لفتة كبد

منذ 2016-01-08

تزخر المكتبة الإسلامية بنماذج مشرقة من الوصايا التي خلفها الآباء لأبنائهم.وصايا لفقهاء وأمراء وأدباء تحدد للخلف معالم السير,وتمده بخلاصة تجربة تنير له مسارب الحياة.وإضافة إلى القيمة التربوية والأدبية لهاته الوصايا فإن بعض مضامينها تستحثنا لقياس مدى حضورها اليوم في واقعنا الأسري.بمعنى هل سلوك المسلم المعاصر لا يزال منضبطا لجملة المحددات القيمية التي أرستها النصوص الدينية وزكتها الخبرات المتراكمة,أم أن العقد انفرط تحت وطأة الثقافة المادية المهيمنة والقيم الوافدة ؟
من نفيس ما ادخرته لنا المكتبة الإسلامية في هذا الباب،وصية الإمام أبي الفرج بن الجوزي إلى ابنه بدر الدين أبي القاسم,والمسماة( لفتة الكبد إلى نصيحة الولد)*.أما الذي حمله على تخصيصه دون سائر إخوته بهذا التوجيه فمرده إلى انصرافه عن العلم وميله إلى اللهو ومصاحبة المفسدين، وتركه للوعظ الذي باشره في مبتدأ حياته،غير أن الابن فيما يبدو لم ينتصح وسلك سبيل العقوق،بل إنه انضم إلى جوقة المحرضين عليه في محنته الشهيرة زمن الخليفة الناصر، وعمد إلى مكتبة أبيه النفيسة فباع قسطا منها بثمن بخس لا يعدل حتى ثمن المداد،فلم يجد ابن الجوزي بدا من هجره ومقاطعته!         
إلا أن هذه الوصية لم تقف كمثيلاتها عند حدود المأمورات والمنهيات التي ينبغي للموصى إليه التقيد بها،بل اتسعت مضامينها لتؤسس منهجا تربويا متكاملا،يحدد للأسرة المسلمة إطارا قيميا وسلوكيا يكفل تخريج الابن الصالح المستوعب لحقائق دينه وتوجيهاته،والقادر على التصدي بوعي لمتغيرات واقعه دون أن تتعرض هويته كمسلم للتفكك والضياع.
استهل ابن الجوزي وصيته لابنه بحثه على أداء الفرائض واكتساب العلم والفضائل،ثم عرض من سيرته ما يدلل به على علو همته في طلب العلم وإعراضه عن لهو الصبا والشباب.ويبدو جليا في انتقال ابن الجوزي من نصيحة إلى أخرى تتبعه لكل ذريعة قد يحتج بها الابن مبررا انحرافه، فيتناول في وصيته أهمية الوقت،وضرورة اغتنام اللحظات: " انتبه يا بني لنفسك،واندم على ما مضى من تفريطك،واجتهد في لحاق الكاملين مادام في الوقت سعة.واستق غصنك مادامت فيه رطوبة،واذكر ساعتك التي ضاعت فكفى بها عظة،ذهبت لذة الكسل فيها وفاتت مراتب الفضائل" ص38.وكعادته في تقريب الفهم من كل معنى جليل،يورد ابن الجوزي نتفا من أخبار الصالحين التي تؤكد وجاهة وصحة قوله.
اكتساب الفضائل وإنفاق الوقت في طلب العلم دواء للميل إلى اللهو والانحراف،ولم يبق سوى طرح بدائل لمصاحبة المفسدين.وهنا يستحضر ابن الجوزي موقفه المؤيد للعزلة كما تردد بشكل واضح في كتابه "صيد الخاطر"،فيحث ابنه على التماسها بمجالسة الكتب:"وعليك بالعزلة فهي أصل كل خير،واحذر من جليس السوء،وليكن جلساؤك الكتب والنظر في سير السلف،ولا تشتغل بعلم حتى تُحكم ما قبله،وتلمح سير الكاملين في العلم والعمل" ص58.
ولا يمكن لواعظ الآفاق كما لقبه أهل العلم أن يغفل عن التذكير بحقيقة الدنيا,وذم السعي في طلب ملذاتها والركون إليها،لذا يفرد في وصيته حيزا يُرشد من خلاله ابنه إلى ما ينبغي أن يُتجنب من أمرها طلبا للنجاة:"واجتهد يا بني في صيانة عرضك من التعرض لطلب الدنيا والذل لأهلها، واقنع تعز فقد قيل: من قنع بالخبز والبقل لم يستعبده أحد"ص 62.
وبما أن الأمر يتعلق بوصية فينبغي أن تكون التركة من جنسها وتدل عليها،لذا حين استحضر ابن الجوزي خبر إنفاقه لتركته في طلب العلم فكأنما يلمح إلى أن أفضل ما يمكن أن يخلفه من كان في مثل علمه وإقباله على التصنيف والتأليف هو مكتبة عامرة،إن لم يفلح ابنه في إثرائها و إغنائها فليكتف بحفظها " وقد علمت يا بني أني قد صنفت مائة كتاب، فمنها "التفسير الكبير " عشرون مجلدا، و"التاريخ" عشرون مجلدا، و"تهذيب المسند" عشرون مجلدا،وباقي الكتب بين كبار وصغار يكون خمس مجلدات ومجلدين وثلاثة وأربعة.كفيتك بهذه التصانيف عن استعارة الكتب وجمع الهمم في التأليف فعليك بالحفظ، وإنما الحفظ رأس المال والتصدق ربح"ص69.
ثم ينتقل إلى جرد بعض صفات الواعظ النافع كما دلته عليها خبرته في هذا المجال،وفي مقدمتها الحرص على تلازم العلم والعمل،والإعراض عن التبذل والمخالطة غير النافعة،ثم أداء الحقوق و النظر في العواقب. 
يختم ابن الجوزي وصيته بالإجابة عن أسئلة لا شك أنها ستلح على قارئها قبل أن يفرغ منها،من قبيل :
ما السر في حرص ابن الجوزي على أن يكون ابنه نسخة منه؟ 
وهل غابت عن الإمام قيمة الحرية وامتلاك ناصية الاختيار اللذين علق عليهما الشرع الحكيم جملة من أحكامه حتى يبادر هو إلى انتزاعهما من ابنه؟
ثم أليس من حق هذا الابن أن يلتزم بالفضائل ومحاسن الأخلاق في سلوكه ومعاملاته،ثم يسلك في التماس معاشه سبيلا غير الذي اختاره والده ؟
لا شك أن ابن الجوزي،وهو العلم الذي قال عنه الحافظ الذهبي "ما أظن الزمان يسمح بمثله"،قد تنبه إلى إفراطه في التوجيه والرسم الدقيق للخطوات التي ينبغي للابن ألا يحيد عنها،لذا عمد في آخر الوصية إلى تبرير مسلكه:" يا بني، واعلم أننا من أولاد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأبونا القاسم محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن أبي بكر رضي الله عنه،وأخباره موثقة في"صفة الصفوة"، ثم تشاغل سلفنا بالبيع والشراء،فما كان من المتأخرين من رُزق همة في طلب العلم غيري.وقد آل الأمر إليك فاجتهد ألا تخيب ظني فيما رجوته فيك و لك " ص77.
إنه شرف الانتماء الذي استشعر ابن الجوزي ثقله ومسؤوليته، فبذل وسعه للنهوض بالتزاماته, وسعى جاهدا لحمل ابنه على اقتفاء خطاه.وإذا كان أبو القاسم قد خيب ظنه فقد كان له في ابنه الأصغر محمد محيي الدين عزاء وتلبية لهذا المسعى الأمين.
ولله في خلقه شؤون !
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 (*) أبو الفرج ابن الجوزي: لفتة الكبد إلى نصيحة الولد، مكتبة البخاري،ط1 مصر 1412 هـ    
 

حميد بن خيبش

كاتب إسلامي