قراءة في كتاب: (ما بعد السَّلفيَّة)

منذ 2015-08-12

في هذه القراءة حاولت قدْر الطاقة أن أخلع العباءة والعمامة، وأطرح الشيوخ والرموز من على متْني وحاشيتي، وأُقْبِل خالي البال من المُسبقات والأحكام الجاهزات، خصوصًا والشيخ أحمد من داخل البيت ومِن غَزِيَّة التي لم تغوَ، ويقترب من أن يكون صريخَ إياد، وكل هذا قبل القراءة المختصرة والمطالعة المبتسرة، التي لا ترتقي أن تكون مدخلًا لنقد هذا الجهد، وإنما هي فاتحة الباب وطليعة الكتَّاب، ممَّن هم أعلمُ وأحكم، وطريقتهم أسلم، بل قد لا تعدو هذه الورقة أن تكون تعريفًا بالكتاب مع شيءٍ من التعليق أو الإشارات النقدية فقط.

صديقي أحمد سالم دخلت وإياه المعرض قبل الافتتاح وأهداني نسخةً من كتابه (ما بعد السَّلفيَّة)، وقال مازحًا: "المهم أن نبقى أصحابًا بعد قراءة الكتاب!".


قلت: بالطبع، ولكن هذا لا يمنع من مناقشة الكتاب والكاتب، ولا يمنع أن نبقى أصحابًا وإن اختلفنا على كتاب، وفي هذه القراءة حاولت قدْر الطاقة أن أخلع العباءة والعمامة، وأطرح الشيوخ والرموز من على متْني وحاشيتي، وأُقْبِل خالي البال من المُسبقات والأحكام الجاهزات، خصوصًا والشيخ أحمد من داخل البيت ومِن غَزِيَّة التي لم تغوَ، ويقترب من أن يكون صريخَ إياد، وكل هذا قبل القراءة المختصرة والمطالعة المبتسرة، التي لا ترتقي أن تكون مدخلًا لنقد هذا الجهد، وإنما هي فاتحة الباب وطليعة الكتَّاب، ممَّن هم أعلمُ وأحكم، وطريقتهم أسلم، بل قد لا تعدو هذه الورقة أن تكون تعريفًا بالكتاب مع شيءٍ من التعليق أو الإشارات النقدية فقط.

وقبل الولوج في هذه القراءة أُنبِّه على أني سأستخدم لفظة (الكاتب) وأحيل عليها، وأقصد منها أحمد سالم وعمرو البسيوني؛ لأنهما أكَّدَا في المقدمة أنهما مسؤولان مسؤولية مشتركة عن كل حرف في هذا الكتاب.


في المقدمة شرح الكاتب معنى السلف والسلفية، وأحق الناس بهذا الوصف، وهم أهل الحديث، وأنه لا ينبغي أن تتحول السلفية لنظرية معرفية خلوًا من أعمال القلوب والجوارح والأخلاق الحميدة، وأكد على أن لا نَغفُل في دراستنا للسلفية عن أن أقوال السلف تمر على أنظار المتبعين لها، ولا بد أن تَجري العملية التأويلية على مستوى الفهم، وحتى التطبيق عبر هذه الذوات القارئة؛ وعليه فلا داعي أن تصبح هذه القراءة صُلبةً فتظلَّ صحتها وصلتها بالوحي وفِعل الصحابة محلَّ نظر وترجيح، فلا بد من إيقاظ السلفية المعاصرة من حالة السُّبات الوثوقي -بحسَب الكاتب- بأن نقول: إنَّ السلفي المعاصر لم يحُلَّ مشكلة التنازع التأويلي للكتاب والسنة بأنْ يردَّ الناس لفهم السلف، والسبب في أن المشكلة لم تحل، وهذا يعود إلى أنَّ ضبط أقوال السلف ومقاصدهم وأحوال هذه الأقوال -اتفاقًا واختلافًا، ثبوتًا ودلالةً- يمر بالضرورة عبر الذات المتلقية الناظرة في كلام السلف، وبالتالي فإن أقوال السلف نفسها ستعاني نفس إشكالية التنازع التأويلي، وهذا إن لم يكن في كل المسائل أو إنْ سلِمتْ منه مسائل، فلن تسلمَ منه أخرى، وبالتالي فإن العمل النقدي سيكون لازم الحضور للنجاة من أخطاء الذوات المتلقية لأقوال السلف؛ كي لا يتحوَّل فهم هذه الذوات إلى عقيدة صُلبة.

وأقول: هذا الطرح لو لم يقيد بـ(وهذا إن لم يكن في كل المسائل، أو إنْ سلمت منه مسائل فلن تسلمَ منه أخرى) لكان طرحًا خطيرًا يطرق به الكاتب باب التشكيك في المنهج وطريقة التلقي، ولا نزيد على قولنا بأنَّ كتاب الله وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم لم يَسلمَا من التنازع التأويلي، ولدينا يقين بأنَّ فهمهما يقينًا وحقًّا لا تخلو منه أمَّة ولا زمن، بل المذاهب أجمع والعقائد أجمع لا تسلم من هذا النِّزاع، دِينيَّةً كانت أم سياسية أم فكرية، وما الشيوعية والاشتراكية والحداثة وغيرها الكثير منَّا ببعيد!


وأزعم أنَّ السلفية هي إجماع الصحابة ومَن تبعهم، ومَن ناكف هذا المنهج في مسألة يكون بذلك خرَقَ الإجماع، وهذا مما يدعونا للارتياب في هذه الأطروحة، أقصد: الارتياب النقديَّ لا سوء الظن في الكاتب.


وعلى كلٍّ.. فالكتاب يحلل الحقب التاريخيَّة المتسلِّفة كتجربة للعودة للأمر الأول (ما كنت عليه وأصحابي).

يطل الكاتب -وفي المقدمة- على المقصود بـ( الما بعد)، وأنه -ومنذ منتصف الخمسينيات- بدأ المشهد العالمي عمومًا وفي كل المجالات ينزع نحو (الما بعد)؛ وذلك بعد تآكُل السرديات الكبرى بحسب ج. فرانسو ليوتار.

 

فظهرت (ما بعد البنيوية) و(ما بعد الحداثة) وبطبيعة الحال فـ(الما بعد) لا يعني اختفاءَ الماضي أو سقوطَه، أو ما يحلو للكاتب بتسميته انهيار القيم، وبحسبه أيضًا فـ(الما بعد) يمكن أن نقرأه بوصفه تجليًا جديدًا، وتفسيرًا مختلفًا وليس سالبًا، كما أنَّه لا يعني موت الذي خرج عليه، إنما إمكانية جديدة لحياته ولتأويله في أفق لم يكن يفكِّر فيه، ولا أريد الوقوف على قول الكاتب: إن السلفية متعدِّدة بداخلها وأصولها؛ ولذلك جاءت مخرجاتها مختلفةً من سلفية علمية لدعوية لجهادية لحركية؛ فالكاتب لا يَنقصه معرفة واقع هذه السلفيات، ولا تنقصه الأمثلة التاريخيَّة على تحقق السلفية الشمولية، ولكنه يتحدَّث عن السلفية المعاصرة، ومع ذلك فهناك سلفية شِبه شموليه أو تحاول أن تكون كذلك؛ أقول هذا لأنَّه الواقع ولأن تقسيم السلفية محاولةٌ محفوفة بالمخاطر على مستوى المنهج والقراءة أيضًا، حتى وإن وجد في أطراف السلفية -إن صحَّت التسمية- مَن يجتزئ هذا الكيان الذي يتأبَّى على الاجتزاء، ولو تسمى الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا أنهم سلفية، فطريقة السلف من فعلهم براء.

بعد المقدمة جاءت الإضاءات، وهي صفحة نقولات تعزز النقل عن الصحابة والأخذ عنهم، وضرورة ذلك مع التزام فَهمهم، وبعدها مفاتيح وهي كلمات لابن عثيمين والمسيري وريكور وجان بودريار، وفيها يرمز الكاتب لسياق ما سيكتب.


وفي الفصل الأول تناول المصطلح والمفهوم، وأبرز ما في مقدمته أنَّه يرى شعارية مقولات من مِثل وصف السلفية بأنَّها (كتاب وسنة بفهم سلف الأمَّة)، أو (كل خير في اتباع مَن سلف، وكل شر في ابتداع مَن خلف)، أو (لن يَصلح آخِرُ هذه الأمة إلا بما صلَح به أوَّلها) وأقول: وما الضير في الشعارية، ولن يخلو مذهب وعقيدة أيًّا كانت من الشِّعار؟! والكاتب لا ينازع في هذا الواقع، بل واحتياجه، بل يأخذ على بعض المتسلفة رفْعَ الشعار والتغافل عن الفرق بينه وبين تمثلاته الواقعية.

وقد أتى في هذا الفصل على أصول هذا المنهج، وهي:
- التوحيد.
- الاتباع.
- التزكية.


وعدَّد قواعد المنهج وخصائصه أيضًا، وعرَّج على الاختيارات الفقهية التي صاغت هُوية ثقافية، من تغطية وجه المرأة، وتقصير ثياب الرجال، وتحريم الموسيقى، مع انتشار الثوب السُّعودي في أحيان كثيرة.


تلا ذلك الحديث عن صحة نسَب السلفية المعاصرة من كذبه، وذلك بالخلاف السلفي السلفي حول النسبة، والخلاف السلفي غير السلفي، ومن الطريف -وذلك خارج موضوع الكتاب- أنه بالفعل كل المذاهب والفرق بدرجاتٍ متفاوتة ترفع شعارَ العودة للسلف والتمدُّح باتباع السنة، إلا الرافضة فإنهم لا يزعمون ذلك، فضلًا عن أن يُفاخِروا به، بل إن مخالفة السنة أصلٌ من أصولهم.

تطرَّق الكاتب بعدها لضرورة التفريق بين السلفية المنهجية والسلفية التاريخية حين نتكلم عن السلفية، وثنَّى بتصنيف الخصوم للسلفية إلى ثلاثة أصناف:


1- مَن يُسلِّم بأن هذا هو فكر الصحابة أو بعضهم فمن بعدهم، ومع ذلك يُبطله ويُخالفه، كحال الشيعة والخوارج، والحداثيين والعلمانيين.


2- مَن لا يُسلِّم بصحة نسبة هذا الفكر للصحابة فمن تبعهم، ولكنه يُحمِّل ذلك ابنَ تيمية وبعض طبقات المحدِّثين والحنابلة في القرون الثلاثة التي سبقتْه، وعليه فهؤلاء لم يَفهموا فكر الصحابة حقَّ الفهم، والسلف براء من هذا الفهم، ومن هؤلاء الأشاعرة والماتريدية والصوفية.


3- مَن صحَّح بعض هذه النسبة للسلف، ونازع في نسبة أخرى، وحمَّل الخطأ أيضًا ابنَ تيمية أو حمَّل خطأَ نسبتِها للسلف ولابن تيمية إلى الوهابيَّة والسلفية الصحوية، وهؤلاء هم عبارة عن اتِّجاهات أو أفراد تنتسب للسلفية التي قد تُسمَّى حرة أو مستقلة، وهي قليلة، وأيضًا بعضُ الأشاعرة المعاصرين.

ثلَّث بعد ذلك بفهم السلف، وأكثر فيه النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتقريره أنَّ مذهب السلف لا يكون إلا حقًّا، وأن فَهم الصحابة مقدَّم على فَهم غيرهم، ولكن الغريب أن الكاتب يقول بشحَّة الكتابات في حقيقة فَهم السلف من السلفيِّين أنفسهم، مع كثرة ما كتبوه عن بيان منهجهم، ولا أظن أنَّ سلفيًّا -عالِمًا كان أم طالب علم- إلا وهو يُبين معنى فهم السلف، وضرورة الرجوع إليه في كل ما يكتب ويخطب، ويقول: أما إن كان يقصد كتابة مطوَّلة فهذه هي ميزة فَهم السلف أنها بلا تكلُّف ولا تعمُّق، بل سهلة المأخذ؛ وعليه فشرح هذا الفَهم لا يطول ولا يحتمل كتاباتٍ خاصَّةً مطولة.


ويؤاخِذ الكاتب في هذا الباب بعضَ مَن ينتمون للسلفية عندما يُضخِّمون ممارسة سلفية اجتهادية غير مُجمَع عليها فتتحول عندهم إلى (منهج السلف) و(معتقد السلف)، الذي يجب اتباعه، ويُوصم مخالِفُه بالابتداع والحيدة عن طريقة السلف.

ولم يفُتِ الكاتبَ إفرادُ الفرقة الناجية ببابٍ أورد فيه حديث الافتراق مدروسًا طرقًا وأسانيد بتوسُّع على يد الباحث أحمد الجابري، وتحدَّث عن فهم السلفيِّين للفرقة الناجية، ومَن تكون وما مصيرُ غيرها، وقد ختم الكاتبُ هذا الفصلَ بتصنيفات السلفية المعاصرة، مُقدِّمًا بأنه لا يرفض إلغاء التصنيف؛ لأنه ضرورة معرفية، ولكنه ينتقد بشدة الغلوَّ في ذلك، ويشترط في المصنف شرطين:
- العلم.
- العدل.

الفصل الثاني عن تطور السلفية، وموضوعه تحقُّقات تاريخية للسلفية لأفراد وجماعات حاولوا التزام هذا المنهج، وذلك عبر حِقَب معينة، وفيه أبواب:


- القرون المُفضَّلة، وتطرق فيه لأساس معيارية جيل الصحابة في التصور السلفي، وطريق معرفة اتفاق الصحابة، وأيضًا أهل الأهواء هم من جملة التابعين وأتباعهم من حيث الحِقبة الزمنية؛ فكيف يتسق هذا مع المفهوم السلفي؟


الكاتب يطرح هذا التساؤل، ويجيب بجواب السلفية أنفسهم في أن التحقيب الزمني ليس هو المعُيِّنَ لكون الرجل من التابعين وأتباعهم، وإنما المحدِّد الأساسي هو أن يكون بالفعل من أتباع الصحابة وأتباع أتباع الصحابة، وليس مجرَّد وجوده في الحيِّز التاريخي، ولا أدري ما فائدة هذا السؤال، وماذا كشف هذا الجواب؟!


إلَّا إنْ كان الكاتب يفتح عينًا على القارئ الغربي أو العربي غير المهتم، وصاحب الحصيلة لا أقول الضعيفة، بل المعدومة.


- الجيل الرابع وبَدْء تأسيس مِعمار العقائد السلفية:

ويقصد بهم جيل الآخذين عن القرون المفضَّلة، وهو الجيل الذي عاصر اكتمال تشكُّل معظم الفرق التي يراها السلفيون فرقًا بدعيَّة، وهم الشافعي وأحمد والثوري وابن عيينة وعبد الرحمن بن مهدي والدارمي والبخاري والحُميدي وبن رَاهوية، وقد أسهمت أحداث محنة خَلْق القرآن إلى حد كبير في صِياغة هذا التكوين، وأحمد بلا شك هو رأس هذا الاتجاه؛ ممَّا أدَّى بعد ذلك لمزج السلفية بالحنبلية، وإن كانت السلفية في الحنابلة نمطًا غالبًا، وهذا لا ينفي تسلُّف غيرهم، أو تنكُّب بعضهم لهذا النمط.


وقد طرَح المؤلف بعض المسائل التي أسهمت في إشكاليات البحث العلمي المتعلِّقة بهذه المرحلة، وهي:


- ما مدى دقة تمثيل هذا الجيل للصحابة والقرون المفضَّلة؟ وما موقف السلفية المعاصرة من دقَّة هذا التمثيل؟ بالطبع هي تراه تمثيلًا مطابقًا، والكاتب ينازع في هذا بتعداد الأمثلة، ولا يغيب عنه أنَّ هذا الجيل أخَذَ الإطار والطريقة في التعامل مع نصوص الصِّفات، والتعامل مع المخالف، ولا يلزم أن ينص على ذلك بنصوص كثيرة عن كثير من الصحابة، وإلَّا لَمَا كان لهذا الجيل فضلُ بدء تأسيس معمار العقائد السلفية، ولكانوا مجردَ رجال في سلسلة سند ما ورد عن الصحابة مع تعليق على النصوص!

ضرب الكاتب مثلًا بمسألة اللفظ، وهي متفرِّعة عن مسألة الكلام التي هي أصلٌ ومتَّفق عليه عندهم، ومع ذلك فلا تقوم مِثل هذه المسائل المتفرِّعة عن أصول ثابتة وموافقة لِمَا عليه الصحابة وتعاملهم مع مخالفها أن تُشكِّل على مدى دقَّة تمثُّل الجيل الرابع لطريق الصحابة، وهذا رأيي، وللكاتب رأيه.


- السلفية بين الجيل الرابع وابن تيمية:


وما بين الجيل الرابع وابن تيمية لم يتمحَّض للحنابلة، وإن كانوا هم أكثرَ المذاهب التي بقيت فيهم السلفية بعد غلبة الأشعرية على المذهبين الشافعي والمالكي، وتوزع الأحناف بين المعتزلة والماتريدية، لكن هذه الغلبة لم تكتمل إلا مع أوائل القرن الخامس الهجري، وهي الحِقبة التي بدأ فيها أوَّلُ أفول حقيقي للسلفية بعد ازدهارها السابق، مع أن العين لا تخطئ أعلامًا يدينون بالمعمار السلفي الذي خلَّفه أحمد بن حَنْبَل وأقرانه، كما نراه في ابن عبد البر المالكي، واللالكائي الشافعي، وهذه الفترة التي شهدت بزوغ مذهب الأشعري اتَّسمت فيها السلفية بسمات أربع:


1- النصوصيَّة الخبريَّة المحضة واضمحلال النظر العقلي.
2- الغلو في الإثبات.
3- الشدة على المخالفين والوقوع في الفتن.
وفيه العديد من النقولات والحوادث بين الحنابلة وخصومهم.
4- ظهور طبقات من علماء الحنابلة يخلطون السلفية المتلقَّاة عن أحمد وأهل الحديث بغيرها ولو بدرجة متفاوتة.


وذلك عن طريق تسرُّب المكوِّن الأشعري إلى البنية الحنبلية الصُّلبة التي أرساها تلامذة أحمد، وذكر منهم: أبا الفضل التميمي، وأبا يعلى الفراء، وأبا الوفاء علي بن عقيل، وأبا الفرج بن الجوزي.


وختم هذه السمة بتأريخ نشأة الأشعرية وتنظيمها الكلامي، وكذلك الماتريدية وسرد لرجالها وديارها، وخاتمة منقولة عن ابن الحنبلي يرثي فيها الحنبلية/السلفية، ويشكي غربة الدين نثرًا لا شعرًا.


- ابن تيمية وأصحابه:

وهو الباب الرابع، وافتتاحيته نقلٌ عن ابن تيمية يحكي تحوله لمذهب السلف الخالص، وكيف كان هو الباني الحقيقي لمعمار السلفية، ويختم الباب بالحرب الفكرية التي شنَّها أعداء الشيخ على تراثه من بعده، وبمقولة ابن المري لتلامذة بن تيمية، التي تنبأ فيها بمجيء رجال ينتصرون لكتُب الشيخ ومنهجه هم إلى الآن في أصلاب آبائهم؛ يقول ذلك مُقسِمًا عليه، فبرَّ الله قسمه؛ لينتقل المؤلف منطقيًّا لـ:


- الشيخ محمد بن عبد الوهاب والدعوة النجدية:

وعند هذا الباب إذا كان نابليون يقول: "إذا ذكرت الثقافة تحسَّست مسدسي" فأنا عند هذا الفصل تحسَّست صدريتي الواقية من الرصاص، فالمسألة مسألة (ما بعد)، ومع ذلك خلعتها وانغمست حاسرًا؛ فماذا عثرت عليه في هذا الفصل؟


بدأه بنقلين لمحمد جلال كشك وبرهان غليون يُقدران فيهما النقلة التاريخية مع هذه الدعوة، يلي ذلك إيراد الكاتب ثلاثة أسباب لعدم انتساب بعض الفصائل السلفية لهذه الدعوة: الأول: خلاف شرعي، والثاني: خوف سياسي، والثالث: أن الرجل دعا إلى الإسلام ودعوته هي دعوة الإسلام؛ فلا داعي للتمييز بالانتساب لها، ثم يأتي سؤال الأسئلة، وهو:


ما مدى صدق تمثيل الدعوة الوهابية للسلفية المنهجَ الذي كان عليه إجماع صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟


فيقول: والإشكال الأساسي عند الإجابة أن محور هذه الدعوة تكفيرُ وقتالُ مَن توجه للقبور داعيًا مستغيثًا بأصحابها، والصحابة لم يقع منهم ذلك؛ لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مات بعدما قضى على مظاهر الشرك وغيره من شعائر الأولياء والأصنام، ولم تبدأ هذه المظاهر في العودة كظاهرة يرتكبها مسلمون ويزعمون شرعيتها إلَّا بعد أربعة قرون كاملة أو تزيد.


وأقول: أنا إن هذا هو المطلوب عند الوهابيين؛ إذ سيردُّون بقولهم: ونحن نفعل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من تكفير وقتال مَن توجَّه بالدعاء والذبح لقبر ولي، مثل: اللات، أو حجر أو غيره، والصحابة هم جنودُ النبي صلى الله عليه وسلم في حمْل هذا اللواء.

وأنا أعلم أن الكاتب يقصد مسلمين يقع منهم هذه الشركيات عند القبور، وأن هذا ما مرّ على الصحابة، ومع ذلك فقراءة القواعد الأربع للإمام محمد بن عبد الوهاب كافية في الإجابة عن هذا السؤال، وخلاصتها: أنَّ كفار قريش مقرُّون بتوحيد الربوبية ولم يُدخلهم ذلك في الإسلام، وهذه حال المسلمين الذين تقع منهم شركيات، وأنهم يقولون: ما دعوناهم إلا للقُربة والشفاعة، وهذه حال المشركين المعاصرين، وأنَّ معبوداتهم متنوعة؛ أحجار وأولياء، وجن وأنبياء، وكذلك المعاصرون، بل إنَّ كفار الجاهلية يشركون في الرخاء ويوحِّدون في الشدة، وأهل الزمان يشتدُّ شركهم في الشدة، وأورد الشيخ الأدلة على كل ذلك.


وعليه.. ففعل الوهابية هو عين فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان أبو بكر كفَّر بعض مانعي الزكاة وأهل الردَّة، وقاتل الجميع؛ فكيف لو منعوا التوحيد؟! وكذلك فعل الشيخ؛ فهو يقاتل أحيانًا بتكفير وأحيانًا أخرى بغير تكفير بحسَب الحال، وليس هذا موضعَ النقاش؛ فالكاتب لا يَخفى عليه القتل والمقاتلة وعدم ملازمة التكفير للقتال، وموضوعات لو امتنع أهل بلد عن إقامة شعيرة، والفرق بين التأويل في منع الزكاة وادِّعاء عدم المخاطبة بها، مما لا نريد الإطالة فيها.

ولا يَخفى هذا كله على الكاتب، ولا أظنه يخالف فيه، خصوصًا وهو صاحب التغريدات الشهيرة في الردِّ على مَن شبَّه أفعال داعش بطريقة محمد بن عبد الوهاب، وفي تغريداته أمثلة لفعل الصحابة، التي ردَّ هو فعل الوهابية في القتال والتكفير لها؛ فكيف يقول هنا: إن فعل الوهابية لم يمرَّ على الصحابة ولم يفعلوه؟!


ولو أن الكاتب ناقش مسألة قتال البعض وتكفير البعض، فهذا حقٌّ مشاع بدليل الوحي، وأحداث التاريخ، وفقه واقع الدعوة النجدية، ومع ذلك فلا أدري لماذا هذا السؤال، وكيف تم الربط بين عدم فِعل الصحابة لهذا وفِعل ابن عبد الوهاب له؟!

وفي هذا التساؤل تمويه على الغِرِّ، وذريعةٌ للمتربِّص بلا دليل، والكاتب -كما قدَّمت- بريء من تقصُّد هذا الأمر، وهل ينتظر من المشركين المعاصرين أن يقولوا: نحن مثل أبو جهل؟! ففعلهم وحالهم حال {أَجَعَلَ الآلهةَ إلهًا واحدًا} [ص من الآية:5].


ثم أيضًا عندما يقول: إن مستند الوهابية في التكفير والمقاتلة نصوصُ الوحي التي تُحرِّم التوجه لغير الله بالدعاء والاستغاثة، وأيضًا نصوص ابن تيمية في التشنيع على الممارسات الوثنية، ألا يكفي هذا المستند؟! أم لا بد أن يفعل ذلك الصحابةُ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وقد فعلوه في حياته، وبعد موته كفَّروا وقاتلوا المرتدِّين ومانعي الزكاة؛ فهذا فعل الصحابة؟!


ثم أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم علَّم الصحابة بعلوم، وأمرهم بأوامر عليهم القيام بها إن وقعت، ومنها: طريقة التعامل مع الدجال وخوارقه، والموقف من الفتن وأحداث آخِر الزمان، وغيرها الكثير من الأشياء التي لم تقع في حياة الصحابة، ولو وقعت لعملوا فيها بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.


ثم أيضًا المدونات الوهابية الكبرى منها والصغرى فيها من إيراد الأدلَّة عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجوب قتال وتكفير مَن يُشرك، ومنها: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله»، فهؤلاء قالوها ونقضوها فلم تنفعْهم، فقاتلهم ابن عبد الوهاب، وهذا فعلُ الصحابة؛ فليت شعري هل يقول مسلم بأنَّ «أُمِرتُ» خاصة برسول الله؟!


ولكن الكاتب لا يتناول هذا البحث بنَفَس الباحث الشرعي بل بنَفَس المؤرخ للأفكار؛ وعليه فهو بعدَ ذلك أورد بعض الاعتراضات الشرعية الموجَّهة للدعوة النجدية ولم يحلِّل هذه الاعتراضات من حيث الصحةُ والخطأ، بل من حيث مدى تحقُّق الطابع السلفي على ممارسات الوهابية، وهل للحكم بالتكفير على الأفعال التي كفَّر بها الوهابيون خصومَهم بنَفْس الصورة نظيرٌ في التحققات التاريخية السابقة عليهم؟


والجواب -بحسب الكاتب-: نعم؛ فهذه الممارسات لا يمكن أن يقطع بنفيها عن السلف -بحسَب الكاتب- وأيضًا ابن تيمية سبق لهذا، ولا يمكن أيضًا -بحسب الكاتب- إخراج الوهابية عن كونهم تحققًا للسلفية إلَّا إن تم إخراج ابن تيمية قبلهم، ولكن الكاتب لم يجب عن سؤال:


هل يمكن القطع بإثباته للسلف؟ وبالتالي يكون معتقدًا سلفيًّا ويخرج المخالفُ فيه من السلفية؟


وتعذَّر عن الإجابة لأنَّ هذه مهمة الفقيه والكلامي لا مؤرخ الأفكار، وهذا تناقض؛ فقَبْلَ السؤال بأيِّ قلم كان الكاتب يكتب عندما ذكر أن أفعال الوهابية هي أفعال السلفية؟ وطبيعي أن مَن خالف السلفية في هذه المسائل لا يُعدُّ متبعًا للسلف عندهم، خصوصًا أن الكاتب أورد أمثلة على تكفير السلف لِمَن ألقى المصحف في الحشِّ، أو من قال بخلق القرآن، ومَن سبَّ دِين المسلمين.


وعلى كل حال فهذا الباب يحتاج لمراجعة أخرى من الكاتب، وهو أهل لذلك؛ فعدته المعرفية وأدواته المنهجية موازية لمثل هذه المراجعة، ولا يكفي أن يؤكد على أنه مؤرِّخ أفكار؛ إذ؟ لو خلص الباب لذلك فلا بأس، ولكان الباحث الشرعي حاضرًا بقوةٍ ومتماهيًا مع مؤرخ الأفكار لدرجة أنَّ من أراد الفصل بينهما سيُصاب بالدوار.

(وبيني وبين صديقي) كما نقول: فالتدثر بملحاف مؤرخ الأفكار حيلةٌ فكرية جيدة لعدم التورط في بُنيات الطريق وخلْق مشكلات وقتُها غير مناسب، خصوصًا بعد التغيرات الجديدة في المشهد السعودي! ومن الواضح أنَّ الكتاب كتب وهو يتظلل بمزاج ما قبل هذه التغيرات، وهذا سبب ثانٍ لمطالباتنا بمراجعته؛ كي يكتملَ ويخلص لتأريخ الأفكار فقط، وليس المقصود أن يُسمع الكاتب الوهابيين ما يريدون سماعه، ولكن ليخلص البحث لمؤرِّخ الأفكار ويرسي الكاتب على برٍّ: هل الوهابية امتداد للسلفية التي هي فَهم الصحابة، أم أنها مخالفة لهذا الفهم؟

مع أنَّ هذه الحيلة ليست مقصودة من الكاتب، ولكن في اللاوعي تكمُن أعتى الصراعات النفسية والفكرية، وحتى المنهجية التي لا ينجو منها من خطَّ سوداءَ على بيضاء، والكاتب صديقنا، ولكن ثمرة الباب مطلوبة أيضًا، خصوصًا وهو بابُ الكتاب؛ حيث إن آخر تمظهرات السلفية هي الوهابية كمركز ومظلة كبرى لسائر السلفيات؛ لأسباب تاريخية ودينية وسياسية لا تخفى على مهتمٍّ أو غير مهتم.


يختم الكاتب الباب بالتصريح بأن الوهابية وقع لديها خلطٌ بين مسألة قتال فاعِل المحرَّمات أو تارك الواجبات الظاهرة المتواترة، وبين قتال مَن وقع في مثل هذا وأكبر منه؛ ولكن تشرعًا يظن أنه دين محمد الذي بُعث به، وهذا من أسباب الخلل عند الوهابية؛ فما كان من الجنس الثاني لا يصحُّ أن يُجعل كمن ترك الصلاة والزكاة؛ فلا يقال مثلًا: قد ترك التوحيد، أو ترك دِينَ الرسول؛ لأن الإشكال كله في قيام الشُّبهة التي تجعل التارك لا يُحقِّق أن هذا هو دين الرسول، بل يظن أنَّ ما هو فيه هو عين دين الرسول.

وهذا الطرح من الكاتب لا أدري هل هو بقلم المؤرِّخ أم الفقيه؟ والحقيقة أن منهج الكاتب في ختام الفصل وقبله عند العذر بالجهل حصَل فيه اضطراب بيِّنٌ؛ فعند العذر بالجهل قال: لا نريد التورط في تحقيق موقف علماء الدعوة الوهابية منه، ومع ذلك بنى على موقفهم تقريراتٍ قارن بها موقفَ ابن تيمية في مسألة إقامة الحجة، وذكر أن تعامل ابن تيمية هو الصحيح، والخلط والخطأ من نصيب الوهابية، فها هو تورَّط في النتيجة وإنْ أعرض عن المقدمة التعريفية بموقفهم من هذه المسألة! ثم هو هنا يرى أن الطواف والذبح والدعاء عند قبر زيد بن الخطاب أخفُّ مِن فعل المحرمات أو ترك الواجبات؛ لأنَّ مَن دعا صاحب القبر لديه شبهةٌ؛ فهو يظن أن هذا هو دين الرسول، وفقهاء محلَّته هم الذين شرعوا ذلك له، وبيان أئمة الدعوة لا يكفي -بحسَب الكاتب- في إقامة الحجة؛ فلماذا كفَّروه وقاتلوه؟!

وهذا الكلام لا يحتاج إلى ردٍّ؛ لأسباب أن الكاتب ألقى أحكامًا قيمية ليست من شأن المؤرخ، ثم هو يلبس ملحاف المؤرخ كما سميناه أحيانًا، وجُبَّة الفقيه أحيانًا أخرى مع تبرئه منها، ثم أيضًا ممَّا أقر به القاصي والداني أنَّ الوهابيين هم حذاق توحيد الألوهية وتفاصيله، ومسائل الجاهلية وضوابط التكفير، وما يتصل بدرس العقيدة عمومًا، ثم هم يتوارثون خلطًا في محور دعوتهم كما سمَّاه الكاتب، ثم هذا الخلط يتبيَّن للكاتب؟!


الوهابيون مخلطون في أصل دعوتهم، والذي يكشف هذا الخلطَ ويُزيل هذا اللبس نحن بعدَ ثلاثمئة سنة؟!


ثم أيضًا يقول: لا أريد التورط في بيان موقف أئمة الدعوة، وهو يرد على نتائج موقفهم، ثم أيضًا يذكر في بداية الباب أنَّهم امتداد لابن تيمية في هذه الممارسات، وفي آخر الباب يقطع أوصالهم من أوصاله، ثم أيضًا لم يُصح المخالفون لدعوة الشيخ إلَّا عند القتال والتكفير، والكاتب يرفع هذا اللواء مجدَّدًا، والرد عليه بحاجة لرسالة مستقلَّة.


ثم أيضًا هو يذكر أن الجماعات المتشدِّدة التي تَقتُل الناس ما هي إلا امتداد لتأثير الدعوة الوهابية، وإنْ لم تكن الدعوة غاليةً، ولكن الإرهابيون امتداد لها بعدما قدَّمنا من تغريدات الكاتب التي ردَّ فيها على مَن قال بتأثر الجماعات المتشددة بدعوة الشيخ؛ فماذا نأخذ وماذا ندع؟ وما الذي يجري؟!


وقد ختم بمقولة ابن تيمية: إن الأخطاء "تكون في أولها شبرًا ثم تكثُر في الأتباع حتى تصير أذراعًا وأميالًا وفراسخ" فمَن هم الأتباع هنا؟!
هل هم داعش؟!


فأخطاؤهم فراسخ!

ولو كان هذا الكتاب في معرض 1434هـ لاحتوى مادة دسمة لكتَّاب الصحف في حملتهم الشعواء ضدَّ السلفية والوهابية، ولكن الوهابية لديهم اليوم متمِّمة الوطنية وميسم متين للوحدة المجتمعيَّة على طريقتهم الحرباوية!


وهنا أورد تغريدات الكاتب في انتصاره للوهابية في قتالها وتكفيرها، وذكره أنَّها تعمل بعمل الصحابة والتابعين لهم وسلف الأمة وفقهائها، وأنها ليست ببدع منهم، ولا منبتَّةً عنهم، وأن أئمة الدعوة النجدية راسلوا وخاطبوا، وأقاموا الحجة على مَن وقع في الشركيات قبل تكفيرهم وقتالهم، بل والكاتب يتعجب في تغريداته من أن الفقهاء أباحوا ذلك في حقِّ مَن ترك بعض السُّنن كجِهةٍ يعني؛ فكيف بمن وقع في الكفر؟! وفي الكتاب يتعجب من الوهابية؛ كيف تجعل مَن بدَا لها تركُه للتوحيد كمن ترك الواجبات؟!

وها هي التغريدات مع حذف بعضها خشيةَ الإطالة، وفيما ذكر غُنية عنها لِمَن أراد أن يقيِّم، لا أقول رأي الكاتب؛ فهو حر فيه، بل لتقييم منهجه في تناول مسألة القتال والتكفير لدى الوهابية، وما حذف خلاصته أنَّ المغرد (يأخذ على الوهابية بعض الأخطاء في القتال والتكفير، ومع ذلك فهذا لا يقطع صلتَهم بفعل الصحابة والسلف، والخطأ وارد في مثل هذه الظاهرة، وقد وقع في التاريخ من نور الدين وصلاح الدين).

وباختصار فالكاتب في كتابه تبنَّى رأي مَن كان يردُّ عليه كمغرِّد تمامًا مِن مثل أنه يأخذ على خصمه بأنه جعَل الجماعات المتشدِّدة ما هي إلا امتداد لتأثير الوهابية، ثم هو في الكتاب يقول بذلك بكلِّ صراحة وها هي التغريدات:


"لم يزدني سجال داعش والوهابية والسلفية والعلاقة بينها إلَّا يقينًا فيما قررته من قبل: لا معنى للفصل بين الوهابية وبين التراث الفِقهي كله -وإن العلماني الذي يتخذ موقفًا عدائيًّا من التراث الفقهي كله ويخترع إسلامًا متسامحًا لطيفًا هو أكثرُ اتساقًا علميًّا من نقَّاد السلفية والوهابية- في التكفير: معظم النواقض التي جعلها الوهابية نواقض للإسلام هم مسبوقون بجعلها نواقضَ، بل في بعض مذاهب الفقهاء المعتبرة توسُّعٌ في التكفير أكثر..

 

-في القتال: باتفاق الفقهاء ليس القتال متوقِّفًا على الكفر، ويجوز بإجماعهم قتالُ المسلمين لأسباب كثيرة؛ منها: إظهار البدع، وترك الطاعات المتواترة- بل أجاز عددٌ من الفقهاء القتال على ترك مستحبَّات كالوتر.. وكل هذا قتال أجازه الفقهاء لقوم مسلمين ليسوا كفَّارًا، ويُصلُّون ولهم مساجد -قاتل أبو بكر مانعي الزكاة وقتالُهم عند معظم الفقهاء قتالٌ لقوم مسلمين، وباتفاق الفقهاء هو قتال دِيني لأجْل ترك شعيرة دينية- وقاتل عليٌّ الزبير وطلحة وعائشة ومعاوية وكلُّ هؤلاء ليسوا مسلمين فقط، بل سادات الصحابة، وهو قتال جائزٌ عند جماهير المسلمين -وقاتل عليٌّ الخوارج وهم عنده وعند الصحابة جميعًا قومٌ مسلمون، بل النص على قتالهم موجودٌ في كلام النبي بأصرح عبارة-..

 

والذين قاتلهم الوهابيةُ كانوا مرتكبين لشركيَّات ينصُّ علماءُ قبل الوهابية بمئات السنين على أنها شركيَّات، والخوارج كل بدعهم ليستْ شركيات -فمن رأى تجويزَ الشرع لقتال الخوارج ثم تحمرُّ أنفُه لقتال قوم يرتكبون الشرك هذا جاهلٌ بأصول الشرع ليس باحثًا علميًّا -فإن كنت ترى أولئك الذين قاتلهم الوهابية ليسوا مرتكبين لشركيات أصلًا- قلنا: هي على الأقل محرمات ظاهرة متواترة، وقتال مرتكبها جائز بالاتفاق -فإن كنت تراها حتى ليست محرمات، بل الاستغاثة بغير الله ونحوها جائزة- فمشكلتُك ليست مع الوهابية، بل مع الدِّين الذي أُوحي على محمَّد نفسه -وإن كنت ترى أولئك الذين قاتلهم الوهابية بريئين أصلًا من الوقوع في هذا كله- وجب عليك أن تثبت هذا، والواقع أنه لا يوجد بيِّنات علمية على نفيك -والمراسلات والكتب التي خلَّفتها هذه الفترة وواقع العالم الإسلامي كله يدلُّ على انتشار هذه الشركيات والبدع والمحرَّمات-..

 

وبالتالي فعبارات التكفير والقتال التي ينسبها كتَّاب المقالات المؤدلِجون للوهابية ويستصرخون بها هذه هي داعش -هي مجرد تزوير للواقع وخداع للناس- فإنَّ نفْس التكفير والقتال هو من دين الإسلام وشريعة من شرائعه ونفْس موجبات التكفير والقتال التي يرتكز عليها الوهابية نصَّ عليها الفقهاء قبلهم - فإنَّ قتال الكفار والمرتدين والمسلمين المبتدعين أو مرتكبي المحرمات الظاهرة الممتنعين عن التزام تحريمها، هو من أصول دِين محمد، وإنكاره ضلال -وواقع الدعوة الوهابية فيه من الدعوة والمراسلات والمناصحات الشيءُ الكثير، والانتقال لخيار القتال لا يجب إنكارُه كأنما تُنكر شيئًا لا يقره الدين-..

 

والحق أن المنطق الكامن خلف انتقاد الوهابية في التكفير والقتال ليس هو المنطقَ الذي يَفهم مكانة التكفير والقتال في الشرع، وإنما هو منطق مُعَلْمَن -منطق مُعَلْمَن لا يتصور القتال على أُسس دينية، ولا يُجيز القتال إلا على أسس سياسيَّة معلمنة؛ فقتال حاكم ظالم جائز عندهم وقتال متلبِّس بالكفر وحشية- داعش؟ داعش تكفِّر المسلمين بما لم يقل واحدٌ من أهل العلم سلفيين أو غيرهم: إنه ناقض من نواقض الإسلام، بل كالخوارج يُكفِّرون بما هو طاعة ودِين -داعش؟ داعش تضع السيف في رقاب المجاهدين، وفي رقاب المسلمين بالشُّبهة والتوهُّم، ويقتلون الناس بمجرد الخلاف معهم فيما يسوغ الخلاف فيه إجماعًا-..

 

والواقع: أن قضية داعش والسلفية والوهابية مجرد مراوغة رعناء، فالواقع أنَّ كل الفصائل الجهاديَّة في سورية تُكفِّر وتقاتل ولا يمكنك أن تخصَّ داعش -والمنكر هو الانحراف الذي لا تُجيزه وهابية ولا سلفية ولا غيرها، وإذا كنت تنكر على الوهابية التكفيرَ والقتال فلْتُنكر على كل طوائف الجهاد في سورية- وإن كنت تنكر تكفيرًا وقتالًا منحرفَينِ فأثبت لي أن تكفير وقتال الوهابية كان منحرفًا هذا الانحراف الذي لا أصل له معتبر في الدين -وقد حملني على هذه الكتابة كثرةُ الخلط الذي رأيته في الأيام الماضية، وهو خلط يعود على قواعد الدِّين بالإبطال لصالح مفاهيمَ مُعَلْمَنة- وقد كنت أرجو أن أبسطَ القول في هذا بسطًا يمنع سوء الفَهم لبعضه، لكني واللهِ أكتب مُكرهًا؛ فإني لا أحب الكلام في هذه الأبواب الدقيقة).

وللكاتب أن يقول: هذا غردت به كباحثٍ شرعي، وأنا في كتابي مؤرخ للأفكار. ونقول: لو خلص الكتاب للتأريخ لَمَا قارنَّاه بالتغريدات.
 

وللكاتب أن يقول: النقاش في الكتاب لا في شيءٍ خارج عنه. ونقول أيضًا: لو أنَّ الانتقال من الفقهي للتأريخي في الكتاب كان معلَّلًا ومعترفًا به وحياديًّا، لَمَا نقلنا شيئًا من الخارج، ولكن بما أن هناك ارتجاجًا في منهج هذا الباب على الأقل؛ فلا لومَ علينا بشيءٍ من ذلك بنقْل شيء من خارج الكتاب.

ولو ناقشتُ كلَّ تغريدة بما يوازيها في الكتاب لطال المقام، ولكن هذا يترك للقارئ الذي يلاحظ معي في التغريدة قبل الأخيرة أنَّ المغرد يتهم خصوم الوهابية بالخلْط في القتال والتكفير، ونفس الكلمة وجَّهها تُهمةً للوهابية عندما كتب عنهم في مسألة القتال والتكفير؛ فنحن لا نطالب الكاتب بأن يُسمع الوهابيةَ ما تحب أن تَسمع، بل أن يُعطينا آخِر كلام، ولا يُبلبل المتابِعَ له في هذه المسألة، ولا نحجر عليه أن يكون مؤرخًا للأفكار، وأن يفحص مدى صلة ممارسات الوهابية في القتال والتكفير بلا تدخُّل قيمي، ولكن نقول: أخلص لأحد الحِرفتين أقلَّ شيء في هذا الكتاب، أو هذا الفصل الذي أكَّدت فيه أنك مؤرخ فقط، ومع ذلك فالمؤرخ يتقاطع مع الفقيه؛ فله حق التعليق، وللفقيه حق التأريخ؛ فله حق التحقيب، ولكن الذي لا يحق لِمَن تلبَّس الأمرين وزاول المهنتين أمران:


الأول: ترك تعليل تبديل الملابس والأغطية ما بين مؤرِّخ وفقيه.
الثاني: أن لا ينقض قولُه كفقيهٍ قولَه كمؤرِّخ بلا إيراد حُجَّة ولو واهية.

ومع ذلك فالكاتب لا يخرج من الإسلامية للعلمانية، بل ولا من السلفية للإسلامية؛ لكونه فحص هذه القطعة من التاريخ، وناقش هذه الورقة من الفقه، ودرس هذه المسألة من التوحيد، فأئمَّة الدعوة ما رَمَوْا مَن ناقشهم من فقهاء عصرهم بالزندقة، بل سمَّوْهم (مخالفين)، وفي درجة أكبر (خصومًا)، بينما الكاتب في التغريدات يصف من اتَّهم الوهابية في القتال والتكفير بالعَلمنة! والحقُّ أحقُّ أن يُتبع، والعدل مع الناس واجب، إلا إنْ كان من يرد عليه علمانيًّا أصلًا قبل النقاش.


وبعد هذا كله، لا أدري هل الكاتب موافق للوهابية أم مخالف أم خصم؟ أم مؤرخ أم فَقِيه؟ أم ماذا..؟!

- السلفية بين حِقبتين:


وهذا الباب خاتمة الفصل، وهو عن الوهابية في الدولة السعودية الثانية، عدَّد فيها مَن تأثر بالدعوة من العلماء تأثرًا بالغًا، ومن تأثر تأثرًا طفيفًا، ومجموع الباب يقول فيه الكاتب: إن البعض يبالغ في تأثير الدعوة الوهابية. وأقول: نعم، هناك من يبالغ، ولكن كمؤرخ للأفكار لم يذكر الكاتب أثرَ هذه الدعوة في العالم الإسلامي لدرجة البخس، وإنما اكتفى بالإشارة، وشنَّ الغارة على من توسَّع في الحديث عن أثر هذه الدعوة، لدرجة أنه يورد كلامَ العقاد وطه حسين المعجَب بالدعوة النجدية ثم يُعقِّب بـ: "ولا يمكن بحال أن نعدَّ المسار الفكري والإصلاحي للعقاد وطه حسين متأثرًا بالوهابيَّة"...!

أقول:


وفي هذا قفزٌ على الوقائع؛ فمن يقول بهذا القول؟!


يعني: ومن يقول بأنَّ مَن مدح الدعوة أو وصَف أثرها على العالم الإسلامي: إنَّه بالضرورة متأثر بها؟!


وليس الكلام عن أدباء ومفكِّرين كتبوا هنا وهناك عن هذه الظاهرة، وإنما مجتمعات إسلامية تأثر قادتها الدينيُّون بهذه الدعوة، واصطبغت بها رسائلهم ومؤلفاتهم وخُطبهم وخِطابهم الموجه للعوام في الهند وما حولها، والعراق والشام، والشمال الإفريقي، وقد لاقى بعضهم ما لاقى في سبيل ذلك، وقد عدَّد الكاتب -كما أسلفنا- أسماء لعلماء تأثروا بهذه الدعوة، ومنهم على سبيل المثال: السنوسي، ولكن لماذا لم يذكر أثر السنوسي على قومه، وكيف أثرت الدعوة في خطابه الموجَّه لأهل المغرب، وما انعكاسات هذا لسنوات ما بعد السنوسي؟!


وعلى طاري طه حسين؛ فقد قال: "ولولا أنَّ التُّرك والمصريِّين اجتمعوا على حرب هذا المذهب وحاربوه في داره بقوة وأسلحة لا عهدَ لأهل البادية بها، لكان من المرجو أن يوحِّد هذا كلمةَ العرب في القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري، كما وحَّد ظهورُ الإسلام كلمتَهم في القرن الأول"!.

وأمَّا العقاد فقال: "ولم تذهب صيحةُ ابن عبد الوهاب عبثًا في الجزيرة العربية، ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقه إلى مغربه؛ فقد تبِعه كثيرٌ من الحُجَّاج وزوَّار الحجاز، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان، وغيرها من المناطق النائية".

وهذا مِن واقع أثر هذه الدعوة، وقد جلَّاه الأديبان غايةَ الجلاء، وقصر الكاتب -وهو مؤرخ أفكار- عن بيانه مع أنه نقل كلامهما، ولكن في معرض الردِّ على من قال بتأثير الدعوة على العالم الإسلامي، وذلك بطرح السؤال الذي أسلفنا، وهو: فهل نعد طه والعقاد وهابيين؛ لأنَّهما قالَا ما قالا؟ وأعيد: ليس النقاش فيهما، بل لماذا تفرَّغ الكاتب للردِّ على من بالغ في أثر الدعوة ولم يُبيِّن هو حجم التأثير الحقيقي، مع عِلمنا أن هذا الفصل عن الدعوة ما قبل الدولة الثالثة، التي لا يناقش موافق أم مخالف في أثرها على العالم أجمع، ومع ذلك- فكما سيأتي معنا في فصل الدولة الثالثة- فالكاتب جعل مصر قسيمةَ السعودية في نشْر السلفية؟!


وباختصارٍ: من السعودية الأفكار، ومن مصر الرجال "مِنا المال ومنهم العيال" على ما نقول في الكلام الشعبي، وأيضًا قدَّم في هذا الفصل بخمسة أسباب تجعله يرفض- وبشدَّة- أن تكون السلطة السياسية هي التي نشرت السلفيةَ في العالم؟


وكل ذلك سيأتي بيانه ونقاشه بإذن الله.

الفصل الثالث: السلفية المعاصرة عوامل وظروف النشأة والازدهار


وفيه وعَد الكاتب بتناول العوامل التي شكَّلت ازدهار وانتشار السلفية في عالمنا الحديث والمعاصر، محاولًا تتبع هذه العوامل بالقدْر الذي يعين على فَهم عوامل أُفولها، الذي تفترضه أطروحة هذا الكتاب، ثم ذكر الكاتب أن أيَّ تيار لا بد له إذا أراد الانتقال من المركز إلى الهامش من أربعة عوامل، وهي: الأفكار والقيم، والرجال، والمال، والسلطة، وعقَّب قائلًا والحقيقة: أنَّ السلفية منذ دخلت مراحل أفولها عقب تبني الدول التي حكمت العالم الإسلامي لعقائد شيعيَّة أو سُنية أشعريَّة لم تجد فرصةً لاجتماع هذه العوامل الأربعة إلى في حِقبتنا الحديثة هذه.

ولا أدرى هل الخطأ المطبعي هو زيادة (في)! فنسأل: وأين ذهب أخو نورة، وبراميل النفط، وطحاطيح نجد، وقيم الجزيرة أجمع، أم أنَّ الخطأ في إبدال (إلا) بـ(إلى).


وأرجِّح أن الخطأ المطبعي هو الثاني؛ بدليل أن الكاتب تحدَّث عن مركزية الدعوة السلفية في العصر الحاضر، ونبَّه أن القارئ سيلاحظ تركيزنا على السعودية ومصر، وذكر باقي البلاد وتحققات السلفية فيها بطريق التبع، وليس ذلك تمييزًا بحسب الكاتب بلا مبرِّر معرفي، بل هذا التمييز يرتكز على حقيقة واضحة، وهي أن التيار السلفي في هذين البلدين هو مركزُ التيار السلفي في العالم؛ فالأول -ويقصد السعودية-: محضن تكوُّن معظم الأفكار وتصديرها، والثاني -ويعني مصر-: صاحب أكبر كثافة سكَّانية في العالم العربي، بالإضافة للثقل الفِكري والثقافي التأثيري لمصر.

وأنا عندي سؤالان صغيران بما أن الكاتب يتحدث عن السلفية، وأن مركزها في هذا العصر السعودية ومصر؛ لأننا نقر بكثافة مصر السكانية، والسؤال الصغير الأول: ما نسبة السلفيين بعوامِّهم أيضًا في مصر؟


والجواب في الصفحة رقم: [227] من الكتاب، الذي يذكر الكاتب فيه: أن السلفية في مصر ليست في المركز، وإنما في الهامش لأسباب عدَّدها.
ولذلك هنا للكاتب أن يقول: لم أقصد أنَّ مصر تُصدِّر السلفية للخارج كما تقوم وقامت به السعودية، أو بنفس الدرجة على الأقل، ولكن التيار السلفي في مصر حاضر ومتفاعل ومركزي، كما ذكر قبل قليل، ولكن بالفعل وحتى الوجود السلفي في مصر ذكر الكاتب في صفحة: [227] أنه هامشي؟!

أقول: ونقر أيضًا بثِقل مصر الثقافي والفكري وتأثيرها في العالم، والسؤال: هل هذا التأثير داعمٌ لنشر السلفية في الأوساط الثقافية والفكرية في العالم العربي والغربي؟!


وهنا أسجِّل أن سلفية مصر جوهرة في جبين الأمة بجِدِّها وجهدها ودعوتها وتعليمها ورموزها، الذين هم شيوخنا وأحبتنا، ولكن لا أظنهم يوافقون على ما ذكر الكاتب هنا أنَّ السعودية ليست إلا معمل لإنتاج الأفكار السلفية وتصديرها فقط؟!

وكذلك لن يوافقوا على مقارنة مصر بالسعودية في نشْر السلفية، نعمْ لقد نشرت مصر الأشعرية من خلال الأزهر ومِنَحه، والطهطاويَّة والإخوانيَّة والناصريَّة، وكل شيء؛ فهي أم الدنيا، وشاغلة الناس، ولكن السلفية ونشْر مصر لها أمرٌ يحتاج إلى تدقيق، وإن قصد أن مصر فيها حاضنة سلفية قوية لمن في الخارج، فهو في الصفحة المذكورة يقول بهامشية السلفية في مصر الداخل؟!

الباب الأول من هذا الفصل عبارة عن موجَز لتطور السلفية المعاصرة، وعدَّد دولًا كالسودان وليبيا وتونس وغيرها.

الباب الثاني الدولة السعودية الثالثة منصَّة انطلاق السلفية المعاصرة، قال فيه الكاتب: إن هذه الدولة تعد أولَ دولة في الحِقبة الحديثة يتم دمج السلفية فيها لا كتيار ديني هامشي، أو حتى تيار مركزي له نفوذ مجتمعي، وإنما كتيار مركزي يمثل السلطة الدينيَّة الداعمة والمتحالفة مع السلطة السياسية، بحيث صارت السلفية الوهابية هنا هي دِينَ الدولة الرسمي، وقد اعتنى الملك عبد العزيز بالحفاظ على التحالف القديم بين الإمامين؛ ليواجه الاخوان في الداخل، مستندًا إلى علماء الشريعة، ويواجه الخصوم في الخارج. يقول أيضًا: إذن فقد صارت للسلفية دولة، وقد ساهم تأسيس هذه الدولة المساهمة الأهم والأعظم في ازدهار وانتشار السلفية في العالم الإسلامي، ويكمل الكاتب، لكن ما معنى هذه العبارة بالضبط؟

وأقول أنا، وعند هذا السؤال والاستثناء: المعنى يكمن في بطن الكاتب!


يطرح الكاتب سؤالًا:


هل يعني (تأسيس هذه الدولة) أن انتشار السلفية في العصر الحديث كانت وراءه السعودية كسلطةٍ سياسية؟


يجيب الكاتب بـ: "الحقيقة أننا لا نعني أبدًا بكلامنا هذه الفكرةَ على الرغم من شيوعها، وهذه الفكرة تنطوي على خطأٍ كبير يرجع لكونه تحليلًا شديدَ التبسيط والسذاجة"، وذكَر خمسة أسباب تنفي أنَّ انتشار السلفية في العصر الحديث كانت وراءه السعودية كسلطة سياسية، ليعود ويقول: انتشار السلفية في العصر الحديث يرجع لعواملَ سيكشف عنها هذا الفصل بمجموع أجزائه.

أقول: طبعًا الباب التالي (التلقي المصري للسلفية وأطال فيه وبعده الإخوان وحركة الضباط الأحرار)، نعود لقول الكاتب: إلَّا أنَّنا هنا -وفي هذا الجزء- مطالَبون بتفسير دعوانا أنَّ أهم هذه العوامل كان تأسيس الدولة السعودية الثالثة، ما دمنا نرفض تفسير هذا العامل بأنه دعم السلطة السياسية.

 

وهذا من الكاتب استشعارٌ للاضطراب والتناقض الذي قد يتسلَّل لذهن القارئ؛ فأراد قطْعَ الطريق عليه، ثم ذكر أنَّ العنصر الأهم الذي أنتجه تأسيس الدولة الثالثة وساهم مساهمةً كبرى في انتشار السلفية في العالم الإسلامي هو المجتمع والفضاء العام السلفي، الذي أدَّت هذه الدولة إلى وجوده حرًّا مستوليًا على عدد من مؤسسات الدولة، ومسيطرًا على معظم المنظَّمات والتجمعات والموارد الأهلية فيها، وقادرًا على تمييز الرموز واستقطابها عندما تتكوَّن خارجه، وحرًّا في استعمال المال والرجال لنشْر الأفكار.

إنَّ هذه الشبكة المتنوِّعة من المؤسسات والعلاقات التي وفَّرت لها الدولة السعودية الثالثة مناخَ الاشتغال والحركة متمثلًا في الرعاية والغطاء السياسي ثم الموارد الاقتصادية والإدارية، هي التي تحرَّكت من أجل نشْر أيديولوجيتها، حيث يمكنها أن تصل من أرجاء العالم الإسلامي، بل والتجمعات الإسلامية في الدول غير إسلامية.


هنا انفجرت ضاحكًا لتذكُّري مقولة شعبية: "وين إذنك يا حبشي"، ومقولة أخرى "صبه احقنه لبن"؛ لأن أخصر مِن هذا كله على رأي الكاتب طبعًا (أن السلطة السياسية نشرت السلفية بشكلٍ غير مباشر)، ويرتاح من هذا النفي الجازم بداية الباب وتعداد أسباب نفيه: أنَّ السلطة السياسية نشرت السلفية.

ويكفي الرد على مَن وصفهم بالسذاجة والبساطة عندما يقولون بنشر السلطة السياسية للسلفية، وكلنا نعلم أنَّ السلطة السياسية ليست بالسذاجة والبساطة حتى تفتحَ كلَّ هذا الفضاء، وتوفِّر كل هذا المناخ، وتدفع كل هذا المال، وتقف كل هذه المواقف السياسية، وتستقطب من تستقطب، ثم لا تدري ماذا يفعل هذا الفضاءُ، وما مخرجات هذا المناخ؟!


بل الأمر يتعدى: (لم أأمر بها ولم تسؤني)؛ فنشر السلفية ممارسة للسلطة السياسية بوعي تام عبر قنوات عدَّدها الكاتب؛ منها: الجامعة الإسلامية في المدينة، التي تُخرج منذ نشأتها دعاةً وطلبةَ علم مؤصَّلين، يعودون لديارهم في سائر أقطار الدنيا وهم يحملون الفكر السلفي وينشرونه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وكلهم من طلَّاب المنح التي تدفعها السلطة السياسية، ومنها: ابن باز، الذي سمّاه الكاتب مرحلة لا مجرَّد رمز، ورعايته لكثير من الدعاة السلفيين في نشْر السلفية في العالم، وابن باز ليس فضاءً ولا مناخًا، بل جليس السلطة السياسية، وغيرها من القنوات الشيء الكثير.

الباب الثالث: التلقِّي المصري للسلفية قبل الصحوة، وتحدث فيه الكاتب عن علاقة صاحب المنار رشيد رضا بالدعوة والوهابية وبالملك عبد العزيز، وكيف جابه رشيد رضا الأزهر وعلماءَه؛ دِفاعًا عن أئمة الدعوة النجدية، ويعرِّج على جمعية أنصار السنة المحمدية التي أنشأها محمد حامد فقي المتأثِّر برشيد رضا، وهو -أي: فقي- قد تبنى أفكار ابن تيمية وابن القيم وابن عبد الوهاب، وهذه الجمعية بمثابة الرابطة للسلفيين، وذكر الكاتب الترابط الشديد بين الجمعية والسعودية والسفير السعودي، وطباعة الكتب السعودية في مصر، وتعيين عبد الظاهر أبو السمح إمامًا للحرم، وعبد الرزاق عفيفي عضوًا في اللجنة الدائمة للإفتاء؛ فهي القنطرة الثانية التي دخلت من خلالها الوهابية لمصر بعد رشيد رضا والمنار، بعد ذلك الشامي الذي استوطن مصر، وهو محب الدين الخطيب وعلاقته بابن باز، وبعده الأخوين شاكر.

الباب الرابع: عن الإخوان وحركة الضباط الأحرار: سقوط الحواجز.


وهو وصف لتلك المرحلة التاريخيَّة، التي دخل فيها الإخوان بحسب الكاتب في شهر عسَل مع ضبَّاط الجيش المصري، ومن ثم عودة الصِّدام لدرجة القضاء على جيل المؤسِّسين، وما عقب ذلك من هزيمة الجيش وبزوغ المدوَّنات السلفية ككتُب تطبع في الشام، أو تنقل من السعودية، وهذا من آثار ضعف التدوين المعرفي والفكري لدى الإخوان.

يليه الباب الخامس، وهو عن جيل الصحوة: طريق السلفية للازدهار.


وفيه سرد لعوامل وأحداث ومجريات وما له صلة بالصحوة وأثرها في ازدهار السلفية، وأورد المقال عن ما بين السلفية والإخوان في مسألة التمذهب من اتِّصال وانفصال، وعدَّد الخِدمات السلفية للصحوة، والجاذبية السلفية لدرجة أنَّ الثوب السعودي ظهَر في شوارع مصر والشام والعراق.

وفي الباب الذي أفرده لازدهار السلفية على أنقاض الأشعرية، التي تتباكى وتشتكي الغربة، والإخوان المسلمين، الذين حصل لهم ما حصَل، ومع انفجار السلفيين مع الربيع العربي وتنظيم صفوفهم إلَّا أنه -وبحسب الكاتب- ما هذه إلا الصحوة التي تسبق الأفول لتوالي الضربات والانشقاقات والتحولات على السلفية.

الفصلان الرابع والخامس: تناول فيهما الكاتب موضوع الاشتغال المعرفي للسلفية، سواءً كان ذلك الاشتغال حديثيًّا أم أصوليًّا أم فقهيًّا، وغيره، وأثر ذلك في المسيرة والإطار والعمل، وكذلك موضوع الإصلاح سياسيًّا أم ثقافيًّا، وعلاقة السلفيِّين بالمجتمع.

الفصل السادس: السلفية المعاصرة عوامل الأفول.


يبدؤه الكاتب بأنَّ الأفكار لا تموت حقَّةً كانت أم باطلة أم مخلوطة من الأمرين؛ فالحق يحفظه الله، والباطل يوسوس به الشيطان عبْرَ الأزمان!
 

يقول الكاتب: وما نتكلم عنه هنا -إذنْ- ليس نوعًا من الموت والفناء ستتعرض له السلفية المعاصرة، وإنما هو ضرب من الأفول: التشظي المرجعي والنسقي، وضيق الانتشار، وقلة الأنصار، وفقدان الرموز هي أهمُّ معالمه.


وأقول: إن لفظة الأفول على هذا الأساس مبالَغٌ فيها، ولو قال: التراجع أو الانحسار أو الانتقال من المركز للهامش، كحال أيِّ ظاهرة أخرى، وكحال السياق التاريخي للسلفية؛ فهي هكذا.


بعد ذلك يشرح الكاتب كيف أنَّ السلفيين يظنون بما أن الدين محفوظ فالسلفية محفوظة، وبما أن الفرقة الناجية المنصورة باقية فالسلفية باقية، ويَغفُلون عن أيِّ عامل ديني أو اجتماعي أو سياسي لانتشار الأفكار والمذاهب والدول وانزوائها، بينما الدين العام أشملُ من السلفية -بحسب الكاتب- ويسرد الكاتب بعد ذلك عوامل وأسباب الأفول في أبواب:


داء التفرق.
فقدان الأجوبة لصلاحيتها أو جاذبيتها.
الفقر الرمزي.
قنوات الدعم وعوائق التدفق.
تحولات السلطة.

الفصل السابع: ما بعد السلفية، وقدَّم له الكاتب بأن إزاحة السلفية من المركز عبر التاريخ يستتبع أمرين:
- بديلًا يشغل المساحة.
- صياغةً وصورًا وأشكالًا تتوزع عليها السلفية زمن أفولها.


مَن سيحل محلَّ السلفية؟


إلى أين ستذهب السلفية، وما سيناريوهات مستقبل الأفول؟


هذان السؤالان هما اللذان يطمح هذا الفصلُ إلى الجواب عليهما.


وسأترك للقارئ العودةَ للكتاب وأخْذ الأخبار عنه في معرض الإجابة عن السؤالين؛ لأن تسريبه فيه نوع حرْق لنتيجة البحث وزُبدة الدرس، ولا أريد قطعَ طريق القارئ في أن يصل مع الكاتب يدًا بيد لهذه النتيجة، والحصول على تلك الزبدة.

وأعتذر في الختام عن الغلوِّ البلاغي في بعضِ مواضع المقال؛ فقرينُ البيان إذا أمْلى لم أملك سوى الكتابة، ولو كان المقام لا يحتمل.
 

وأشكر الكاتب على هذا الجهد البيِّن، وأشكر الكاتب على هذا التأريخ لتطور السلفية عبر الزمن، مما يعزُّ نظيره مجتمعًا في مكان واحد في كتاب أو دراسة أخرى، وأشكر الكاتب على هذه المحاولات لسَبْر وكشف وقراءة حاضر السلفية وماضيها؛ لاستشراف مستقبلها.

وأعتذر عن أيِّ قصور؛ فالكتاب استلمتُه الأربعاء وأنهيتُه السبت اطِّلاعًا وقراءة وعرضًا ونقدًا؛ ثلاثة أيام وهو كتاب كبير، ويمس موضوعًا خطيرًا؛ ولذلك أؤكد أنَّ هذه الورقة هي مجرد بطاقة تعريفيَّة بالكتاب مع بعض التعليق، وها هو الباب قد فُتِح، وفي انتظار مزيد عناية بهذا الكتاب من الكاتب والنقَّاد.


الكتاب: ما بعد السلفية
تأليف: أحمد سالم، وعمرو بسيوني
الناشر: مركز نماء للبحوث والدراسات
عدد الصفحات: [696] صفحة من القطع الكبير.

 

تُركي بن رشود الشثري