معلومة مجانية للمخابرات الإسرائيلية

منذ 2008-11-04

تحت رقم 255....


عن طريق الهاتف، استدعى ضابط المخابرات الإسرائيلية "خالد عبد الرحمن" لمقابلته على حاجز "إيرز" النقطة الفاصلة بين قطاع غزة والدولة العبرية، ولأن "خالد" في حالة مرضية استعصت على العلاج في قطاع غزة، فقد تم تحويله للعلاج في إحدى المستشفيات الإسرائيلية، فرح "خالد" لمقابلة المخابرات، وراح يلملم التقارير الطيبة، والأدوية التي يتناولها، وكيس المحلول المعلق في وريده، وتقدم وحيداً لمقابلة المخابرات الإسرائيلية، دون أن يطرق ظنه أدني أشك بأن المخابرات الإسرائيلية ستمنع دخوله إلى مستشفيات إسرائيل، وذلك لمجرد أن ينظروا إلى حالته المرضية البائسة، فحالته الصحية خير تقرير.

تفاجأ "خالد" أن رجل المخابرات الإسرائيلية، المدعو "أمير" يشترط عليه لدخول إسرائيل التعاون مع المخابرات، وتقديم المعلومات عن حركة حماس وأخواتها في المقاومة.

حاول "خالد" أن يقنع رجل المخابرات بأن لا همّ له، ولا اهتمام إلا بكيفية تسكين الوجع الناشب في جسده، ولا معرفة له، ولا معلومة خارج إطار "كبده" الذي تليّف، ويكاد أن يتوقف كلياً عن العمل، وأنه مشغول بنفسه، وبمرضه فقط.

لم يصغ رجل المخابرات الإسرائيلية "أمير" لشكوى المريض "خالد عبد الرحمن"، وظل مصراً على شرطه؛ دخولك إلى إسرائيل للعلاج قرين التعاون مع المخابرات.

هذا السلوك ليس جديداً على المخابرات الإسرائيلية لمن جربها في التحقيق، فعندما نزف جسدي من التعذيب، والتهبت الجروح، أحضر الطبيب الدواء، وانصرف. فامسك رجل المخابرات بالدواء، ونظر إليّ قائلاً: هذا هو، اعترف بما لديك، أعطيك الدواء. قلت له: لا شيء عندي اعترف عليه، عندئذٍ ألقى رجل المخابرات الإسرائيلية بالدواء في سلة المهملات، وقال للجنود: علقوه من يديه حتى يذوب من الوجع.
لم يغير الزمن سلوك رجال المخابرات، ليعود "خالد" إلى زوجته، وأطفاله الخمسة مهموماً، حزيناً، متوجعاً، شاكياً المخابرات، باكياً المرض، مخنوقاً من المقابلة، ومن إغلاق إسرائيل مستشفياتها في وجهه، وظل يردد: ماذا أقول للمخابرات الإسرائيلية؟ ماذا أقدم لهم من معلومات؟ وكم سأقتل من أخوتي، ومن جيراني إذا تعاونت مع المخابرات الإسرائيلية كي أكسب بعض حياتي؟ لعل وعسى أن تشفق مصر العربية على المرضى العرب في قطاع غزة، وتفتح لنا المعبر الوحيد الواصل بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية.

عاود "خالد" الحديث لكل زائر: ماذا أقول للمخابرات الإسرائيلية؟ ماذا أقدم لهم من معلومات؟ هل أقول لهم أن قائد كتائب الشهيد عز الدين القسام في جنوب قطاع غزة هو "محمد إبراهيم صلاح أبو شمالة" ابن عمي، إنهم يعرفون ذلك، وقد نشر في وسائل الإعلام، ولو كتبوا الاسم في "جوجل" وبحثوا، لعرفوا، وقد قصفته الطائرات الإسرائيلية ثلاث مرات بهدف تصفيته، وكتبت له الحياة رغم أنف الطائرات، ومع ذلك لم ألتق فيه منذ سنوات!.

هل أقول لهم: أن غالبية شباب خان يونس، ومعظم شباب عائلتي يحملون السلاح، ويحضرون العبوات الناسفة، ويستعدون لملاقاة الجيش الإسرائيلي في كل وقت، هذه معلومات على قارعة الطريق، ويعرفها الجميع.

هل أقول لهم: قبل أسبوع، في شهر أكتوبر من العام 2008، امتلأت شوارع مدينة خان يونس بالمقاتلين، وبشكل مفاجئ، ونفذوا عملية انتشار منظم بشكل أذهل كل من في المنطقة، كل مقاتل يعرف مهمته، وكل مقاتل يحمل عبوته الناسفة، وكل مقاتل أخذ موقعه، وظلت خان يونس لساعات ساحة مواجهة، وفجأة اختفى كل شيء، وكأن شيئاً لم يكن. إن للمخابرات الإسرائيلية أجهزة، وآلات تصوير تلتقط كل ما يدور على الأرض.

ماذا أقول لهم؟ ولو كنت أعرف شيئاً لا تعرفه المخابرات الإسرائيلية عن حركات المقاومة، هل أبيع الأصحاء من أهلي من أجل علاجي أنا المريض؟ هل أبيع أبناء عمومتي من أجل صحتي، هل أبيع الوطن من أجل الدواء، تنهد "خالد" وهو يقول: إن الموت على فراش المرض أفضل ألف مرة من الحياة على فراش مذلة التعامل مع المخابرات الإسرائيلية، والتعاون الأمني معهم، والتنسيق مع الإسرائيليين.

أضاف "خالد": لقد بلغ عدد الذين ماتوا من المرض في ظل الحصار 254، فلسطينياً عربياً حتى اليوم، ولست أحسن منهم، أسلمت أمري لله.

معلومة مجانية للمخابرات الإسرائيلية.

اليوم مات "خالد" تحت رقم 255




د. فايز أبو شمالة




المصدر: منقول