فائدة في تفسير آية

منذ 2014-12-07

فوجب تأويل الآية بأنها من العام الذي أريد به الخصوص فيكون الخطاب فيها للكُمَّل من المؤمنين، كأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم بإحسان، لبيان أنهم لا يبلغون الدرجات العالية من الجنة إلا بالجهاد والصبر بعد الابتلاء، وأن لهم في ذلك أسوة بمن مضى من الرسل وأتباعهم، وما جرى عليهم من الشدة حتى يستبطئوا النصر: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة من الآية:214].

الحمد لله وحده؛ وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، أما بعد: فقد قال تعالى في سورة البقرة{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ  الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة:214]، وقال سبحانه في آل عمران: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142].

تضمنت الآيتان النهي عن هذا الحسبان، وهو ظن دخول الجنة دون ابتلاء بالشدائد والزلازل، مما يظهر به جهاد المجاهدين وصبر الصابرين، فيعلم الله ذلك موجوداً ظاهراً، وإن كان الله قد علم ذلك قبل وجوده أنه سيوجد، وإنما يترتب الجزاء ثواباً وعقاباً على ما وجد وظهر للعيان من أعمال العباد، وظاهر الآيتين أنه لا يدخل الجنة إلا من ابتلي، فجاهد وصبر، وهذا شأن الكُمَّل من العباد من أتباع الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ومعلوم أن كثيراً من المؤمنين يدخل الجنة، بل جميع المؤمنين يدخلون الجنة، وكثير منهم لم يبلغوا تلك المرتبة من الجهاد والصبر، ولم يتعرضوا للابتلاء الذي جرى على الرسل وعلى المؤمنين معهم، بل كثير ممن يدخل الجنة لهم ذنوب يدخلون بها النار إذا شاء الله، فيمحصون من ذنوبهم، ثم يصيرون إلى الجنة برحمته سبحانه.

فوجب تأويل الآية بأنها من العام الذي أريد به الخصوص فيكون الخطاب فيها للكُمَّل من المؤمنين، كأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اتبعهم بإحسان، لبيان أنهم لا يبلغون الدرجات العالية من الجنة إلا بالجهاد والصبر بعد الابتلاء، وأن لهم في ذلك أسوة بمن مضى من الرسل وأتباعهم، وما جرى عليهم من الشدة حتى يستبطئوا النصر: {حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ[البقرة من الآية:214].

فعلم مما تقدم أنه ليس المراد من الجنة في الآيتين جنس الجنة، بل المراد والله أعلم الدرجات العالية التي أعدها الله للمجاهدين، كما قال صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض» (صحيح البخاري [2790]).

وبهذا يتبين معنى الآيتين، ويزول ما يُتوهم من الإشكال، الذي لم يتعرض للتنبيه عليه كثير كثير من المفسرين، وقد تنبه له الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله، حيث قال عند تفسير آية البقرة: "ودخول الجنة هنا دخولها بدون سبق عناء وبلوى، وهو دخول الذين استوفوا كل ما وجب عليهم، ولم يقصروا في شيء منه، وإلا فإن دخول الجنة محسوبٌ لكل مؤمن، ولو لم تأته البأساء والضراء، أو أتتهُ ولم يصبر عليها، بمعنى أن الصبر على ذلك وعدم الضجر منه موجوب لغفران الذنوب" (أهـ من التحرير والتنوير [2/314]).

وفي ضوء ما تقدم يمكن توجيه ما نقله ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، يقول: "إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة" (الوابل الصيب)، فيوجه بأن مراده من الجنة التي في الدنيا ما يحصل للكُمَّل من نعيم القلب والروح والفرح والسرور، بفضل صدقهم بالإيمان بالله، ويقينهم، وجهادهم في سبيل الله، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15]، فمن لم يكن في الدنيا من أهل هذه الجنة، فلا يدخل جنة الآخرة التي أعدها الله لأوليائه الذين آمنوا وكانوا يتقون، الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فهم في نعيم في الدنيا وفي الآخرة، كما قال تعالى: ( {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الإنفطار:13]. قال ابن القيم رحمه الله على الآية ما معناه: "هذا وعد مطلق يعم دورهم الثلاث؛ دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار الآخرة". والله أعلم


حرر في 11 رجب1435هـ 

عبد الرحمن بن ناصر البراك

عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود