تفسير آيات الحج

منذ 2014-10-13

تفسير آيات الحج لا شك أنها تحتاج إلى وقت طويل، وكل آية منها تحتاج إلى أكثر من درس؛ لأن هذه الآيات بالإمكان أن يؤلف فيها منسك متكامل، بأكثر من مجلد؛ لأن الآيات اشتملت على كثير من أحكام المناسك، مع ما يبنها من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فنأخذ ما نأخذه من هذه الآيات، ولو قدر أننا نستطيع إكمال آيتين فقط، فيكون إنجاز؛ لأن المسألة تحتاج إلى دروس متتابعة.

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن كتاب الله جل وعلا هو عمدة هذه الأمة ومعولها، وهو مصدرها الأول، وكلام ربها، من قرأه فكأنما يخاطب الرحمن، وقد جاء الحث على قراءته وتدبره وترتيله ومدارسته، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقرأه على أصحابه على الوجه المأمور به، وكان يدارسه جبريل في كل ليلة من ليالي رمضان، وفي السنة التي قبض فيها عليه الصلاة والسلام عرضه عليه مرتين، هذا القرآن الذي تكفل الله بحفظه ورتب الأجور العظيمة على قراءته، والعناية به، هذا الكتاب الذي تكفل الله بحفظه من وجوه عديدة:

تكفل الله بحفظ لفظه، وتكفل الله برسمه، وتكفل الله بأحكامه، وتكفل الله ببيانه على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم على ألسنة من ورثه عليه الصلاة والسلام من العلم النافع، من مظاهر حفظ الله جل وعلا لهذا الكتاب: أن تجد العناية الفائقة لهذا الكتاب العظيم، مما لا تجد نظيره في الكتب الأخرى السماوية وغير السماوية.

ولو استعرضنا الفهارس وتراجم أهل العلم لوجدنا أن الكتابات حول هذا الكتاب لا يحصرها ديوان، ولا يمكن الإحاطة به، ويكفينا أن نعرف أن ما كتب على تفسير البيضاوي من الحواشي يزيد على المائة، فقط، فكيف بما كتبه سلف هذه الأمة من التفسير الأثري الذي يذكر في تراجم أهل العلم مما لم يصل إلينا أكثره من التفاسير المطولة، التي تشرح كتاب الله بمئات الألوف من الأحاديث والآثار..

ثم بعد ذلك التفاسير المتنوعة المختلفة المشارب، فمن التفسير بالمأثور، إلى التفسير بالمعقول، إلى التفسير اللفظي والتحليل، إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب الأثري، إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب النحوي، إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب البلاغي، إلى التفسير الذي يغلب عليه الجانب الفقهي والكلامي، وغير ذلك، أنواع وفنون كتبت ودونت في التفاسير الكبار والمتوسطة والصغار، خدمة لهذا الكتاب العظيم.

التفاسير منها ما يتناول القرآن من أوله إلى آخره على ترتبيه، ومنها ما يتناول القرآن حسب موضوعاته، ويسميه أهل العلم: "التفسير الموضوعي"، التفسير الذي يتناول القرآن بالترتيب من أوله إلى آخره، من الفاتحة إلى الناس، هذا لا شك أن فيه كثرة عند أهل العلم، كثرة متكاثرة ومتنوعة على حسب ما أشرنا آنفاً.

التفسير الموضوعي هو أيضاً مطروق؛ لكنه ليس بالمستوى الذي كتب فيه التفسير المرتب التحليلي، يسميه أهل العلم: "تحليلي"، التفسير الموضوعي يمشي على الموضوعات، فمثلاً آيات التوحيد، آيات الإيمان، آيات الصلاة، آيات الزكاة، آيات الصوم، آيات الحج، وهكذا، آيات الأمانة آيات التقوى، آيات الإخبات، آيات كذا، إلى آخره..، يمشي على القرآن من أوله إلى آخره فيجمع الآيات التي تتحدث عن هذا الموضوع فيفسرها تفسيراً تحليلاً في بداية الأمر، يشترك فيه مع التفسير الذي يسار فيه على ترتيب القرآن، وينفرد عنه أيضاً بالتفسير الإجمالي الذي يستنبط منه وظائف هذا الموضوع في نهايته.

هذا اللون من ألوان التفسير -الذي هو التفسير الموضوعي- أقرب ما يكون إلى موضوعنا في تفسير آيات الحج.
تفسير آيات الحج لون أو فرع من فروع التفسير الموضوعي، فإذا كان المعول على القرآن مدعوماً بالسنة والآثار مما يجمع آيات موضوع واحد فإنه حينئذ يسمى تفسير موضوعي، وكُتب كثير: (آيات الإيمان في القرآن، اليوم الآخر في القرآن، التقوى في القرآن، الصبر في آيات القرآن، الدعاء في القرآن)، هذه تفاسير موضوعية، ومنها هذا الذي نتحدث فيه (تفسير آيات الحج).

وهذا النوع من التفسير ينفع المفسر أولاً، وينفع طالب العلم القارئ نفعاً كبيراً باعتبار أنه يلم بجميع أطراف الموضوع، قد تقرأ آية في سورة الفاتحة مثلاً، أو البقرة في أولها، وتحتاج إلى ما يضم إليها من السور المتأخرة، فإذا قرأت في أوائل البقرة آية، ومما يبين معناها ويوضح معناها آية في سورة الحج مثلاً، هذا إذا كان المفسر كابن كثير رحمه الله تعالى، وأيضاً الشنقيطي، مما يجمع الآيات المتشابهة في موضع واحد تستفيد يا طالب العلم، لكنهم يذكرونها ذكر، ما يفسرونها ويشرحونها، ويوضحون ما جاء فيها، مثل الآية التي هي الأصل في الباب، ولا يقوم بهذا إلا التفسير الموضوعي، فالتفسير الموضوعي ينفع طالب العلم باعتبار أنه يعطيه الصورة الكاملة على الموضوع من خلال الآيات المتفرقة في كتاب الله عز وجل، ولو كان البدء..

ولكن المناسبة لآيات الحج فالموسم قريب وقادم، فاختار الشيخ حفظه الله هذا الموضوع ليكون الحديث عنه، وإلا فالأصل أن يبدأ به على الترتيب: آيات العقائد، آيات التوحيد، آيات الإيمان، آيات التوكل، آيات الخشية، آيات الإنابة، آيات الصلاة، آيات الزكاة إلى آخره، وهكذا، ويمشي على القرآن كله بهذه الطريقة، وهي طريقة ناجعة مثلما ذكرنا أن الطالب يخرج بتصور تام عن الموضوع من خلال القرآن الكريم.

الأمانة في القرآن الكريم.. من يستغني عنها؟ ثم بعد ذلك يأتي بما يؤيد هذه الآيات، وبما يبين ويشرح هذه الآيات من مشكاة النبوة من كلامه عليه الصلاة والسلام، ابن القيم في مدارج السالكين يستوعب الآيات التي تبحث في المنازل التي تحدث عنها، فمنزلة التوبة مثلاً ذكر الآيات المتعلقة بالتوبة وذكر الأحاديث، وذكر أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، هذا موضوعي، منزلة التوبة يصلح أن يكون موضوع مستقل، يعني يستخرج من مدارج السالكين، وكذلك المنازل الأخرى، على كل حال هذا اللون وهذا النوع فائدته واضحة وجلية، وعلى طالب العلم أن يعنى به، وعلى العلماء أن ينبروا له، ويبسطوا الكلام فيه، كالتفسير المرتب.

هناك تفسير يعني من عناية الله جل وعلا بكتابه أن طرق من جميع الأبواب، طرق شرح القرآن وتفسر القرآن من جميع الأبواب، حتى وصلت المسألة إلى حد الترف، فكتب في تفاسير يظن المفسر أن الناس بحاجتها، والواقع أنهم ليس بحاجتها، وأودعت بعض التفاسير ما ينبو عنه كلام الله جل وعلا، وفسر القرآن بالحروف المهملة، يعني تقرأ تفسير من أوله إلى آخره ما تجد ولا نقطة، يعني تفسير بالحروف المهملة؛ لكن هل مثل هذا الصنيع يخدم القرآن، ويخدم العلم، ويخدم طلاب العلم؟ هذا هو مجرد ترف.

يعني إذا قبل من الحريري في مقاماته مقامة مثلاً بحرف الشين، بحرف السين، بحرف كذا، يقبل؛ لأنه المسألة مسألة فضول من أصلها، إلا أن الحاجة داعية إليه من حيث الإحاطة بمفردات غريب اللغة، الحاجة داعية إلى المقامات؛ لكن ليست الحاجة إليها مثل الحاجة إلى كلام الله جل وعلا، فالترف العلمي الموجود وصل ببعضهم إلى أن يفسر القرآن بالحروف المهملة، ولا شك أن مثل هذا لا يحتاج إليه طلاب العلم.

وأقحم بعض المفسرين في التفسير ما ليس منه، وما لا يليق بكلام الله جل وعلا أن يبين به ويوضح به، وعلى كل حال هي جهود، حتى وصل الأمر ببعضهم إلى أن فسر القرآن على غير ترتيبه، فسره على ترتيب النزول، بادئاً بسورة اقرأ، قبل الفاتحة، وقبل البقرة، وقبل.....، ورتبه على حسب النزول، يعني ما الفائدة من تغيير الترتيب الذي أجمع عليه الصحابة رضوان الله عليهم، وأودعه عثمان رضي الله عنه بين الدفتين، واتفقوا عليه، وصدروا عنه؟ إلى أن يغير الترتيب من أجل الترتيب الزمني التاريخي لنزول الآيات والسور، يعني هل نحتاج إلى مثل هذا الترتيب لنعرف الناسخ من المنسوخ؟

وهل توقف معرفة الناسخ والمنسوخ على مثل هذا الترتيب؟ العلماء يعرفون الناسخ من المنسوخ من غير هذا الترتيب، وهذه مخالفة لما أجمع عليه الصحابة، وفاعلها لا شك أنه مخطئ، ولا وجه لفعله البتة، ومع ذلك يوجد في المكتبات تفسيران على هذه الكيفية، تفسير الحديث، والتفسير البياني للقرآن، موجودة.

المقصود أن الإخلال بترتيب القرآن الذي أجمع عليه الصحابة لا شك أنه خطأ، لمخالفته الإجماع، ولا شك أن هذا يقصد منه صاحبه أنه نوع من التجديد، وإن كان هذا هو الهدف وهو المقصد وهذه، فهذا لا شك أن هذه حقيقة مرة، لا يغير ترتيب كلام الله جل وعلا من أجل هذه الحقوق، وإن كان القصد من ذلك معرفة المتقدم من المتأخر ليعرف الناسخ والمنسوخ، فالناسخ والمنسوخ معروف عند أهل العلم ولا يحتاج إلى مثل هذا، وألفت فيه المؤلفات الخاصة.

تفسير آيات الحج لا شك أنها تحتاج إلى وقت طويل، وكل آية منها تحتاج إلى أكثر من درس؛ لأن هذه الآيات بالإمكان أن يؤلف فيها منسك متكامل، بأكثر من مجلد؛ لأن الآيات اشتملت على كثير من أحكام المناسك، مع ما يبنها من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، فنأخذ ما نأخذه من هذه الآيات، ولو قدر أننا نستطيع إكمال آيتين فقط، فيكون إنجاز؛ لأن المسألة تحتاج إلى دروس متتابعة.

من أول هذه الآيات يعني إذا كنا نسير على تفسير هذه الآيات بالدلالة الأصلية، يعني فيها دليل واضح على منسك من مناسك الحج، وعلى مسألة من مسائل الحج، لا بالدلالة التبعية، وإلا فهذا يلزمنا أن نبدأ بالبسملة، يعني لو جرينا على الدلالة التبعية، ودلالات النصوص لا شك أنها تنقسم إلى:

أصلية: يعني مقصود الاستدلال بها لهذه المسألة.
ودلالات تبعية: ليست مقصودة لهذه المسألة بالأصالة؛ لكن يستنبط منها ما يستنبط، مما يدل على المسألة.
فلو وسعنا الدائرة لنأخذ الدلالات التبعية ما انتهينا أبداً، نحتاج إلى تفصيل كامل، يعني لو مثلاً من قوله عليه الصلاة والسلام لعائشة: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت» (صحيح مسلم:1211).

قلنا: في الحديث دلالة على أن الحائض تقرأ القرآن، هل هذه دلالة أصلية أو تبعية؟ تبعية بلا شك؛ لأن هذه لا تخطر على السامع من أول وهلة؛ لكن بعمومها قد يستدل من يستدل بها؛ لكن هل نقول: افعلي ما يفعل الحاج، هل نستطيع أن نقول: أن الحاج ينام فيسن للحاج النوم من هذا الحديث؟ حاج يأكل، هل يسن للحاج أن يأكل استنباطاً من هذا الحديث؟ دلالات بعيدة كل البعد، ولذا كثير من أهل العلم يرى عدم الاستدلال بالدلالات التبعية، والاقتصار على الدلالات الأصلية، فمثل هذا لا نحتاجه لبعده، وإذا استعملنا الآيات بهذه الطريقة معناه ما ننتهي، ونحتاج في آيات الحج أن نستعرض القرآن كله، لكننا نقتصر على الدلالات الأصلية في هذه الآيات، فأول الآيات المتعلقة بالحج قوله تعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة:125].

يعني دلالته على ما نحن فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الركعتين، ركعتي الطواف خلف المقام، وتلا الآية، وإلا قد يقول قائل: جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ما له علاقة بالحج في الدلالة الأصلية: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125] الصلاة عامة في الحج وغيره، نقول: لما تلا النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية حينما صلى ركعتي الطوف خلف المقام قلنا: دلالتها على المراد أصلية، فتلاها النبي عليه الصلاة والسلام، ودونت في المناسك، ودونت في كتب الستة في كتب المناسك، وترجم بها الإمام البخاري على ما يريد من ركعتي الطواف.

يقول الطبري: {وَإِذْ جَعَلْنَا} عطف على قوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} [البقرة من الآية:124]، وقوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ} [البقرة من الآية:124]، معطوف على قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} [البقرة من الآية:122] واذكروا {إِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ} [البقرة من الآية:124]، {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً} [البقرة من الآية:125]، يعني هذه الجمل متعاطفة، كلها مصدرة بـ(اذكروا) صراحة في الموضع الأول، ومقدرة في المواضع التالية، والبيت الذي جعله الله مثابة للناس هو البيت الحرام، وأما المثابة فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت، البيت يذكر، فكيف يقال: البيت مثابة؟ البيت مذكر فكيف يجعل أو يوصف بأنه مثابة؟ والتاء هذه تاء التأنيث؟

يقول الطبري: "وأما المثابة فإن أهل العربية مختلفون في معناها، والسبب الذي من أجله أنثت"، فقال بعض نحويي البصرة: ألحقت الهاء في (المثابة) لما كثر من يثوب إليه، كما يقال: (سيارة) لمن يكثر ذلك، (ونسابة) يعني تكون للمبالغة، يقول: التاء حينئذ للمبالغة، هذا كلام بعض نحوي البصرة، وقال بعض نحوي الكوفة: بل (المثاب) و(المثابة) واحد، المثاب والمثابة واحد، نظيرة: (المقام) و(المقامة) الآن عندنا المقامة، المقام {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ} [البقرة من الآية:125]، {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ} [فاطر من الآية:35] هل هذا المذكر مع المؤنث من باب واحد؟ لأنه يقول: نظيره المقام والمقامة، فإما أن نقول: مُقام إبراهيم ليكون الباب واحداً، أو نقول: مقامة، ليكون الباب واحداً، إما أن نقول في الآية: مقام، وفي الآية الأخرى: مقامة، يكون الباب واحد وإلا لا؟

طالب:..
نكمل الكلام ليتبين، يقول: "والمقام ذُكر على قوله يعني قول القائل من بعض نحويي الكوفة ذُكر على قوله لأنه يريد به الموضع الذي يقام فيه، وأنثت (المقامة) لأنه أريد بها البقعة"، يعني إذا مررت ببلد مثلاً أي بلد من البلدان، فإما أن تذكره أو تؤنثه، تذكره على إرادة الموضع والمكان، ولك أن تؤنثه على إرادة البقعة، ولذا يقول أهل العلم: إذا جهزت الجنازة لا يُدرى ذكر أو أنثى، فماذا تفعل في الضمائر؟ تقول: اللهم اغفر له وارحمه، أو اغفر لها وارحمها؟ نعم إن شئت ذكرت، وإن شئت أنثت، إن شئت ذكرت على إرادة الميت، وإن شئت أنثت على إرادة الجنازة، فما ينتابه مثل هذا يجوز تذكيره وتأنيثه.

وأنكر هؤلاء -يعني بعض نحويي الكوفة- أن تكون (المثابة) مثل: (السيارة والنسابة)، وقالوا: "إنما أدخلت الهاء في (السيارة والنسابة) تشبيها لها بـ(الداعية)" الأصل الداعي، وإذا أضيفت إليه الهاء دل على المبالغة، و(المثابة) مفعلة من (ثاب القوم إلى الموضع) إذا رجعوا، فهم يثوبون إليه مثاباً ومثابةً وثواباً، فمعنى قوله: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} [البقرة من الآية:125]، أي مرجعاً، ثاب القوم إلى الموضع إذا رجعوا {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ} أي مرجعاً للناس يأتونه.

يقول الفقهاء في اللبن المحرِم الذي ينشر الحرمة في الرضاع، هو ما ثاب عن حمل، يعني رجع أو اجتمع؟ أو تكون؟ لأن المثابة هنا المرجع {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً} [البقرة من الآية:125]، أي مرجعاً للناس يأتونه كل عام، ويرجعون إليه فلا يقضون منه وطراً، (وأمناً) قال أبو جعفر: "الأمن مصدر من قول القائل: أمن يأمن أمناً، وإنما سماه الله أمناً لأنه كان في الجاهلية معاذاً لمن استعاذ به"، هكذا يقول الطبري، فإما أن يكونوا يستعيذون به دون الله عز وجل باعتبارهم مشركين، أو أن مراده منهم أنهم يلجأون إليه إذا خافوا فيأمنوا، فالذي يستعيذ بالبيت إذا كانت استعاذته بالحجارة المنصوبة فهذا شرك، وإن كانت استعاذته بالله جل وعلا ولجأ إلى بيته الذي جعله حرماً آمناً فلا إشكال، فالعرب في الجاهلية يجعلون البيت معاذاً لمن استعاذ به، ولذا لما أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دم ابن خطل وُجد متعلقاً بأستار الكعبة؛ لكن هل يعاذ مثل هذا؟ لا يعاذ، فقتل.

وترون كثير من الناس يتعلقون بأستار الكعبة، وبعض أهل العلم يجيز مثل هذا باعتبار أن النبي عليه الصلاة والسلام ما أنكر صنيع من تعلق بأستار الكعبة، وهذا من الدلالة التبعية أو الأصلية؟ التبعية، من الدلالة التبعية، بمعنى أن الخبر ما سيق للاستدلال به على جواز التعلق بأستار الكعبة، وإنما سيق لبيان قتل مثل هذا المجرم الذي يقتل في الحل والحرم، فمن يستدل بالدلالة التبعية يقول: أن النبي عليه الصلاة والسلام رآه متعلق بأستار الكعبة ولم ينكر صنيعه، ولا بين وهذا موضع بيان، هذا الذي استدل بالدلالة التبعية، والذي يستدل بالدلالة الأصلية ترى معرفة الدلالتين تحل إشكالات كثيرة مما يواجه طالب العلم من مثل هذه النصوص..

الذين لا يستدلون بالدلالة التبعية يقولون: المقصد من سياق الخبر قتل هذا الفاسق، ولو تعلق بأستار الكعبة، والذين يقولون: يستدل بالخبر بجميع ما يدل عليه، نستدل به على القتل، وعلى جواز التعلق، والمسألة كما سمعتم مراراً مختلف فيها ورجح الشاطبي أنه لا يستدل بها مطلقاً، وكلامه فيه نظر، وإن كان القول الثاني أيضاً له من ينصره وله أدلته، فلا يستدل بها مطلقاً ولا تهدر مطلقاً، يعني فرق بين كلام المخلوق الذي إذا تكلم بشيء يغفل عما سوى ما هو بصدده، المخلوق يغفل؛ لكن الخالق جل وعلا..

ولذلك تجدون أهل العلم يستنبطون من الجملة الواحدة أحكام كثيرة بعضها واضح من سياق الكلام، واضح لكل أحد، وبعضها يخفى على بعض الناس، ويبدو للكثير، وبعضها يفهمه بعض الناس ويخفى على الكثير، فدلالة الخبر على التعلق بأستار الكعبة لا شك أنها تبعية وليست أصلية، والخبر عندما سيق أصالة لبيان القصة التي قتل فيها وهو متعلق بأستار الكعبة، وتبقى الدلالة التبعية البعيدة عن المراد في سياق الخبر حسب ما يوافقها وما يعارضها من نصوص أخرى، فإن كانت معارَضة بنصوص أخرى ألغيت، ولعل هذا هو مراد من ألغى الدلالة التبعية مطلقاً، أنها حينما تعارض، وإذا لم تعارض وإنما ووفقت بأدلة أخرى فإنها حينئذ تكون معتبرة، ولعل هذا هو مراد القائلين بأن الدلالة التبعية معتبرة، ويستدل بها كالأصلية.

وهنا معارضَة وإلا موافقَة؟ التعلق بأستار الكعبة؟ معارضة؛ لأن هذا التعلق ما يراد به؟ يراد به التبرك والتبرك ممنوع، التبرك ممنوع خاص بمن جعل الله به البركة، وهو النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يتبرك بمخلوق، وكان الرجل منهم يعني أهل الجاهلية لو لقي به قاتل أبيه أو أخيه لم يهجه، ولم يعرض له حتى يخرج منه، كما قال جل ثناؤه: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت من الآية:67] ولذا يختلف أهل العلم في إقامة الحدود في مكة، في حدود الحرم، يختلفون، والمسألة مبسوطة في مواضع متعددة.

ثم قال: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125] يقول ابن الجوزي: "في مقام إبراهيم ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحرم كله، قاله ابن عباس، والثاني: أن المراد بالمقام عرفة والمزدلفة والجمار، قاله عطاء، وعن مجاهد كالقولين، وقد روي عن ابن عباس وعطاء ومجاهد قالوا: الحج كله مقام إبراهيم، والثالث: الحجر، يعني الذي قام عليه إبراهيم حينما ارتفع البينان، وفيه أثر موضع القدمين، الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح"، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما في الحديث الصحيح: "قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت الآية".

يعني سبب النزول لا شك أن دخوله في النص عند أهل العلم قطعي، يعني الحجر مراد ودخوله في الآية قطعي، الحجر الذي فيه أثر القدمين المجاور للكعبة، دخوله قطعي؛ لكن الحجر بالمعاني الأخرى التي ثبتت عن الصحابة والتابعين والسياق لا يأباها، بل العموم يتناولها، لا شك أنها مراده بالعموم، والتنصيص على بعض أفراد العام لا يقتضي التخصيص، فكل مواضع الحج ومقامات الحج من مقامات إبراهيم، وإن كان المراد به في هذه الآية المراد به في هذه الآية الحجر المجاور للكعبة، والذي فيه أثر القدمين.

المقام هل يراد به الحجر نفسه أو موضع القيام؟ هل يراد به الحجر نفسه بحيث نتبعه حيثما وضع، أو المراد به الموضع الذي فيه المقام؟ لأن اللفظ يحتمل الأمرين، يعني لو اقتضى النظر واجتهاد أهل العلم أن المقام الآن في المطاف مسبب للزحام، واقتضى الاجتهاد أن يدفع إلى الأروقة داخل، ليوسع المطاف، نصلي في مكانه أو نتبع الحجر نصلي هناك؟ ومسألة نقل المقام عن مكانه مسألة خلافية بين أهل العلم كتب فيها الشيخ عبد الرحمن المعلمي، مقام إبراهيم هل يجوز تقديمه أو تأخيره؟ وذكر أقول أهل العلم في ذلك..

ورد عليه الشيخ سليمان بن حمدان في كتاب له أسماه: (نقض المباني من فتوى اليماني) ورد عليه الشيخ محمد بن إبراهيم، ورد عليه الشيخ سليمان، المقصود أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم، هناك رسالة اسمها (مقام إبراهيم) وقد يراها طالب العلم ويشتريها على أنها في الموضوع، مطبوعة طباعة فاخرة، يقول: أنه سيستفيد، هذه لا فائدة فيها، هذه لنشاشيبي هي عبارة عن مقامة ألقاها في حفل تأبين (إبراهيم هنانو)، هذا عضو مجمع اللغة العربية بدمشق، مات وسووا له حفل تأبين فألقيت هذه الكلمة وسماها "مقام إبراهيم"!، وبين كل جملتين أو ثلاث سلام على إبراهيم! نسأل الله العافية، فطالب العلم قد يشتري هذه الرسالة يظنها تبحث فيما نحن فيه، وليست فيما نحن فيه لا من قريب ولا من بعيد.

الآن نرجع إلى مسألتنا وهي أن المقام الذي أمرنا باتخاذه مصلى هل المراد به الحجر نفسه بحيث نتبعه حيثما وضع، أو المراد به المكان بحيث لو أبعد عن مكانه الحالي نصلي في المكان نفسه؟ نظير ذلك الحجر لما أخذه القرامطة ومكث عندهم سبعة عشر سنة، نكبر حينما نحاذي المكان، ولا علاقة لنا بالحجر الذي ذهب به إلى البحرين، فهل نقول مثل هذا الكلام أنه مقتضى النظر واجتهاد أهل العلم أن يبعد المقام عن المطاف لتخفيف الزحام الذي يسببه وجود المقام، نتبع الحجر أو نفس المكان؟ واللفظ يحتمل الأمرين، المقام يحتمل أن يكون الحجر، ويحتمل أن يكون المكان الذي تم فيه قيامه.

طالب: المكان.
وهل المكان الذي هو فيه الآن هو نفس المكان الموجود فيه على عهد النبي عليه الصلاة والسلام؟
طالب: أبعده نعم، فمقتضى هذا أننا نصلي بين المكان الحالي للمقام وبين الكعبة إذا قلنا: العبرة بالمكان، وإذا قلنا: العبرة بالحجر تبعناه ولو أدخل في الأروقة، واللفظ محتمل، وماذا عند الشيخ؟

أحد المشايخ الحضور: منكم نستفيد يا شيخ.
نحتاج إلى من يعاوننا؛ لأن المسألة مسألة مقام، يعني دخلها في اللغة كبير.

أحد المشايخ الحضور: "والله إحنا على منهج الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث قال في الشرح الممتع: "أنا متوقف"، ليش؟ لأن اللفظ يحتمل الأمرين، فكما يطلق على الحجر يطلق أيضاً على المكان، وما دام توقف الشيخ توقفنا"، {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125]، قال ابن الجوزي وذكر الأقوال الثلاثة في روائع التفسير الجامع لتفسير ابن رجب رحمه الله تعالى وإذا وجد لهذا الإمام كلام في أي مسألة علمية على طالب العلم أن يعض عليه بالنواجذ؛ لأن ابن رجب يكتب العلم بنفس السلف رحمه الله.

قوله تعالى: {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125]، قال البخاري: باب قول الله عز وجل {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125]، حديث عمر في سبب نزول هذه الآية قد خرجه البخاري فيما بعد، وهو من موافقاته رضي الله عنه وأرضاه، قال: "لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى" فنزلت الآية.

قال البخاري: "حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: حدثنا عمرو بن دينار قال: سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟ فقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة، وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة" والشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى خلف المقام ركعتين، وسألنا جابر بن عبد الله فقال: "لا يقربنها حتى يطوف بين الصفا والمروة".

وقد روى جابر أن النبي عليه الصلاة والسلام تلا هذه الآية، يعني في حديث جابر الطويل في صفة حج النبي عليه الصلاة والسلام المخرج في مسلم وغيره النبي عليه الصلاة والسلام تلا هذه الآية عند صلاته خلف المقام {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125] وإلا فالأصل العموم، {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} في ركعتي الطواف وفي غيرها من الصلوات، يعني اللفظ عام وقصره على سببه عند أهل العلم معمول به وإلا غير معمول به؟ يطبقون على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهل يشرع كل صلاة خلف المقام أو صلاة الركعتين فقط؟

طالب:....
صلى بعد الطواف وعمر قال: "لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى" هل هو في الحج أو في العمرة أو مطلقاً؟ فنزلت الآية، النبي عليه الصلاة والسلام صلى الركعتين وتلا الآية، فدل على أن هناك اقتران بين هاتين الركعتين ركعتي الطواف والمقام؛ لكن هذا لا ينفي أن يصلى خلفه غير هذه الصلاة، لعموم الآية.

يقول ابن رجب رحمه الله: "وهذا كله يدل على أن المراد بمقام إبراهيم في الآية مقامه المسمى بذلك عند البيت، وهو الحجر الذي كان فيه أثر قدمه عليه السلام، وهذا قول كثير من المفسرين، وقال كثير منهم المراد بمقام إبراهيم الحج كله، وقال بعضهم: الحرم كله، وقال بعضهم: الوقوف بعرفة ورمي الجمار والطواف، وفسروا المصلى بالدعاء، وهو موضع الدعاء، يعني حمل الصلاة في الآية على الصلاة اللغوية التي هي في الأصل الدعاء {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125] أي ادعوا في المواضع التي دعا فيها إبراهيم عليه السلام، يعني من مقاماته التي دعا فيها من مشاعر الحج ومناسكه، ادعوا فيها كما دعا فيها عليه الصلاة والسلام.

والاختلاف في الصلاة هنا لا شك أن أكثر أهل العلم يرون أن الصلاة هي الصلاة ذات الركوع والسجود وهي ركعتا الطواف، وإن قال بعضهم أن المراد بها الدعاء، نظير ما قيل في: إذا دعي أحدكم أخوه فليجب، «..فإن كان صائماً فليصلي وإن كان مفطراً فيطعم» (صحيح مسلم:1431) جمهور أهل العلم أن على أن المراد بالصلاة هنا اللغوية، الدعاء يدعو لهم وينصرف، وإن كان من أهل العلم من قال: يصلي ركعتين وينصرف؛ لكن قد ترد الصلاة ويراد بها المعنى اللغوي، وترد ويراد بها المعنى الشرعي، ومثل هذا صلاة النبي عليه الصلاة والسلام على أهل أحد بعد ثمان سنوات كالمودع لهم، منهم من قال: أنه صلى عليهم صلاة الجنازة، ومنهم من قال أنه مر عليهم ودعا لهم الصلاة اللغوية، وإلا فالشهداء لا يصلى عليهم كما هو معروف.

يقول ابن رجب: "وقد يجمع بين القولين بأن يقال: الصلاة خلف المقام المعروف داخل فيما أمر به من الاقتداء بإبراهيم عليه السلام مما في أفعاله بمناسك الحج كلها، واتخاذها مواضع للدعاء وذكر الله عز وجل"، يعني ركعتي الطواف خلف المقام فرد من أفراد العام، يعني والتنصيص عليه لا يقتضي التخصيص، فالآية عامة تحتمل أشياء كثيرة مثل ما ذكره أهل العلم، لا تقصر على سببها من نزول هذه الآية استجابة لقول عمر: "لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى" وإنما تشمل ما يحتمله اللفظ.

قالت عائشة وقد روي مرفوعاً: "إنما جعل الطواف والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإقامة ذكر الله" (خرجه أبو داود، والترمذي)، والأمر في الآية باتخاذ المقام مصلى كما قال ابن المنذر: يحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125] لكن هل الأمر الذي بني عليه هذا الاحتمال هو أمر بالصلاة أو أمر بالاتخاذ لمن أراد أن يصلي؟ الأمر (اتخذوا) من أراد أن يصلي فعليه أن يتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وهل الأمر بالاتخاذ أمر بالصلاة ليقول ابن المنذر: تحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً؟ لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء إلا شيئاً ذكر عن مالك في أن من صلى ركعتي الطواف الواجب في الحجر يعيد" انتهى كلامه.

الأمر باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، كلام ابن المنذر يقول: "يحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً" الآن عندنا الصلاة والمكان الذي هو الحال المبينة لهذه الصلاة، فهل الأمر في الآية متجه إلى الصلاة أو متجه إلى أن تكون خلف المقام؟ {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125]، هل معنى هذا صلوا؟ أو صلوا في هذا المكان؟ يعني في قول يوسف عليه السلام {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} [يوسف من الآية:101]، هل المقصود الوفاة؟ الطلب للوفاة أو الوفاة على الإسلام؟ يعني هل مراد يوسف عليه السلام أن يتوفاه الله ويتخلص من هذه الدنيا أو أن المطلوب التوفي حال كونه مسلماً؟ وهنا هل المأمور به اتخذوا هل الأمر للاتخاذ بمعنى أن صلاة الركعتين من أراد أن يصلي ركعتي الطواف فليصليهما خلف المقام، أو المأمور به الصلاة نفسها؟

ابن المنذر قال: "يحتمل أن تكون صلاة الركعتين خلف المقام فرضاً؛ لكن أجمع أهل العلم على أن الطائف تجزئه ركعتا الطواف حيث شاء إلا شيئاً ذكر عن مالك..." إلى آخره، يعني إجماع أهل العلم يدل على خلاف ما ذكره ابن المنذر في صدر كلامه، وأنها ليست بفرض، لا الصلاة ولا المكان.

ترجم الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب من صلى ركعتي الطواف خارجاً من المسجد، وصلى عمر رضي الله عنه خارجاً من الحرم، فعمر رضي الله عنه لما طاف بالبيت بعد صلاة الصبح صلى الركعتين بذي طوى، لما ارتفعت الشمس، فهذا العمل من عمر رضي الله عنه يستفاد منه أن الأمر في الآية لا على سبيل الوجوب، الأمر باتخاذ المقام، ومن المقام مصلى أنه لا على سبيل الوجوب، وإلا لو كان واجباً لانتظر عمر إلى أن ترتفع الشمس وصلى خلفه ركعتين، هذا من جهة.

الأمر الثاني: صنيع عمر يدل على أنه لا يرى الصلاة ولو كانت ذا سبب في أوقات النهي، بدليل أنه أخر الركعتين لما طاف بعد الصبح إلى أن ارتفعت الشمس وصلاهما خارج الحرم، صلاهما بذي طوى، وهل المراد بالحرم في قوله: "خارجاً من الحرم" المراد به المسجد أو المراد به الحرم بعمومه بحدوده؟

طالب:....
خارج حدود الحرم، يعني لو طاف في صبح عرفة مثلاً، ثم ركب إلى عرفة وصلى الركعتين بعرفة خارج الحرم، يتفق مع صنيع عمر وإلا لا؟ لا يتفق؛ لأن ذا طوى المعروفة الآن بالزاهر داخل الحرم، والمراد خارجاً من الحرم يعني خارج المسجد، فعلى هذا لو طاف الإنسان في وقت زحام ثم أخر الركعتين إلى سكنه، ما في إشكال، الإمام البخاري رحمه الله تعالى لما ترجم باب الطواف بعد الصبح وبعد العصر، أورد أحاديث النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأورد الشارح من حديث جابر أننا ما كنا نطوف مع النبي صلى الله عليه وسلم لا بعد الصبح ولا بعد العصر، كل هذا اهتماماً بأوقات النهي؛ ولكن الطواف لم ينه عنه في وقت النهي، وإنما المنهي عنه الصلاة، فإذا طاف بالبيت بعد صلاة الصبح أو بعد العصر فإنه يؤخر الصلاة إلى طلوع الشمس وارتفاعها أو إلى غروبها، كما فعل عمر رضي الله عنه.

في فتح الباري {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة من الآية:125] أي قبلة، قاله الحسن البصري وغيره، وبه يتم الاستدلال {وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} أي قبلة هل يراد بالقبلة أنه يتوجه إليه بغض النظر عن الكعبة أو لا بد من أن تكون الكعبة هي القبلة وأن يكون المقام في القبلة؟ يعني في جهة القبلة يكون مصلى أي قبلة، فهل يكفي أن يستقبل المقام دون استقبال البيت؟ لا، لا يكفي إجماعاً؛ لأنه الشرط في صحة الصلاة أن تكون إلى القبلة إلى الكعبة، وكونه قبلة يعني بين المصلي وبين قبلته، قاله الحسن البصري وغيره وبه يتم الاستدلال.

وقال مجاهد: "أي مدعاً يدعى عنده" مصلى أي مدعى يدعى عنده، فالدعاء عند المقام على هذا له مزية؛ لأن الصلاة أعم من أن تكون لغوية أو شرعية، ولا شك أن هذا جار على رأي من يقول بجواز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، الذي يقول بجواز استعمال اللفظ في الأمرين ما عنده إشكال في هذا، يقول: نتخذه مصلى نصلي خلفه ركعتين، وندعو خلفه؛ لأن الصلاة أشمل من أن تكون لغوية أو شرعية، وهذا جار على قول من يرى جواز استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي، اللغوي والاصطلاحي.

يعني في أكثر من حقيقة يستعمل، الذي يقول: لا يستعمل اللفظ الواحد في أكثر من معنى، يقول: لا، إما أن تكون الصلاة لغوية أو شرعية؛ لكن إذا دخلت إحدى الحقيقتين في الأخرى هل يمنع من ذلك مانع؟ حتى على قول من يقول أن اللفظ لا يستعمل في معنييه، صلى الركعتين وسجد ودعا في سجوده، نقول: استعمل الحقيقتين؟ هل يمنع مثل هذا أحد؟ ما يمكن أن يمنعه أحد؛ لكن الكلام في الدعاء اللغوي المجرد عن الصلاة.

يقول: وقال مجاهد: أي مدعىً يدعى عنده، ولا يصح حمله على مكان الصلاة؛ لأنه لا يصلى فيه بل عنده، لأنه لا يصلى فيه يعني في المقام نفسه، وإنما يصلى عنده، ويترجح قول الحسن بأنه جار على المعنى الشرعي.
ابن حجر في فتح الباري يقول: "روى الأزرقي في (أخبار مكة) بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه، وبنى حوله، فاستقر ثَم إلى الآن".

يعني الكلام هذا ماشي على ما يعرفه طلاب العلم أو كلام فيه غرابة؟ ماذا يقول؟ يقول: "روى الأزرقي في (أخبار مكة) بأسانيد صحيحة أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن"، يعني يبعد عن الكعبة حدود خمسة أمتار، هو الموضع الذي فيه الآن؛ لأنه في وقت الأزرقي هذا مكانه، نعم، "أن المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن"، يعني ما هو لاصق بجدار الكعبة، كما يقتضيه الفائدة من وجوده، يعني الفائدة من وجوده أن يكون ملاصقاً لجدار الكعبة، ولهذا هذا اللفظ وإن ورد بأسانيد صحيحة لا يسلم من نكارة؛ لأن الفائدة منه أصلاً أنما وضع لما ارتفع البناء ليطلع عليه أو ليرقى عليه إبراهيم عليه السلام، ويتناول الحجارة من ولده، فيبني ما ارتفع من جدار الكعبة.

"المقام كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر في الموضع الذي هو فيه الآن، حتى جاء سيل في خلافة عمر فاحتمله -جرفه- حتى وجد بأسفل مكة، فأتي به فربط إلى أستار الكعبة حتى قدم عمر فاستثبت في أمره يعني قدم عمرة مكة من أين؟ من المدينة حتى تحقق موضعه الأول فأعاده إليه، وبنى حوله، فاستقر ثَم إلى الآن".
يعني مكانه الآن هو الذي وضعه فيه عمر وهو الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى عهد أبي بكر وعمر إلى أن جاء السيل واحتمله، ثم ردوه إلى هذا المكان.

لكن هذا اللفظ على أنه كما قال ابن حجر بأسانيد صحيحة: "يعني الحجر" ما الفائدة من اتخاذ إبراهيم عليه السلام له؟ طالب: ليرقي عليه، نعم ليرقي عليه ليستطيع الوصول إلى الحد الذي لا يستطيع الوصول إليه بدونه؛ لأنه ارتفع عليه البنيان، فأتي بهذا الحجر واستفيد منه، كونه بعيد بهذه المنزلة خمسة أمتار تقريباً يستفاد منه لبناء جدار الكعبة؟

طالب:...

ما يستفاد، لا يستفاد منه، وإن كان يستفاد منه ولو سلمنا أن طول إبراهيم عليه الصلاة والسلام مناسب لمثل هذا البعد، لقلنا: إن قربه من الجدار أيسر له من البعد مع وجود هذا الحجر، ولا شك أن اللفظ منكر، يعني الحجر المعروف عند أهل العلم أنه كان ملاصق للكعبة، فرأى عمر رضي الله عنه أنه في المطاف يسبب إشكال بالنسبة للطائفين وزحام فأبعده عن المطاف إلى قدر بحيث ينفس للناس، على أن وجوده في هذا المكان أو وجوده في مكانه الأصلي في أيامنا هذه مع كثرة الناس لا فرق، ومسألة تقديم المقام وتأخيره عن مكانه مسألة خلافية ذكرناها أو أشرنا إليها فيما تقدم.

المقدم: أحسن الله إليكم، هذا ما اتسع له الوقت مع مدنا له، وبين يدينا أسئلة كثيرة، نحفظها للأخوة ونسأل الله جل وعلا أن يثيب فضيلة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير أحسن الثواب، ويجزيه خيراً على هذه المحاضرة السديدة، وعلى هذه الأجوبة الموفقة، ولنا ولكم جميعاً إنه سبحانه جواد كريم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله..

عبد الكريم بن عبد الله الخضير

عضو هيئة التدريس في قسم السنة وعلومها في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض وحاليا عضو هيئة كبار العلماء واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.