كيف أنوي العمل لله تعالى وكيف أحتسب الأجر فيه؟

منذ 2014-12-17

لذلك نجد في صفحات تراث سلفنا الصالحين، وعلمائنا الأبرار المتقين الكثير من تجارب الخوض في هذه الأبواب، والكثير من العلوم التي بنيت لفهم حقيقة النية وطريقة الإخلاص ومعالجة الإرادة . وكان مما قالوه أن كل عمل لا بد كي يقوم ويتم أن تتحقق فيه أركان ثلاثة: 1. الداعية الباعثة على العمل (العلم). 2. والإرادة التي هي الانبعاث نحو العمل (القصد والنية). 3. والقدرة (العمل).

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين

الحديث في (النيات) من أدق الأحاديث وأصعبها؛ لارتباطها بخفايا النفوس وتعلقها بأفكار القلوب التي لا تنكشف إلا بالتفكر في مراحلها ودرجاتها، ولأن علم السلوك قائم عليها، يدور في فلكها، وهو من أدق العلوم وأرقاها، ولا تتم سعادة العبد ولا نجاته يوم القيامة إلا بالتوفيق إلى النية الصالحة.

لذلك نجد في صفحات تراث سلفنا الصالحين، وعلمائنا الأبرار المتقين الكثير من تجارب الخوض في هذه الأبواب، والكثير من العلوم التي بنيت لفهم حقيقة النية وطريقة الإخلاص ومعالجة الإرادة. وكان مما قالوه أن كل عمل لا بد كي يقوم ويتم أن تتحقق فيه أركان ثلاثة

1. الداعية الباعثة على العمل (العلم). 
2. 
والإرادة التي هي الانبعاث نحو العمل (القصد والنية). 
3. 
والقدرة (العمل).

ولنمثل لذلك بمثال يتضح به المقال: إذا هجم على الإنسان سبع أو وحش مثلاً، فإن معرفته بضرر السبع وأذيته له هي الداعية الباعثة على الهرب للتخلص من ذلك الضرر، فتحقق الركن الأول (الباعث)، ولذلك ستنبعث في قلبه إرادة الهرب وقصده، فيتحقق الركن الثاني (النية)، ثم تنتهض القدرة لتفعل فعل الهرب بسبب الإرادة، فيتم الفعل بذلكفالفعل هنا هو الهرب، والنية هي الفرار من السبع لا غير، والباعث الذي هو المقصد المنوي الذي دعا إلى الفعل هو التخلص من ضرر السبع وأذاه (ينظر: (إحياء علوم الدين) للغزالي [4/365]). 

ثانياً
من أراد أن ينوي النية الصالحة في عمله، فلا بد أن يلتفت إلى الباعث الداعي الذي يزجره نحو ذلك العمل، فيحرص على أن يكون باعثه أمراً صالحاً مشروعاً، مما يحبه الله ويرضاه ويثيب عليه، فتنطلق النية والإرادة نحو ذلك العمل بسبب هذا الباعث الصالح، وبهذا تكون النية لله تعالى، ثم عليه بعد ذلك أن يحافظ على هذا الداعي الأصلي الخالص لله تعالى، فلا يتفلت منه أثناء عمله، ولا يتقلب، ولا ينصرف إلى غير الله، ولا يداخله شرك آخرولهذا قال سفيان الثوري رحمه الله: "ما عالجت شيئاً عليّ أشد من نيّتي، إنها تتقلب عليّ"!!

فمن أراد أن يقوم بعمل (قراءة القرآن الكريم) مثلاً، ويكون عمله خالصاً متقبلاً عند الله تعالى، فلا بد أن ينشأ الباعث في نفسه نشأة صحيحة شرعية، كقصد عبادة الله تعالى، أو يعلم فضيلة ثواب قراءة القرآن الكريم فتتشوف النفس لتحصيله، أو يعرف منفعة التدبر والتأمل في آيات الله تعالى، أو أن القرآن الكريم يأتي شفيعاً لصاحبه يوم القيامة، أو يستحضر أن القرآن كلام الله، وهو من أحب ما يتقرب به إليه، ونحو ذلك من البواعث الشرعية التي تلقي في النفس الرغبة نحو هذا الفعل

فإذا رغبت النفس به، وانطلقت الإرادة نحو تحقيقه لأجل تلك الأغراض: تحققت النية، ثم إذا توفرت القدرة لتحقيق التلاوة: اكتمل العمل المشروع الخالص لوجه الله عز وجلثم يبقى عليه بعد ذلك أن يحافظ على ما حصله من النية الخالصة، والعمل الصالح، فعدوه إبليس يتلصص عليه، حريص على أن يخطف منه ما استطاع!!

ثالثاً
البواعث التي بتعث المرء على العمل الصالح قد تتعدد، ولها درجات ومراتب، وإذا كانت كلها صالحة تضاعف أجر العمل أضعافاً كثيرة، وكلما تعلقت بالدرجات العلى من اليقين والإيمان كان العمل أعظم عند الله عز وجل.  يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: "أما الأصل فهو أن ينوى بها عبادة الله تعالى لا غير، فإن نوى الرياء صارت معصية، وأما تضاعف الفضل فبكثرة النيات الحسنة، فإن الطاعة الواحدة يمكن أن ينوي بها خيرات كثيرة، فيكون له بكل نية ثواب، إذ كل واحدة منها حسنة، ثم تضاعف كل حسنة عشر أمثالها كما ورد به الخبر.

ومثاله: القعود فى المسجد، فإنه طاعة، ويمكن أن ينوى فيه نيات كثيرة حتى يصير من فضائل أعمال المتقين، ويبلغ به درجات المقربين:

أولها: أن يعتقد أنه بيت الله، وأن داخله زائر الله، فيقصد به زيارة مولاه رجاء لما وعده به رسول الله صلى الله عليه وسلم
وثانيها: أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فيكون في جملة انتظاره في الصلاة. 
وثالثها: كف السمع والبصر والأعضاء عن الحركات والترددات، فإن الاعتكاف كف وهو في معنى الصوم. 
ورابعها: عكوف الهم على الله، ولزوم السر للفكر في الآخرة، ودفع الشواغل الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد.
وخامسها: التجرد لذكر الله، أو لاستماع ذكره وللتذكر به. 
وسادسها: أن يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر، إذ المسجد لا يخلو عمن يسيء في صلاته، أو يتعاطى ما لا يحل له، فيأمره بالمعروف ويرشده إلى الدين، فيكون شريكا معه في خيره الذي يعلم منه، فتتضاعف خيراته.
وسابعها: أن يستفيد أخاً في الله، فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة، والمسجد معشش أهل الدين المحبين لله وفي الله.
وثامنها: أن يترك الذنوب حياء من الله تعالى، وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هتك الحرمة.

فهذا طريق تكثير النيات، وقس به سائر الطاعات والمباحات، إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيات كثيرة، وإنما تحضر في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير وتشمره له، وتفكر فيه، فبهذا تزكوا الأعمال وتتضاعف الحسنات" (انتهى باختصار من (إحياء علوم الدين) [4/370-371]).

رابعاً
وأما الاحتساب فهو مرادف الإخلاص لوجه الله تعالى، لا فرق بينهما، فمن نوى بعمله نية صالحة فقد احتسبه عند الله تعالى، ولا يحتاج إلى مزيد استحضار قلبي لفكرة أخرى.
يقول الإمام النووي رحمه الله: "معنى: (احتساباً): أن يريد الله تعالى وحده، لا يقصد رؤية الناس، ولا غير ذلك مما يخالف الإخلاص" (انتهى من (شرح مسلم) [6/39]).

ويقول ابن بطال رحمه الله تعالى"وقوله: (احتسابًا) يعنى: يفعل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى" (انتهى من (شرح صحيح البخاري) [4/146]).

ويقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: "الأجر الموعود به إنما يحصل لمن صنع ذلك احتساباً: أي: خالصاً" (انتهى من (فتح الباري) [1/110]).

وينصح بمراجعة كتاب (مقاصد المكلفين) لفضيلة الدكتور عمر سليمان الأشقر، حفظه الله، فهو كتاب نافع مفيد في بابه. 

والله تعالى أعلى وأعلم  ونسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى أن يرزقنا الإخلاص والصلاح والفلاح في الدنيا والآخرة والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.