التجارة الرابحة في ثواب الأعمال الصالحة - (2) التوحيد

منذ 2014-12-01

إن التوحيد هو أساس كل الأعمال الصالحة، وهو الهدف الأسمى في هذه الدنيا، فهو حقيقة دين الإسلام الذي بعث الله تعالى به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، ولقد بين الله تعالى التوحيد في كتابة الكريم فقال الله جل جلاله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة-163].

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.

ماهية التوحيد

إن التوحيد هو أساس كل الأعمال الصالحة، وهو الهدف الأسمى في هذه الدنيا، فهو حقيقة دين الإسلام الذي بعث الله تعالى به نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، ولقد بين الله تعالى التوحيد في كتابة الكريم فقال الله جل جلاله: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} [البقرة:163]، وقال الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة:73]، وقال عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:1-4].

إن الكون كله خلقاً وتدبيراً يشهد بوحدانية الله تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54].

خلق السماوات والأرض .. واختلاف الليل والنهار .. وأصناف الجماد والنبات والثمار .. وخلق الإنسان والحيوان .. كل ذلك يدل على أن الخالق العظيم واحد لا شريك له {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لّا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} [غافر:62].

وتنوع هذه المخلوقات وعظمتها .. وإحكامها وإتقانها .. وحفظها وتدبيرها كل ذلك يدل على أن الخالق واحد يفعل ما يشاء .. ويحكم ما يريد {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ[الزمر:62]، وكل ما سبق يدل على أن لهذا الخلق خالقاً .. ولهذا الملك مالكاً .. ووراء الصورة مصور {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر:24]، وصلاح السماوات والأرض .. وانتظام الكون .. وانسجام المخلوقات مع بعضها .. يدل على أن الخالق واحد لا شريك له {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ[الأنبياء:22]، وقد دل العقل والوحي والفطرة على أن لهذا الوجود موجداً .. ولهذه المخلوقات خالقاً .. حي قيوم .. عليم خبير .. قوي عزيز .. رؤوف رحيم .. له الأسماء الحسنى و الصفات العلى .. عليم بكل شيء .. لا يعجزه ولا يشبهه شيء {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[البقرة:163].

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " لَمَّا بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى نَحْوِ أَهْلِ الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ تَعَالَى فَإِذَا عَرَفُوا ذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ فَإِذَا صَلَّوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ غَنِيِّهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فَقِيرِهِمْ فَإِذَا أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَخُذْ مِنْهُمْ وَتَوَقَّ كَرَائِمَ أَمْوَالِ النَّاسِ» (البخاري:[7372]) و(مسلم:[19])، وعن ابن عمر رضي الله عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسَةٍ: عَلَى أَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ» (مسلم:[16]).

أقسام التوحيد
التوحيد قد قسمه العلماء إلى ثلاثة أقسام وهي:
توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.
فتوحيد الربوبية: هو إفراد الله تعالى بأفعاله كالخلق والملك والتدبير والإحياء و الإماتة، ونحو ذلك.
فمن اعتقد أن هناك خالقا غير الله تعالى، أو مالكا لهذا الكون متصرفا فيه غير الله جل جلاله فقد أخل بهذا النوع من التوحيد، وكفر بالله العظيم.

وقد كان الكفار الأوائل يقرون بهذا التوحيد إقراراً إجمالياً، وإن كانوا يخالفون في بعض تفاصيله، والدليل على أنهم كانوا يقرون به آيات كثيرة في القرآن منها: قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون} [العنكبوت:61]، وقوله تعالى: { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ[العنكبوت:63].

وقوله جل شانه: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون[الزخرف:87]، ففي هذه الآيات يبين الله تعالى أن الكفار يقرون بأنه سبحانه هو الخالق المالك المدبر، ومع هذا لم يوحدوه بالعبادة مما يدل على عظيم ظلمهم، وشدة إفكهم، وضعف عقلهم. فإن الموصوف بهذه الصفات المنفرد بهذه الأفعال ينبغي ألا يعبد سواه، ولا يوحد إلا إياه، سبحانه وبحمده تعالى عما يشركون.
ولذا فمن أقر بهذا التوحيد إقرارًا صحيحًا لزمه ضرورة أن يقر بتوحيد الألوهية.

وتوحيد الألوهية هو: إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة قولاً وعملاً، ونفي العبادة عن كل ما سوى الله كائناً من كان كما قال الله تعالى: {وقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء من الآية:23]، وقال الله تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [النساء من الآية:36]، ويمكن أن يعرف بأنه: توحيد الله تعالى بأفعال العباد.
وسمي بتوحيد الألوهية: لأنه مبني على التأله لله تعالى وهو التعبد المصاحب للمحبة والتعظيم.
ويسمى توحيد العبادة لأن العبد يتعبد لله  جل جلاله بأداء ما أمره به واجتناب ما نهاه عنه.
ويسمى توحيد الطلب والقصد والإرادة؛ لأن العبد لا يطلب ولا يقصد ولا يريد إلا وجه الله سبحانه فيعبد الله تعالى مخلصا له الدين.
وهذا النوع هو الذي وقع فيه الخلل،  ومن أجله بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، ومن أجله خلق الخلق، وشرعت الشرائع، وفيه وقعت الخصومة بين الأنبياء وأقوامهم، فأهلك المعاندين ونجى المؤمنين.

فمن أخل به بأن صرف شيئا من العبادة لغير الله فقد خرج من الملة، ووقع في الفتنة، وضل عن سواء السبيل. نسأل الله السلامة.

وأما توحيد الأسماء والصفات فهو: إفراد الله عز وجل بما له من الأسماء والصفات، فيعتقد العبد أن الله لا مماثل له في أسمائه وصفاته، وهذا التوحيد يقوم على أساسين:
الأول: الإثبات: أي إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم من الأسماء الحسنى والصفات العلى على وجه يليق بجلال الله تعالى وعظمته من غير تحريف لها أو تأويل لمعناها أو تعطيل لحقائقها. أو تكييف لها.
الثاني: التنزيه: وهو تنزيه الله تعالى عن كل عيب، ونفي ما نفاه عن نفسه من صفات النقص، والدليل على ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى من الآية:11]، فنزه نفسه عن مماثلته لخلقه، وأثبت لنفسه صفات الكمال على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى.

تحقيق التوحيد
وتحقيق التوحيد يكون بشهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمداً رسول الله وهذا التحقيق له درجتان: درجة واجبة، ودرجة مستحبة وفيما يلي تفصيل لذلك:

فالدرجة الواجبة تتحقق بثلاثة أمور:
ترك الشرك بجميع أنواعه الأكبر والأصغر والخفي.  
ترك البدع بأنواعها.
ترك المعاصي بأنواعها.

والدرجة المستحبة وهي التي يتفاضل فيها الناس ويتفاوتون تفاوتاً عظيماً وهي: أن لا يكون في القلب شيء من التوجه لغير الله أو التعلق بسواه؛ فيكون القلب متوجهاً بكليته إلى الله ليس فيه التفات لسواه، نطقه لله تعالى، و فعله وعمله لله تعالى، بل وحركة قلبه لله جل جلاله. 

لابد لتحقيق هاتين الدرجتين من أمور:
أولها: العلم، وإلا فكيف يحقق التوحيد ويعمل به من لا يعرفه ويفهمه، فواجب على كل مكلف أن يتعلم من توحيد الله ما يُصَحِّحُ به معتقده وقوله وعمله، ثم ما زاد فهو فضلٌ وخيرٌ.
ثانيها: التصديق الجازم واليقين الراسخ بما ورد عن الله وعن نبيه صلى الله عليه وسلم من أخبار، وأقوال.
ثالثها: الانقياد والامتثال لأوامر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بفعل المأمورات، و ترك المحظورات والمنهيات.
وكلما كان الإنسان أكثر تحقيقاً لهذه الأمور كان توحيده أعظم وثوابه أكبر، فليس تحقيق التوحيد بالتمني، ولا بالتحلي، ولا بالدعاوى الخالية من الحقائق، وإنما بما وقر في القلوب من عقائد الإيمان، وحقائق الإحسان؛ وصدقته الأخلاق الجميلة والأعمال الصالحة الجليلة. فعلى المسلم أن يبادر لحظات العمر، ويسابق ساعات الزمن في المبادرة إلى الخيرات، والمنافسة في الطاعات، وليستهون الصعب، وليستلذ الألم، فإن سلعة الله  تعالى غالية. إن سلعة الله جل جلاله الجنة.

ثواب التوحيد
والتوحيد له فضل كبير وأجر عظيم، بل هو سبب نجاة العبد يوم القيامة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلاَّ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» (البخاري: [128]) و(مسلم: [32]).

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ » (رواه الترمذي [3383] وقال: "حسن غريب"،  ورواه النسائي في (السنن الكبرى) [6/208] وبوب عليه بقوله: "باب أفضل الذكر وأفضل الدعاء"، ورواه ابن حبان في صحيحه [3/126] وبوب عليه بقوله: "ذكر البيان بأن الحمد لله جل وعلا من أفضل الدعاء، والتهليل له من أفضل الذكر"، وحسنه الحافظ ابن حجر في (نتائج الأفكار) [1/63] والشيخ الألباني في (صحيح الترمذي)).

ووردت أحاديث عديدة في الحث على ذكر "لا إله إلا الله" في أحوال أو أوقات مخصوصة، فمن ذلك:
بعد الوضوء«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ أَوْ فَيُسْبِغُ الْوَضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ» (مسلم: [234])، من حديث عقبة بن عامر، رضي الله عنه.
إذا استيقظ من نومه، أثناء الليل: «مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ» (البخاري: [1154]) من حديث عبادة بن الصامت، رضي الله عنه.

في أول النهار (عند الصباح): «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (البخاري:[3293]) و(مسلم: [2691])، واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
بعد السلام من الصلاة: «كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا سَلَّمَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ » (البخاري:[6330]) و(مسلم: [593]).

عند الكرب والضيق:  كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عِنْدَ الْكَرْبِ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» (البخاري:[6345]) و(مسلم: [2730]). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
يوم عرفة: «أفضل ما قلت أنا و النبيون عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك و له الحمد، وهو على كل شيء قدير» (رواه الطبراني في فضل عشر ذي الحجة، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة:[1503]).

كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" هي أثقل شيء في الميزان فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ لَا يَا رَبِّ فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ فَقَالَ إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ »  (رواه احمد: [6699] والترمذي: [2639] وصححه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى).
و(لا إله إلا الله): أعظم الحسنات، وأعلى شعب الإيمان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» (البخاري:[9]، ومسلم:[35] واللفظ له) من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. 

وروى مسلم في صحيحه:[2687] عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله تعالى عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً».
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: «قال موسى عليه السلام: يا رب علمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى قل: لا إله إلا الله قال: يا رب كل عبادك يقول هذا، قال: قل لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا أنت رب إنما أريد شيئاً تخصني به، قال: يا موسى لو كان السموات السبع وعامرهن غيري والأرضيين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله»  (ابن حبان:[6218]، والحاكم: [1936] واللفظ له، وصححه، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ في "الفتح " (11/ 208: أخرجه النسائي بسند صحيح).

وقد بين لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن من حقق الدرجة العليا من التوحيد فهو موعود بأن يكون مع السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب -نسأل الله تعالى من فضله-، ففي صحيح البخاري:[5705] ومسلم:[220] عن ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:  «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي فَقِيلَ لِي هَذَا مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْمُهُ وَلَكِنْ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ الْآخَرِ فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ فَقِيلَ لِي هَذِهِ أُمَّتُكَ وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ صَحِبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ فَلَعَلَّهُمْ الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللَّهِ وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ ولا يكتوون وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: "ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ" فَقَالَ:  «أَنْتَ مِنْهُمْ» ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَقَالَ:  «سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ» قوله: «لَا يَسْتَرْقُونَ» أي لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم. وإن كان طلب الرقية جائزاً لكنه خلاف الأولى والأفضل.

وقوله: «وَلَا يَتَطَيَّرُونَ» أي لا يقعون في التشاؤم بالطير أو بغيرها مما يتشاءم منه الناس فيتركون بعض ما عزموا على فعله بسبب هذا التشاؤم. والتشاؤم محرم وهو من الشرك الأصغر. 
وقوله: «وَلَا يَكْتَوُونَ» فيتركون الاكتواء بالنار في علاج أمراضهم ولو ثبت لهم نفعه لكراهة النبي صلى الله عليه وسلم له. ولأنه لا يعذب بالنار إلا رب النار
فالصفة المشتركة في هذه الصفات الثلاثة أن أصحابها «على ربهم يتوكلون» أي حققوا أكمل درجات التوكل وأعلاها، فلم يعد في قلوبهم أدنى التفات للأسباب، ولا تعلق بها بل تعلقهم بربهم وحده سبحانه.

نسأل الله تعالى ذو الجلال والإكرام بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يمن علينا بفضله وكرمه بأبواب الخير الكثير، وأن يجعلنا من الموحدين حق التوحيد، وأن يغفر لنا وأهلنا أجمعين، ويعز الإسلام والمسلمين، والله تعالى أعلى وأعلم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين. 
 

المقال السابق
(1) المقدمة
المقال التالي
(3) فضائل الاستغفار