فوارق - بين الثقة بالنفس و التمركز حول الذات

منذ 2015-09-09

و ‫ ‏فارق‬ بين الثقة بالنفس واحترام الذات وبين التمركز حول تلك الذات والانبهار بال(أنا) 
ذلك الانبهار والتمركز الذي يدفع صاحبه إلى الاستماتة من أجل البقاء دوما داخل دائرة الضوء 
إن من الناس أدمن التواجد في هذه الدائرة المضيئة حتى صارت هي منتهى آماله وغاية أحلامه
صار لا يستطيع البعد عن تلك الدائرة ولا يطيق حياة يكون فيها خامل الذكر لا تتمحور الأحداث حوله ولا تدور الأخبار والحوادث في فلكه
ولأجل ذلك البقاء في دائرة الضوء ومركز الحدث تجده على استعداد لأن يرتقي أصعب مرتقىً ويختار أعجب الأقوال والأفعال وأكثرها شذوذا وغرابة ويستثير مشاعر الخلق بأي سبيل ولو كان باستجلاب اللعائن
كل هذا ليظل مستقرا في تلك الدائرة التي أدمن المكث بداخلها…. 
دائرة الضوء
وحقيقة حرص ذلك النمط البشري على البقاء في تلك الدائرة لا تقتصر على لذة الشهرة وحلاوة تسلط الأنظار فتلك أمور ثانوية إلى جوار المشكلة الحقيقية التي تتلخص في كلمة واحدة
أنا…
إن ذاته قد تعاظمت و(أناه) قد تضخمت لدرجة ابتلعت معها كل الذوات والأشياء المحيطة التي اقتصر دورها في نظره على (التخديم) على تلميع ذاته وإنزالها منزلتها وإعطائها قدرها
لذلك تجد صاحب هذه الذات المتضخمة لا ينظر إلى أي شخص أو موقف أو حدث إلا من منطلق منفعته الشخصية وإمكانية الانتفاع به في الاستزادة من التقدير لذاته وإن لم يكن ذلك ممكنا تجده تلقائيا يتحول إلى الهجوم على ذلك الشيء أو الشخص الذي لم يستطع الانتفاع منه أو تراه يسارع إلى المقارنات الهجومية التي تكون رسالتها الضمنية دوما: انظروا إلى عظمتي وجمال شخصيتي وبديع صنعي مقارنة بأولئك الرعاع الحمقى…أرجوكم قد آن الأوان لتنزلوني منزلتي وتقدروني حق قدري مقارنة بأولئك الأوباش الجهلة
وحتى إن لم يستطع صاحبنا المتمحور حول ذاته أن يصنع تلك المقارنات المتكلفة فإنه يحرص في المقابل على البقاء في دائرة الضوء من خلال (حشر) ذاته و(دسّ) بطولاته وذكر مميزاته بمناسبة أو بدون مناسبة
لابد أن تكون ذاته المتضخمة و(الأنا) المتعاظمة حاضرة بقوة في كل مقام ومقال
والحقيقة أن ثمة #فارق كبير بين حديثك عن خبرةٍ حياتية وتجربة شخصية مفيدة مررت بها فترويها لينتفع بها الناس، أو رأيٍ تراه حقا ينبغي الصدع به وبيانه، أو موقفٍ تود إظهاره وإثباته، وبين تمحور كل حديثك حول مركز واحد تطوف به كل إيحاءاتك وتعود عليه كل لفتاتك وتشير إليه كل إيماءاتك
أنت..
أنت أنت
ولا شيء غيرك
تلك الذات التي تبهرك وتشعر أن واجب الخلق الرئيسي  أن ينبهروا بها مثلك وأن يقفوا إلى جوارك مشدوهين أمام روعتها الفائقة وعبقريتها الفذة
ولم تسأل نفسك قط أيها المتمحور حول ذاتك ما الذي يجعلك تعتقد أنه يعنيني كثيرا أن أعرف عاداتك في الطعام والشراب أو عدد ساعات النوم التي نمتها الأسبوع الماضي؟
ما الذي يدعوك لتظن أن طبيعة الوجبة التي تناولتها ليلة أمس تشغلني وما الذي يصور لك أن تلك المواقف الشخصية التي لازلت تضحك منها إلى اليوم ستضحكني؟
ما الذي رسخ في ذهنك وألقى في روعك أن الخلق بحاجة ماسّة ليعرفوا تفاصيل حياتك الخاصة وينتبهوا إلى خصائص ذاتك الفريدة؟
يا عزيزي هون على نفسك.. 
دع أعمالك تتحدث عنك بدلا من قلمك ولسانك وليكن نفعك المتعدي عنوانا عليك
واعقلها عني يا عزيزي… 
إن الكون لا يدور حولك
ولا حولي…
 

المقال السابق
بين الحزن على واقع الناس و قطع الأمل
المقال التالي
بين أن تكون وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من الحياة وبين أن تتحول إلى الحياة كلها