، ويختص به دون غيره؟
أو أنَّ طريق الإسلام هو الإسلام نفسه؟ كما نقول: دين الإسلام، وهو الإسلام نفسه.
 

طريق الإسلام الذي يرسمه:

إن طريق البشرية السالك، الواصل، الآمن هو طريق الإسلام، الطريق الذي يرسمه الإسلام، ويُبَيِّن معالِمَه، ويحدد مقوماته، ويشرع شرائعه، ويُزكِّي أخلاقه؛ بما أنزل الله سبحانه على رسول صلى الله عليه وسلم. قال سبحانه: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1]، أي "يهدي القرآنُ إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله" (القرطبي، 12/ 262).

فالبشرية كانت تسير في طريق مجهول مظلم، بل في سُبُلٍ متفرقة متعددة تعدد الأهواء! فطريقها كان نكرة نكرة؛ ولا يمكن أن نعرفه إلا بالمضاف إليه.. ومن ثم فمعناها الأول؛ أن هذا طريقٌ لا نعرفه إلا بتعريف الإسلام ذاته، فلا نعرف طريق الإسلام إلا بالإسلام، الإسلام بوحييه الشريفين، هو الذي يهديك الطريقَ وإلى الطريقِ، كما قال إخواننا من الجن: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ} [الأحقاف: 30]. حتى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم قال له الله سبحانه: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} [الضحى: 7]، هداه بما نزل إليه من الإسلام.

وكل السبل غيره فالسير فيها شقاء، ونهايته إلى بوار وهلاك. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا، وخط خطين عن يمينه، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط، فقال: «هذا سبيل الله» ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال: «هذه سبل؛ على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم تلا هذه الآية: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} [الأنعام: 153] (مسند الإمام أحمد، برقم: [4437]، وحسنه شعيب الأرناؤوط فيه، والألباني، في مشكاة المصابيح، برقم: [166])، قال ابن عاشور: "أصل كلي جامع لجميع الهدى وهو اتِّباع طريق الإسلام والتحرز من الخروج عنه إلى سبل الضلال" ( الطاهر بن عاشور؛ التحرير والتنوير: 8أ / 156).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين؛ عضُّوا عليها بالنواجذ» الحديث (الألباني؛ السلسلة الصحيحة، برقم: [937])، وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} [النور: 54]، أي إن تطيعوا النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاءكم به تهتدوا إلى الطريق الصحيح القويم، كما في الآية الأخرى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ؛ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[المائدة: 15-16]. وأخيرًا قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} الآية من [الإسراء: 9]. فمن أراد أن يهتدي إلى طريق الإسلام، فإنه لن يجده إلا فيما جاء به الإسلام ذاته في القرآن الكريم والسنة المطهَّرة. وإذا كان أبو بكر رضي الله عنه يروى عنه قوله: "والله لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله"؛ فكيف بنا لا نجد منهج الله في كتاب الله؟!

طريق الإسلام هو الإسلام ذاته:

وهو الدين ذاته، وهو عبادة الله تعالى وحده، وبما شرع في كتابه الكريم وفي سنة رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. وهو هو الصراط المستقيم، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]. فالصراط المستقيم هو الدين القيم، وكما قال جل جلاله: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [مريم: 36]، فعبادة الله–سبحانه هي الصراط المستقيم.

والإسلام هو صراط الله المستقيم: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ، وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ} [الأنعام: 125-126]. وما أنزله الله وكان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الطريق المستقيم: {إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} [يس: 3-5]؛ فيصبغك بصبغته الحُسْنَى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} [البقرة: 138].

طريق الإسلام؛ منهجه الذي يسلكه:

طريق الإسلام الذي يسلكه في هداية الناس، وفي تربيتهم، وفي إقامة دولتهم، فيأخذهم بالربانية؛ كما قال تعالى: {وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79]، والتي تعني أمورًا:

أولا: ربانية الوجهة، {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 79]، وتوجُّهُ الوجه علامة ظاهرة على توجًه القلب والشعور؛ فلا أقصد غيره في طمع ولا رجاء، ولا في دعوة ولا دعاء، ولا جلب نفع ولا دفع بلاء.

ثانيًا: ربانية المصدر فلا تتلقى إلا من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما وقع الضلال إلا بالخروج عن مصدر التلقي الربَّاني: عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب؛ فقرأه النبي صلى الله عليه وسلم, فغضب, فقال: «أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها نقية, لا تسألوهم عن شىء فيخبروكم بحق فتكذبوا به, أو بباطل فتصدقوا به, والذي نفسي بيده, لو أن موسى صلى الله عليه وسلم كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني» (الألباني؛ إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، برقم: [1589]، وحسَّنه).

ثالثًا: ربانية الالتزام، صدقًا وجديَّةً: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} الآية من [البقرة: 63].

رابعًا: ربانية الوسيلة، فالدعوة بالتي هي أحسن، والدعاء بالخير للضالين المخالفين قبل المؤالفين، وتلك علامةُ إخلاصِ الدعاة: «رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» (مسلم، برقم:[ 1792]).

خامسًا: ربانية التربية، فلا تقفز على المراحل، ولا تحرق الأشواط، ولا تخرق السُّنَن، ولا تتخطى الرِّقاب، كما يُرْوَى عن ابن عباس رضي الله عنهما في الربانيين: "الذين يُعَلمون الناس صِغار العلم قبل كباره".
فطريق الإسلام طريقته، وصبغته، وطريق الإسلام هو الطريق الإسلامي، وهو الإسلام ذاته..

إنه ذاتيُّ كامل؛ يحمل بذور بقائه فيه، وعروق نمائه منه، ولحاء حفظه منه. وإنه لكريم! يناديك ليُريَك الطريق، فيقول لك: الطريق مِن هاهنا.. اتَّبعني أَهدِكَهُ؛ فإذا أتيته أركبك ظهره وقال لك: الطريق ها هنا؛ فإذا استويت عليه لينطلق بك، قال لك: هنا المحطَّة، سرعان ما تصل وتسلم؛ لأنه الصراط المستقيم..

وأخيرًا طريق الإسلام موقعنا هذا-بإذن الله-؛ هذا الصرح الشامخ، الذي شُيِّد بالسواعد الطاهرة، والقلوب المتوقدة، والقرائح الجوَّادة-نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله-، والذي نسأل الله تعالى أن يجعله مِشعل هداية، ومنارة اهتداء، وأن يجعله وسيلة موصلة إلى رضاه، فإنه يقوم بمهمة جسيمة ويرمي إلى غاية عظيمة، وإن كان لا يخلو من تقصير البشر واجتهاد البشر، ويؤخذ من صنيعه ويُرد كباقي ما يصدر عن البشر، إلا أنه من يتق الله ويتوكل عليه فهو حسبه، وحسبُ القائمين عليه أن يجتهدوا ولا يألون، وأن يسددوا ويقاربوا.

فاللهم أتمم لنا نورنا، وأفسح لنا في طريقنا، واجعلنا فيه هداة مهتدين، غير ضالين أو مُضلين، واجعلنا فيه إخوة متحابين في جلالك، تُجلسهم يوم القيامة على منابر من نور، وتظلهم يوم الحر، يوم لا ظل إلا ظلك، والله أعلم.


 

أبو محمد بن عبد الله

باحث وكاتب شرعي ماجستير في الدراسات الإسلامية من كلية الإمام الأوزاعي/ بيروت يحضر الدكتوراه بها كذلك. أستاذ مدرس، ويتابع قضايا الأمة، ويعمل على تنوير المسيرة وتصحيح المفاهيم، على منهج وسطي غير متطرف ولا متميع.