صورة (الاشتغال السلفي الفقهي) على (شاشة ما بعد السلفية)

منذ 2015-08-12

هذه المقالة تتناول تحديدًا مبحث (الاشتغال الفقهي عند السلفيين) في كتاب: (ما بعد السلفية)، وتحاول أن تبيِّن مضمراته، وتشرح كيف شكَّلت هذه المضمرات العرقَ النابضَ في تحليل المادة وتقويمها.

"في ظلِّ عالمٍ مليءٍ بالاختلاف، والصراع، وتعارض الرغبات - فإنه ستنشأ إرادةٌ لتشويه الصور الذهنية، أو على الأقل صناعتها بصورة تتوافق مع رغبات الطرفِ صانعِ الصورة، حتى ولو لم يكن يعتقدُ أنه يُشوِّه الصورة، لكنه على الأقل يصنعها وينقلها كما يتصورها هو، وقد لا يكون تصوره هو عين الواقع" (أحمد سالم: صورة الإسلاميين على الشاشة)[65].
 

لا أستطيع أن أكتم حماستي لاقتناء كتاب: (ما بعد السلفية) لكاتبَيه أحمد سالم، وعمرو بسيوني -وفقهما الله- أول إعلانهما عنه عبر شبكات التواصل الاجتماعي، رغم اشمئزازي بدءًا من عنوانه، لكن الخطب يهون إذا ما استحضرنا أن العناوين ربما غلب على موضوعيتها عنصرُ الجذب، فلم ألتفت لذلك كثيرًا.. ولما صدر الكتاب وشرعت في مطالعته لفتني وشدني من فهرسه الفصل الرابع المعنون: (قراءةٌ في الاشتغال المعرفي للسلفية)، وذلك لأن عنايتي في المقام الأول بالجوانب المعرفية تغلب نهمتي للأبحاث المتعلقة بالتأريخ للمصطلحات والتيارات، شدَّ من أزر نهمتي أن الكاتبَين ليسا أجنبيين عن السلفية، فهما من أبنائها الخبراء بمضامينها، إضافةً لاشتغالهما وعنايتهما بمختلف الجوانب المعرفية، فهذا يجعل لهذه المادة المسطورة وزنًا يفارق ما لو كان الكاتب طارئًا على السلفية غير مشتغل بمعارفها.
 

وجدتُّني أطوي الكتاب سريعًا بغية الوصول إلى هذا الفصل، ولا سيما المبحث المتعلق بالاشتغال الفقهي عند السلفيين بحكم تخصصي، وفي الحقيقة أني في مسيري إلى مبتغاي يجتالني بعض ما أراه خللًا منهجيًّا عن سرعة المضيِّ، لكني أحرص على ألا أطيل المكث عنده بل أظلله المواضع المشكلة للرجوع إليها لاحقًا.
 

فما إن وصلت لمبتغاي وقد كنت أنتظر تقويمًا ونقدًا مبرهنًا أجد الكاتبَين قد تجاوزا عنصر المنهج في ضبط تحليل وتقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين إلى الاهتداء بإملاءاتِ الانطباعات العشوائية، سواءٌ في السيولة المعيارية، أو في قصة الحضور والغياب للأعلام والمواقف بحسب الأغراض المضمرة التي تحرِّك الدراسة ذات اليمين وذات الشمال، بوعيٍ أو بلا وعي تبعًا لمدى سلطة فكرة تأفيل السلفية وغلبتها على مزاج النقد عند الكاتبَين.
 

كنت أنتظر أن أجد نقدًا ينهض بالفقه الذي يتمثَّله المنتسبون لمنهج السلف، والحال أن فيه جوانب من القصور قد تصل حدَّ الهزال أحيانًا، وهو ما لا ينازع في وجوده كثيرٌ من السلفيين، لكنَّ النقدَ المدوَّنَ في هذا الكتاب لا يزيد الأمر إلا ضياعًا حين غاب المنهج.
 

جاءت هذه الدراسة وهي تتغيَّا أن يخرج منها القارئ بأن السلفيَّةَ آيلةٌ للأفول بالتشظِّي المرجعي والنسقي، وهذه المقولة لو كانت نزيهةً مبرهنةً بمقدماتها لكان الملتزمون بمنهج السلف أول الفرحين بها، أو فلنقل: لفرح بها عقلاؤهم، نظرًا لكونها تمثل نظرة استشرافية لمستقبل الوجود السلفي ومركزيته، يستتبع رسمَ منهجيَّةٍ احتياطيَّةٍ تحُدُّ من هذا الأفول، ولكنَّ هذه الفكرة جاءت كثيرًا بصفتها أداةً موجَّهةً لتحريك مفاهيم البحث، ولو بدون قصدٍ من الكاتبين، ولم تكن -كما كان ينبغي- نتيجةً له، بل جاءت لتعيدَ تركيبَ السلفية في فيلمٍ جديدٍ يحمل عنوان: (ما بعد السلفية)، أقرب إلى الأفلام التي درسها الباحث نفسه في كتابه الماتع: (صورة الإسلاميين على الشاشة) الذي جاء الاقتباس المدون أعلاه من بين أوراقه.


هذه المقالة تتناول تحديدًا مبحث (الاشتغال الفقهي عند السلفيين) في كتاب: (ما بعد السلفية)، وتحاول أن تبيِّن مضمراته، وتشرح كيف شكَّلت هذه المضمرات العرقَ النابضَ في تحليل المادة وتقويمها.



******


مدخلٌ:


يبتدئ بحث بتقرير أن ابن تيمية يمثِّل "نقطة الانطلاق الصحيحة لتحليل التكوين الفقهي للسلفية المعاصرة"[310]، وينتقي البحث من جملة المحددات المنهجية في المجال الفقهي قضية الاجتهاد والتقليد والتمذهب، ويرى الكاتبان أن هذه القضية هي الأكثر حرجًا في الوسط السلفي المعاصر في المجال الفقهي.

 

وتسجِّل الدراسة أن البعد النظري في هذه القضايا لم يختلف القول فيه بين ابن تيمية وسائر التحققات بعده، وإنْ تفلَّت في بعضها، أما التفعيل فكان على أطوار:

 

أما في الاشتغال الفقهي لمشايخ الوهابية فـ "لا نجد الطابع التيمي حاضرًا، بل هو في الغالب فقه حنبلي تقليدي"[321].

 

وأما الشيخ محمد بن إبراهيم فـ "ظلَّ على النهج الحنبلي العملي في الاشتغال الفقهي، كما كان الوهابيون قبله"[325].

 

ثم الذي أتى بالجديد على الساحة العلمية والفقهية بخصوص هو "النموذج الوهابي المتأخر المتمثل في عبد العزيز بن باز، ومحمد بن صالح العثيمين"[327].. ولكنه مع ذلك "ظلَّ اجتهادًا في الإطار، اجتهادًا محافظًا"[344].

 

أما الألباني فهو "يمثل ذروة التطور السلفي في الاشتغال الفقهي الاجتهادي"[334]، وليس هو كاجتهاد الشيخين، فمع اقترابه من النموذج التيمي إلا أن اجتهاده مستند "إلى الدليل صرفًا، دون الاحتفال بالإطار الفقهي"[344].
 

ولا يُذكَر العلَّامة السعدي إلا بوصفه رافدًا من ضمن "روافد أمدت ابن عثيمين بهذا الاتجاه وذلك النزوع"[331].

 

وبعد ذلك يأتي الشيخ مقبل الوادعي بوصفه "أحد الاتجاهات الفقهية الشائعة داخل السلفية المعاصرة"[352].
 

هذا السداسيُّ "مشايخ الوهابية، ابن إبراهيم، ابن باز، ابن عثيمين، الألباني، الوادعي" هو ما ارتضاه الكاتبان ليكون مجسِّدًا لصورة الاشتغال الفقهي عند السلفيين ومشكلًا لخارطته.

 

واعتمد البحث لتقويم الاشتغال السلفي هنا بمستوى وجود تفعيل النموذج التيمي، ومدى سلامته:


فأولًا يقرر البحث أن التعاطي الوهابي "يبدو أكثر تواضعًا واعترافًا بالفروق الإمكانية"[319].


والشيخ ابن إبراهيم كالوهابيين قبله في السير على النهج الحنبلي في الاشتغال الفقهي.


وابن باز يغلب عليه "الطابع المحافظ، والترجيح في إطار الأدلة القريبة"[371] وهذا التوصيف يتضمن إشارة مبطنة تشي بعدم عمق الترجيح عند ابن باز.

 

وابن عثيمين كان أقرب إلى المنهج التيمي "مع جودة الأدوات الفقهية" لكن ليس مطلقًا، بل "نسبيًّا"[344] وأدوات العثيمين في الفقه والأصول "أدوات جيدة" لكن ليس مطلقًا، بل "مقارنةً بأقرانه"[331]، وعن شرحه على الزاد فـ "الجودة الفقهية واضحةٌ فيه، نظرًا لتفعيله الآلة الفقهية والأصولية واللغوية في البحث" لكن ليس مطلقًا، بل "في حدود زاده منها، والذي هو أحسن من أقرانه"، وتفضيله على أقرانه -بطبيعة الحال- ليس مطلقًا، بل "من حيث الجملة"[368].
 

وقد طور كلٌّ من الشيخين ابنِ باز وابنِ عثيمين الاشتغال الفقهي السلفي، ولكلٍّ منهما اختيارات فقهية "ولكنها ليست بالجدة التي تعد فيها اختياراتٍ تستأهل الدرس والاعتناء"[371].

 

والألباني أحد "أقرب الأطياف السلفية قربًا من النموذج التيمي في الاشتغال الفقهي" لكن "مع فقر الأدوات"[344].

 

وهذا النموذج الثلاثي -ابن باز، العثيمين، الألباني- بأدواته المتراوحة بين الفقر والجودة النسبية و"على ما بينهم من اختلافات بينية، كان هو المشكلَ الرئيس والنموذج المحتذى للاشتغال الفقهي للسلفية المعاصرة في الأربعين عامًا الأخير، فيما نسميه حقبة الصحوة"[365].
 

ثم يُكرِه الكاتبان الوادعيَّ على الحضور في سياق التقويم الفقهي لاكتمال مهرجان التقزيم السلفي مع كونه "لا يحظى بوفرة من الأتباع أصلًا[365]، وأدواتُه "لا تتعدى أنه مُحَدِّث، وعنده بعض الاشتغال في النحو"[365]، ولا يعرف السلفيُّون الوادعيَّ فقيهًا حتى ينال هذه المكانة السامقة في توصيف الاشتغال الفقهي، إلا أن الصورة التزهيدية المركبة التي تطمح إليها الدراسة لا تكتمل حتى يؤتى بالوادعي الذي يقوم فقهه على "فتاوى من صيد الخاطر"[352]، والذي "أخذ النظرية الحزمية الظاهرية مع فقر مدقع في الأدوات العلمية"[354]، ولا يقف الحد عند هذا، بل يبلغ الأثر الغريب الذي يصوِّرُه الكتاب عن الاشتغال السلفي الوادعي في المجال الفقهي وأثره على الاشتغال الفقهي عند السلفيين بأنه "يمثل قمة الراديكالية السلفية في الفقه مجاوزًا الألباني، ومنطلقًا بصورة طردية في تطوير الأخطاء السلفية في النظر الفقهي ومنهجيته إلى منتهاها، بما كان له من أثر سلبي على عموم الاتجاه السلفي في الاشتغال الفقهي"[355]..

 

ويتحدث البحث عن تصديره عددًا من تلاميذه في العالم الإسلامي، ويتساءل: "هل تسربت المباني الوادعية إلى الفقه السلفي لا شعوريًّا، أم أن الوادعي كان أكبر انعكاس واضح لتلك المباني الموجودة من قبل؟"[366].

 

هذه الصورة للاشتغال الفقهي عند السلفيين التي يلتقطها الكتاب صورةٌ قاتمةٌ مبعثرةٌ، ليس لها معيارٌ ضابطٌ يُحكِم أركانها، إلا أن يكون الاقترابَ من الأنموذج التيمي المتعلق بالقضية التي يراها الكاتبان الأكثرَ حرجًا في الوسط السلفي المعاصر في المجال الفقهي، وهي قضية الاجتهاد والتقليد والتمذهب، ومدى توفر الأدوات لبناء الأنموذج النظري وتفعيله من عدم ذلك، وهذا ما لا نراه صادقًا على تقويم هذا الاشتغال كما في الفقرة التالية.



******

السيولة المعياريَّة:


السؤال الذي يُسجَّل هنا: هل هذا المعيار "الاقتراب من الأنموذج التيمي" الذي يفرضه السياق معيارٌ منضبطٌ في تقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين، على الأقل في السياق الذي تنحو إليه الدراسة؟


الجواب: لا.


وبيانُه أن الكاتِبَين في سياق رسم الصورة السالفة بينوا أن هناك نهضة فقهية ظهرت في السعودية (مؤخرًا).. ونحن حين نقرأ مركَّب "النهضة الفقهية" بعد قصة التزهيد هذه، وأنه فقه تقليديٌّ تارةً، نسبيُّ الجودة تارة أخرى، يستقي ترجيحاته من الأدلة القريبة تارةً ثالثة - فنحن نترقب نهضة فقهية عالية، ولتكن على أقل تقدير تفعيلًا للنموذج التيمي على وجه مقارب للكمال، لكن جاء السياق ليبين أن هذه النهضة الفقهية تمثَّلت في [370]:


1- جهود محمد بن أحمد باجابر وعامر بهجت في إقامة الدورات المركزة المختصرة، التي لا تخرج في بحثها الفقهي عن المذهب الحنبلي.


2- جهود فؤاد الهاشمي وجماعة الملتقى الفقهي على الإنترنت في التدقيق الفقهي وإجراء الدرس الفقهي المقارن وفق الضوابط الأصولية والفقهية الكلاسيكية مع التجديد في الطرح والأسلوب، والاعتناء بالترتيب والتقسيم والتهذيب.


3- جهود عبد العزيز الشبل في الاعتناء بتنمية الملكة في الدرس الفقهي.
 

وهنا يحق لنا التساؤل: هل يَجسُرُ مَن يتصدر لتحليلِ وتقويمِ تاريخٍ فقهيٍّ امتدَّ عقودًا، على تقديم نهضة فقهية بهذه الصفة، على أنقاض جهود فقهية تسلسلت في عقود؟

 

بحثٌ فقهيٌّ مذهبيٌّ، وإجراءٌ للدرس الفقهي المقارن مع تجديد في الأسلوب، والاعتناء بتنمية الملكة، أهذه -مع حفظ قدر الجهود المذكورة وأصحابها- تقدَّم على أنها شواهدُ نهضةٍ فقهيَّةٍ على مستوى الاشتغال الفقهي عند السلفيين؟


من البدهي أمام هذه المفارقة أن يقال بأن هذا التعاطي مع منطلقات التقويم للاشتغال الفقهي عند السلفيين، أتى بحسب مضمراتِ دراسةٍ تطمح صراحةً إلى أن تؤرخ لأفول السلفية المعاصرة، وضمور غالب اشتغالاتها المعرفية يمثل أحد الأسباب الرئيسة لذلك، وهذه الفكرة -فكرة الأفول- يلح عليها الكتاب طولًا وعرضًا، لكن لا بحسب منطلقات علمية منهجية تُقوَّم بها المشاريع المعرفية.


وصدق الكاتبان:


"الواقع يشهد بأن مجالات العلوم الإنسانية وإمكانات تفعيلها سواء لفهم الواقع أو لخدمة العلوم الدينية - تُعَدُّ من أبرز وجوه الاشتغال العلمي المهجورة عند السلفية، وقد كان لهذا الهجر والتضييع عدة آثار سلبية، أهمها: أولًا: ضحالة الرؤى التي قدمها السلفيون لواقعهم ومجتمعاتهم، سواء من ناحية الكم أو من ناحية الكيف، فالسلفيون أظهروا ضعفًا واضحًا في مستويين أساسيين من مستويات العمليات العقلية المرتبطة بالأدوات العلمية، هما: مستوى التحليل والتقويم، بالإضافة للتفسير كمقدرة أولية..."[392].

 

وهذا البحثُ عن الاشتغال الفقهي عند السلفيين تحديدًا صالحٌ لأن يكون أنموذجًا لغياب تفعيل العلوم الإنسانية في خدمة العلوم الدينية تحليلًا وتقويمًا.


إذا لم يكن هذا المعيار الذي يجعل الأنموذج التيمي في قضية الاجتهاد والتقليد والتمذهب هو المعيار الصالح لتقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين حسب السياق الذي تفرضه الدراسة، فما المعيار الذي تقدمه إذًا، وعلى وَفقه تتنزل التطبيقات النقدية المبثوثة في ممراتها؟

 

في الحقيقة لا نجد الدراسة مهمومة بهذا السؤال أصلًا، فهذه الدراسة عبارة عن محاولةِ مَنهَجَةٍ لاحقةٍ لجزئيات منتقَدَةٍ سابقةٍ عليها، ومن هنا نُظِم خيط الدراسة، واتَّسم بالسيولة المعيارية، فخرج الاشتغال الفقهي السلفي لذلك في سلسلة مبتكرة من صانع الصورة شُدَّت حلقاتها لبيان حكم مقرر سلفًا، وهو أن الاشتغال الفقهي عند السلفيين اشتغالٌ متواضعٌ لا يمثل رقيًّا فقهيًّا.

 

ونظرًا لغياب هذا المعيار الضابط ترى الإطلاقاتِ النقديةَ موزَّعةً على الصفحات بالتساوي، بلا التفاتٍ إلى القارئ الذي لا بُدَّ وأن ينقدح في ذهنه سؤال المنهج المتبع في هذه الإطلاقات الملقاة جزافًا.

 

ليس بمحظور أن يتجه الكاتبان لتقويم هذا العالم أو ذاك، بل النقد والإصلاح للواقع الفقهي مطلب، ولكنه مطلبٌ علميٌّ منهجيٌّ، وليس تحكيمًا لانطباعات مرسلة، ومن هنا كان يُفتَرَضُ في دراسةٍ كهذه أن تخاطب قارئها بخطاب مبرهن، لا أن يحترف الكاتبان مهنة موظفي الجمارك بنقد كل اسم عابر في فصول الدراسة دون تقديم ورقةٍ كاشفةٍ لمسبَّبات ذلك النقد، لا سيما والكاتبان لم يُعرفا باشتغال فقهي، وهذا ليس بمشروط في تقديم النقد، ولكنه يبعثهما على ضخِّ مزيدٍ من البرهنة على مطلوبهما، خاصة وأنه متعلق بنقدٍ مباشرٍ لأعيان ومناهج.

 

في ضمن الإطلاقات التقويمية اللامبرهنة، يأتي الشيخ محمد المختار الشنقيطي في نظر الكاتبين على أن شرحه للزاد "يكشف عن تفقه متوسط العمق ومحافظ مذهبيًّا، وهو حالة ليست بالكثيرة في الوسط السلفي بعامة، والسعودي بخاصة، الذي تغلب عليه الدروس التقليدية، غير المعمقة في الفقه"[370].

 

الألباني فقير الأدوات، وأدوات العثيمين جيدة نسبيا بالنظر لأقرانه، وابن باز يرجح بالأدلة القريبة، والشنقيطي في درسه متوسط العمق، وهلمَّ جرًّا، كل هذا يأتي بلا تكلُّف عناء البرهنة.

 

قارئ هذه الدراسة لم يأتِ إليها ليحفظ جدولًا لضَربِ الأعلام، بل ليقف على معادلات منهجية مبرهنة للتحليل والتقويم، وهذا ما غفلت عنه هذه الدراسة في كثير من مواضعها.

 

هذا البحث يعاني من سيولة معيارية حادَّة، لم يُراعِ فيه الكاتبان منهجًا منضبطًا، كما لم ينظَر فيه بتمييزٍ بين مجالات العطاء الفقهي والاشتغال السلفي فيها بحثًا ودرسًا وإفتاءً، ولو كان هذا التقسيم مراعًى لكان التقويم خيرًا وأقومَ مما هو عليه، وكان هذا الغياب بطبيعة الحال مجرِّئًا لاستطالة النقد وتمدده، كما أعانت هذه السيولةُ الكاتبين على استحضار أسماء وتشريد أخرى، وسيأتي بيان ذلك.

 

هل البحث يدرس الاشتغال الفقهي عند السلفيين في الجانب البحثي؟

 

إذًا.. فأين مثلُ بكر أبو زيد، ودبيان الدبيان، والرسائل الجامعية المتقنة، لماذا لا نراها في صلب التقويم للاشتغال السلفي إلا بإشاراتٍ خجولة، كما في الرسائل الجامعية، أو بتغييب تام كمنجزات الشيخين بكر أبو زيد والدبيان.

 

هل البحث يدرس الإتقان الفقهي وامتلاك الأدوات المعرفية، بصرف النظر عن التقيد بمذهب أو عدمه، وبصرف النظر عن التأثير في الساحة السلفية من عدمها؟

 

إن كان: نعم، فلماذا تم الترحيل الكلي للشنقيطي -بعد التنزل جدلًا بضعف تأثيره، والتزامه بمالكيته- والترحيل الجزئي لابن إبراهيم -مع كون عطائه الفقهي لا يقتصر على الاشتغال الحنبلي كما تدعيه الدراسة-، ولم يجعل الكاتبان لهما في تقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين موقعًا لائقًا بوزنهما المعرفي والفقهي؟

 

وإن كان: لا، فما هذه النهضة الفقهية التي تتطامن لدورات مختصرة مقدمة في الفقه المذهبي ولا تلتفت لمثل العلامتين ابن إبراهيم والشنقيطي؟

 

سؤالاتٌ كثيرةٌ حائرةٌ أفرزتها هذه السيولة المعيارية التي طاشت بيد النقد هنا وهناك.

 

هذا البحث مثلًا يصوِّر ابن إبراهيم بأنه ظل على النهج الحنبلي العملي في الاشتغال الفقهي لذلك لا داعي لاستحضاره بوصفه فاعلًا في الساحة الفقهية السلفية، فلا ينال من هذا التقويم سوى سطرين، بينما يرى عبدالفتاح أبو غدة أن رسائل وكتابات ابن إبراهيم "تتميز بالعمق والدقة والشمول والاستدلال والجزالة التامة، وجلها في المشكلات العلمية العويصة" ويرى في فتاواه ورسائله "نماذج حية ناطقة بعمق نظره في الفقه الإسلامي".. ومعلومٌ موقف أبي غدة من السلفية، لكنه الفرقُ بين معايرة العطاء الفقهي بالأمور الشكلية والإطارات العامة، وبين تخلُّل أعطاف الفقه واستنهاض مقوماته الصلبة في تقويم الأعلام والمواقف.

 

وكما تسببت السيولة المعيارية في حضور أسماء وغياب أخرى فقد تسببت في انفصام الرؤية حيال شخصية واحدة.. وهنا يأتي الطريفي في سياقين:


أما السياق الأول: ففي هذا المبحث المخصص لتقويم الاشتغال الفقهي عند السلفيين يأتي الطريفي في صورة متواضعة مع العدوي والعلوان "كنماذج قريبة جدًا من طريقة الألباني في التفقه، من حيث اعتماد ظواهر الأدلة وآثار الصحابة، والجرأة على مخالفة المذاهب الفقهية، ولاحظنا في الوقت الذي يبنون فيه القول المخالف للجماهير على أثر أو أثرين يغفلون عن دلالة شيوع القول الفقهي الذي يخالفونه في الطبقات الفقهية المتتالية، وما قد يكون معه من انتشار القول والعمل، على نحوٍ قد لا تقوى تلك الآثار لمقاومته"[368].

 

بينما في سياق الحديث عن الفقر الرمزي لدى السلفية يذكر الكاتبان أن: "الطريفي أشبه بنموذج الرمز الذي كرّسه ابن باز وابن عثيمين، من حيث كونه ممثلًا للاتجاه الفقهي والفكري والسياسي السلفي العام للتيار"[660].

 

فالطريفي يأتي لمامًا بصورة فقهية متواضعة حين تقويم الاشتغال الفقهي، ويأتي في مقام آخر أشبه بنموذج الرمز الممثل للاتجاه الفقهي العام، وذلك في مقام الحدِّ من رمزية أعلامٍ آخرين، وذلك لا يُفسَّر إلا بما قدمتُه من طغيان الأغراض المضمرة على المنطلقات المنهجية.



******


استراتيجية خط الرجعة:

تجاوزًا للشخصياتِ المجمرَكَةِ وجداولِ ضرب الأعلام لننظر إلى الإطلاقات المرسلة المتعلقة بتوصيف السلفيين بعامَّةٍ في اشتغالهم الفقهي.

والكاتبان قد وضعا لهم في صدر هذه الدراسة خطَّ رجعةٍ لكلِّ نقدٍ يُسلَّط على العمومات المبثوثة فيها، وهذا إن دلَّ على شيء فعلى علمهم بطغيان التعميمات في هذه الدراسة التي لا يقوم ساقها إلا بسيلٍ من التعميمات المنفلتة ليمتلئ بها جوف القارئ.

 

خطُّ الرجعة هذا الذي مفاده أن صيغ التعميم لا تستلزم الاستغراق، وأن التعميمَ مجردُ إشارة إلى الكثير السائد، سواء كان مستغرقًا أو لا - لا يعفي الكاتبين من التبعة، ونصُّ ابن تيمية الذي استشهدا به نص محكَمٌ غير أن القول فيه مقيَّدٌ، وذلك بقول ابن تيمية: "من فصيح الكلام وجيده: الإطلاق والتعميم عند ظهور قصد التخصيص والتقييد".. فإذا لم يظهر قصد التخصيص والتقييد، فليس التعميم مع إرادة عدم الاستغراق من فصيح الكلام وجيده.. خطُّ الرجعة هذا الذي أراد به الكاتبان الخروج من معرَّة التعميمات هو إلى أن يكون إدانةً للدراسة أقرب منه إلى أن يكون غطاءً حافظًا لها، هذا السلوك يوحي القارئ الفطن أن الكاتب يريد شحن القارئ بتعميماتٍ مرسلة، ولكنه يخجل من تهمة التعميم، فكانت هذه الاستراتيجية الوقائية مناسبةً لأن تُصدَّر بها هذه الدراسة.

 

وأيًّا ما كان فمحل النقد على تلك الإطلاقات في تقويم المواقف الكبرى والمنهجيات المعرفية والشخصيات السلفية الفقهية دون برهنة تتلاءم مع حجم الدعوى بصرف النظر عن سلامة غلافها، كقولهم: (هذه الأدوات -العلم بالعربية، والآثار، والإجماع والخلاف- جميعها يفتقر إليها الاشتغال السلفي في الفقه"[363].. "السلفية تبنَّت دعوةً دون امتلاك آلاتها"[357]..

 

"لا يبدي السلفيون مرونةً في التعامل مع الاتجاهات الاجتهادية المعاصرة في مجال المقاصد والقواعد الفقهية، وينظرون إليها بريبة باعتبار أنها مجرد ستار للتخلص من سلطة النص والخروج عن السنة إلى التمييع والتساهل، مع عدم التفريق بين ما هو كذلك من المناهج، وما هو تفقهٌ صحيح يعتمد قواعد شرعية مصلحية دل عليها الوحي، وتطبيقات الفقهاء من السلف والخلف"[359]..

 

"...الكتب والمتون الفقهية التي لا يفهمها أغلب السلفيين"[373]..

 

"إن هناك عسرًا شديدًا يصل إلى حد التعذر في الاطلاع السلفي على كتب الفقه المذهبية التقليدية متوسطة الصعوبة ككتب الشربيني الشافعي والموصلي الحنفي مثلًا"[375].. كل هذه الإطلاقات تأتي مرسلة، لا يدعمها سوى استقراءات ناقصة وانطباعات ذاتية.

 

ومن ذلك قول الكاتبَين: "الفقه السلفي بسيط، لا يحب التفصيل ولا تعداد الحالات، يميل إلى المباشرة، والقول الواحد، وعدم التعقيد اللفظي، أو المعنوي. وقد يكون السبب في ذلك نشأته في طوره الحديث في أجواء البداوة في نجد"[375] فكيف يريد الكاتبان من القارئ أن يتلقى مثل هذا التوصيف، مع هذا التسبيب المليح الذي يربط بين بساطة الفقه السلفي وأجواء البداوة النجدية!

 

هذا التوصيف الصحفي للفقه السلفي بالبساطة ومجافاة التفاصيل وتعداد الحالات يجرُّ إلى قصة أخرى في هذا البحث، بعد أن تطرقنا إلى قصة السيولة المعيارية، ألا وهي:



******

قصة الحضور والغياب:

 

ما المعيار الذي تمثَّله الكاتبان في تحضير وتغييب أعلام الفقه السلفي ومجالاته وقضاياه؟

سأقدِّم بذكر النتيجة على سرد أحداث القصة، وهي ذات النتيجة المدونة أعلاه، المتمثلة في رعاية الأغراض المضمرة لدراسةٍ تؤرِّخ لأفول السلفية، بعيدًا عن المنطلقات المنهجية في تقويم الاشتغالات المعرفية، ونظرًا لذلك تُعطى تأشيرةُ الدخول لبعض الأعلام والقضايا دون بعض.

 

أمَّا لماذا جرَّ التوصيف للفقه السلفي بالبساطة لهذه القصة، فلأن التساؤلَ الموجه لهذا الإطلاق: ما مجال مجافاة الفقه السلفي للتفاصيل؟

 

البحث يرمي تحديدًا إلى ما يتعلق ببحث النوازل والمستجدات في الفقه السلفي، "فنظرًا لتعقُّد أغلب النوازل فإن الاشتغال الفقهي السلفي يواجه صعوبات شديدة في بحثها، فهو يميل في الغالب إلى تبسيط النوازل، وإزاحة أو تعطيل المعطيات والجوانب التي لا يقدر على التعامل معها، بحيث يتمكن من إعطاء حكم مباشر صريح بسيط، لا يتسم بالتفصيل الشديد، والإدارة مع العلل"[375].

 

وأنا أتساءل هنا: أي "تبسيط" يعنيه الكاتبان؟

 

الظاهر من سياق البحث أن المقصود ليس منحصرًا في الإيجاز والاتساع الخطابي، بل يتجه في المقام الأول إلى ضمور العملية الاجتهادية نفسها، فهي تفرُّ من تحمل تبعة النظر الاجتهادي في النوازل لتلقي بحكم موجز لا يراعي الأقيسة ومقاصد الشريعة ونحوها.

 

وهذا إن كان هو المقصودَ فهو ناتجٌ عن قصور في الاطلاع على النتاج السلفي في حقل النوازل والمستجدات، أو قصورٍ في تحقيقه، فأين هو عطاء أعلام السلفيين، السعدي، وابن عثيمين، وابن باز، وبكر أبو زيد، وغيرهم من أعضاء المجامع والمصارف في المسائل النازلة؟

 

العلامة السعدي مثلًا الذي أعرضت عنه الدراسة تمامًا إلا بصفته رافدًا لابن عثيمين - له من البصر بمقاصد الشريعة وقواعدها، والاطلاع على الواقع المعاصر، والنظر في المسائل المستجدة بفقه مكين، ما نال به رتبة عليَّة في الفقه، ولكن الدراسة أعرضت عنه، في مقابل استجلابها الشيخ مقبل الوادعي.

 

الشيخ بكر أبو زيد له أيادٍ بحثية في النوازل المعاصرة، لكنه لم يظهر في كل مباحث الاشتغال المعرفي عند السلفيين من هذا الكتاب إلا في سطر واحد، فهو حاضرٌ في مخيال الكاتبين لكن لا في مجال تخصص الرئيس الذي كتب فيه أبحاثًا، وتولى فيه مناصب عليا، بل يخرج من الكاتبين بقولهم: "كان لأحد أعلام سلفية نجد الشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد اشتغالٌ لغويٌّ وأدبيٌّ"![384].

 

يغيب الشيخ بكر بمنجزاته الفقهية وأدواته المعرفية، وتُعطى التأشيرة لبعض من له حضور فقهي سلفي متواضع ليقال عنه: "ليس هناك ما يُدلِّل على تمكنه العلمي" ويقال عن آخر: "خبرته بالنصوص الفقهية أقل جودة"، وهكذا تجد التحضير لكل شخصية تحقق احتياجات الدراسة وتوسع دائرة العينة المنتقَدَة.

 

وإن تعجبْ فعجبٌ هي ملاحقة الكاتبَين لآحاد الشخصيات السلفية في الشبكات العنكبوتية وإن لم تكن ذا حضور شائع في الواقع العلمي السلفي، مع إعراضٍ عن شخصيات فقهية سلفية مثل الشيخ دبيان الدبيان الذي وضع في الفقه أزيد من 30 مجلدًا، ثلاثة عشر مجلدًا في فقه الطهارة، وعشرين مجلدًا في المعاملات المالية المعاصرة، وليس الشأن في منجز الدبيان أنه منجزٌ كمِّي فحسب، بل يحضر هنا بصفته في المقام الأول نتاجًا فقهيًا سلفيًا، فكيف يغيب هذا المنجز بمثل هذا الوزن عن دراسة تطرح نفسها بأنها تقوِّم الاشتغال الفقهي السلفي؟

 

مثل هذا العطاء لا يُتجاوز بحجة عدم التزام الدراسة للاستغراق، فالدبيان بمنجزاته البحثية الضخمة لا يحسن تجاوزه في الوقت الذي يستورد فيه من لا يمثل إنتاجه عشر العشر مما كتبه، ولكن الشأن أنها شخصية خارجة عن محل البحث، لكونها لا تحقق الأغراض المضمرة لهذه الدراسة الموجَّهة.



******

الرسائل الجامعية ورصاصة الرحمة:

 

قبل أن يُسدل الكاتبان الستارَ على هذا الاشتغال الفقهي السلفي أشارا في بضعة أسطر إلى نهضة سلفية أخرى فيما يتعلق بفقه المستجدات الفقهية عمومًا وفقه المعاملات المالية خصوصًا، ولكنها أسطرٌ عابرة حُيِّدتْ عن مركز التوصيف إلى هامشه، وتهجيرُ مثل هذه المنجزات الكبرى المتمثلة في مؤسَّساتٍ وكليَّاتٍ وأبحاثٍ من خلال إشارة عابرة يُعدُّ من النقائص المركزية في هذا التقويم للاشتغال الفقهي عند السلفيين، ومثل هذا التهجير أضحى سمتًا لتقويم هذا الاشتغال.

 

وقد كان من المنتظر من هذه الدراسة المتصدرة لوضع الاشتغال الفقهي عند السلفيين في الميزان أن تعرف للميزان قدره، وأن تتناول بنظر منهجي الدراساتِ الفقهيَّةَ التي صدرت في موضوعات كثيرة جدًّا تغطي أبواب الفقه الإسلامي والنوازل المعاصرة، غير أن الكاتبَين أطلقا رصاصة الرحمة في ورقة ونصف على مئات إن لم تكن آلاف الرسائل الجامعية، بمثل النهجِ السالفِ وصفُه من الإرسال الخالي عن البرهنة، فهناك "الرسائل الوصفية التي تصف منهج فقيه معين، والغالب على هذه الرسائل قلة النفع والابتكار، وأقصى ما ينتفع به منها أن تجمع أقوال الفقيه أو المدرسة المعينة، وفيها الرسائل الموضوعية كبحث مسائل باب معين، كأحكام الفسق أو الكلام أو الديات أو بحث مسألة معينة من المسائل الكبيرة أو النوازل، والحقيقة إن الغالب الأعم من هذه الرسائل مجرد سرد للمصادر والأقوال والأدلة دون ابتكار ولا روح فقهية حقيقية"[377-378]، ثم يمضي الكاتبان بلا تكلُّف عناء البرهنة، كما هو معتاد.

 

ويشير الكاتبان إلى "أن هناك استثناءات قدم فيها الباحثون نفسًا فقهيًا فريدًا، وأبانوا عنه أدوات جديرة بالتقدير، سواء من جهة جدة الموضوعات المبحوثة، والتفنن في تقديمها وعرضها، أو من جهة الاقتدار والكفاءة العلمية".. وهذا في الحقيقة يبعث على تساؤل مهم، وهو: متى كان التميز حالًا شائعةً أصلًا؟ سواءً في السلفية أو في غيرها، بل في شتى الأطياف الإنسانية في مختلف المجالات المعرفية.. فالنقد بأن المتميز من الرسائل الجامعية في حكم النادر في سياق الإيجاع النقدي للاشتغال الفقهي السلفي يفترض أن الأصل هو شيوع التميز، وهذا ما لا يكون، لا في السلفية ولا في غيرها، والعبرة حينئذ ليس في النظر في الغالب، بل في وجود هذا التميز ورعايته وتعميم الإفادة منه، ثم في الحالة الفقهية بعامة بشتى تجلياتها.

 

ومثلُ هذا: الحطُّ من الأدوات المعرفية للسلفية مقارنةً بأدواتِ مثلِ ابن تيمية وابن حزم، فهذه مغالطةٌ لو أديرت على الكاتبين أنفسهما لاحتلَّا رقمًا متأخرًا في تقويم الأدوات المعرفية، مقارنة بالمكنة التيمية والحزمية، فلماذا يُستطال على الاشتغال الفقهي عند السلفيين عامتهم بمثل هذه المقارنات؟

 

كان من المنتظر أن يكون معيار النقد والمحاكمة للاشتغال الفقهي السلفي خاضعًا لاعتبارات محكَمة، تتدلى منها التطبيقات النقدية تدليًّا ممنهجًا: فقه وتصور الأقوال والمذاهب الفقهية، استثمار أصول الفقه المعتبرة في التخريج الفقهي، استعمال الجهاز المصطلحي الفقهي، دراسة النوازل والمستجدات بمنهجية جارية على طرائق الفقهاء الحرص على دقة العزو وتصور الأقوال، الأصالة في الوصول للمصادر... هذه وغيرها لم تنل حظَّها من الصدارة النقدية في تقويم الاشتغال الفقهي.


******

أخيرًا..


أردت بهذه الكتابة التعليقَ على ما رأيته من إطلاقاتٍ خطيرةٍ لم تأخذ حظها من الفحص، ولا تأيَّدت بالبرهنة، بل صيغت بعينٍ تتحسَّس المكاسر وتختزل الحقائق، مع آراء أخرى متعلقة بمسائل من الفقه والنظر أرسل الكاتبان القول فيها بلا تكلُّفِ عناء التحقيق، أعرضتُ عنها لتمثيلها تصورات جزئية حول قضايا تفصيلية، والشأن هنا في المنهجية المتحركة والأغراض الساكنة في أطراف هذا المبحث.

 

وأمرٌ أخيرٌ أشير إليه.. وهو ما كنت أحبُّ للكاتبَين التجافي َعنه، وهو التساهل في إلقاء الجمل المعلَّبة في تقويم الأعلام، بل بلغ الحال بهما إلى إرخاء النقد وإطلاقه مع التحرز في الثناء وتقييده، حتى استُكثر على قامة فقهية بمنزلة ابن عثيمين أن يُثنى على فقهه وأدواته المعرفية بدون تقييداتٍ (نسبيًّا، من حيث الجملة، في حدود زاده).

 

ولم يكتف الكاتبان بنقد ما شهداه، بل أعمَلوا مادة القياس في النقد، وذلك حين تقييمهم لدورة فقهية لأحد الشخصيات السلفية، فلم يكتفيا بما شهدوه من عطائه الفقهي، بل اشتاقت حواس نقدهم لتشمل دورة له في شرح كشاف القناع، فقالا: "المعهود من مكنة بالي المعروفة في لقاءاته ودروسه المشاهدة تسكك في جودة تلك الدروس الفقهية بحيث تناسب عناوينها ومستويات المواد التي تتناولها، وإن كنا لم نطلع عليها"[369]، وهذا لا يفسره إلا الرغبة في الملاحقة النقدية والجمركة الماشطة لكل الأعلام الواردة في هذا المبحث.

 

وهذا الباب من النقد -أعني باب نقد الأعلام- يُحوِج الناقد إلى تحرٍّ وأناةٍ، مع اتزانٍ نفسيٍّ يتخلص به من نوازع الهوى وغُلَوَاء النقد، ولو كان النقد حقًّا، لا سيما إذا كان هذا التقويم متعلِّقًا بأعلام قضوا في تحصيل العلم ونشره عقودًا.. وليس هذا بحائل دون النقد، لكن ليس على هذه الشاكلة التي سبق عرضها، فهذا النهج إن لم يلحق الضرر بالقارئ فلن يفيده إلا التدرُّب على الاستطالة..

والله تعالى أعلم.

 

مشاري بن سعد الشثري