تدبر - [327] سورة سبأ (7)

منذ 2014-08-05

ولقد كان نبي الله داود عليه السلام يأكل من عمل يده.. وما كان عمل يده؟ ستنبهر إذا ما تأمَّلت حال يد هذا الذكار الشكار، ستفاجأ بيد خشنة، تبدو عليها آثار الكد، وتظهر عليها خدوش العناء! إنها ليست بآثار حمل السيف الذي استعمله منذ سنين، لقتل رأس الكفر وقائد العماليق جالوت. إنها آثار صنعته التي يأكل من عائدها.. ما الذي يدفعه لمثل ذاك المسلك العجيب؟!

ولقد كان نبي الله داود عليه السلام يأكل من عمل يده..

وما كان عمل يده؟

ستنبهر إذا ما تأمَّلت حال يد هذا الذكار الشكار..

ستفاجأ بيد خشنة، تبدو عليها آثار الكد، وتظهر عليها خدوش العناء!

إنها ليست بآثار حمل السيف الذي استعمله منذ سنين، لقتل رأس الكفر وقائد العماليق جالوت..

إنها آثار صنعته التي يأكل من عائدها..

ما الذي يدفعه لمثل ذاك المسلك العجيب؟!

وما الذي يضطره للتعفّف عن الأكل من ملكه العتيد؟!

وأي مهنة تلك التي خلبته، يأكل من ريعها؟!

حدَّاد!

تلكم المهنة التي يتعالى البعض عن مثيلاتها..

{أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} [سبأ من الآية:11]..

كان هذا أمر الله لداود عليه السلام بعد أن علَّمه صَنعة..

{وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ} [الأنبياء من الآية:80]..

إنها صنعة الدروع التي يرتديها الجنود أثناء الجهاد وتحصنهم يوم البأس..

يصنع لجيشه الدروع، ثم يلبسها معهم حين يحمر البأس!

دروعٌ مختلفة عمّا جرت به العادة من تلك الصفائح الضخمة الثقيلة التي اعتادها الناس..

إنها دروعٌ سابغة سردها مقدر وحلقها متداخلة من حديد ألانه الله لداود عليه السلام..

لكن ما شأنه هو وتلك الصنعة..

الحِدادة..

إنه نبيٌ مُكلَّم..

وملكٌ وحاكم يحكم بين الناس ويفصِل بينهم..

ومن قبلها هو مجاهدٌ بطل استطاع قتل كبير الجبارين جالوت..

وهو مع ذلك عابد لا يشق له غبار في مضمار العبادة..

هو عابدٌ ليس كأي عابد..

إنه صاحب أفضل قيام وأفضل صيام في تاريخ البشرية، بشهادة معلم البشرية، الذي سيأتي بعده بقرون، عليه أفضل الصلوات وأتم التسليمات..

ما له والصناعة والحِدادة..!

وكيف يجمع بين تكاليف الحكم، وأعباء القضاء، وهموم الدعوة، وبين تلك اللحظات التي يقتنصها، يخلو فيها بربه، ويتعالى صوته العذب بتلك التسابيح الخلابة، التي لم تتحمّل الصخور الراسيات أن تسكت عنها، فسارعت لترديدها معه، منافسة بذلك الطيور، التي ما انفكت عن التأويب والتغنى معه بذكر الإله الحبيب..

{يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} [سبأ من الآية:10]..

وهل يعقل أن تجتمع فروسية النهار، وبطولة الميدان، وقسوة الصوارم، وحِدّة الرماح، مع عبودية الليل، ورقة التسبيح، وعذوبة الصوت، ووجل الخشية، ودمع الإنابة ونشيج الإخبات؟!

ما على هذا تعودنا، وما هكذا عرفنا المقاتلين، ولا كذلك قد ألفنا الحكام!

ومع كل هذا صانع حدَّاد..

إن هذا لشيءٍ عُجاب!

عجبت لحاكم متطوع، وملك مُتوَّج، لا يمتلك قوت يومه، إلا من عمل يديه..

ألهذا الحد يمكن أن يصل التعفُّف بعبد؟!

لله درك يا داود: لا تسأل الناس أجرًا على دعوتك وجهادك، ولا تستحب إلا أن تأكل بعِزَّة نفس، وكد ساعدٍ، وعرق جبين..

كيف وجد وقتًا لكل ذلك؟!

إنه نموذج القصد، والتوازن بين النجاح الباهر في تكاليف الدنيا، وبين قربات الدين..

أنعم به من عابدٍ عالِم عامل مهيب..

ويكأنه مثال يُضرب لكل متنطِّع خوار، يلتمس لنفسه معاذير التخاذل، ويسوِّل لنفسه القعود عن العمل والبذل والفداء والعبادة، بحجة ضيق الوقت وقلة بركته..

كأني به لو عاش بيننا لصاح بالمعذرين القاعدين، أو بأضدادهم من العاملين الذين هم عن العبادة منصرفين قائلًا: اتقوا الله، ولا تُعلِّقوا فشلكم وتنطعكم على شمَّاعة الوقت، فالوقت يكفى لكل شيء، إن صدق العزم، وصلحت النية، والبركة إنما هي محض فضل من الله خالق الزمان..

ربما هي جملة لم يقلها بلسان مقاله، لكنها تعلو بوضوحٍ في ظاهر حاله..

وها هو ذا نموذج حي أمام الجميع..

ألا فلينظر المتنطعون القاعدون إلى جهاده وعمله وحكمه وحكمته، رغم زهده وعبوديته..

وليتأمَّل الغافلون المتشاغلون بأعمالهم وهمومهم، في عبادته وقيامه وصيامه وتأويبه رغم مشاغل وهموم تنوء بحملها تلك الجبال التي تُردِّد تسبيحه كأنها المزامير تعزف أجمل الأنغام..

ولتقم عليهم الحجة، وتثبت البينة..

فلو كان لأحدٍ أن ينشغل عن عبادة - بسبب همومٍ وشغل؛ لكان داود..

لكن ها هو يسبح، ويذكر، كأحسن وأندى ما يكون الذكر..

ويصوم ويقوم، كأحسن ما يكون الصيام والقيام..

ويعبد علي أكمل ما يكون الجهد البشري في العبادة من التمام..

ويصنع ويعمل ويُنتِج.. ويأكل من عمل يده.
 

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام
المقال السابق
[326] سورة سبأ (6)
المقال التالي
[328] سورة فاطر (1)- (2)