أغلى لحظات الحياة

منذ 2016-02-14

أسئلة كثيرة قد تكشف لأحدنا مدى افتقاره لتلك اللحظات الغالية الثمينة رغم الكم الكبير من أعماله وطاعاته في حياته، الأمر الذي ينبغي أن يدفعنا جميعا للاهتمام بالكيف مع الكم في العبادات والطاعات، فرب دينار أنفقه فقير في سبيل الله بصدق سبق ألف دينار أنفقها غني رياء ومفاخرة أو بدون إخلاص وصدق لله على أقل تقدير.

لا شك أن تلك اللحظات ليست من متع الدنيا الجسدية الفانية وشهواتها الزائلة كما قد يتوهم بعض المنغمسين بها، فالدنيا بهذا المعنى المادي لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ومن هنا ورد في حديث عبد الحميد بن سلمان عن أبي حازم عن سهل بن سعد مرفوعًا: «لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ»   [سنن الترمذي:2320].

بل إن اللحظات التي أريد الحديث عنها قد لا يجدها المسلم إلا نادرة رغم عباداته وطاعاته الكثيرة التي يقوم بها بالليل والنهار، سواء منها عبادات الجوارح أو القلوب، وسواء تلك المفروضة أو النافلة، ومن هنا لم تكن العبرة في دين الله تعالى بكثرة العبادات والطاعات فحسب، بل بكيفية الأداء من خلال ما يصاحبها من مشاعر وأحاسيس ترفع من قدرها وتعلي من شأنها عند الله.

إنها لحظات الصدق مع الله تعالى في أي طاعة أو عبادة مادية جسدية أو قلبية، التي تعتبر - بدون مبالغة - العملة النادرة في زماننا، والحالة الروحية المطلوبة بإلحاح في عباداتنا وطاعاتنا، لتبث فيها روحها المفقودة، وتنقلها من عادة أو واجب يُؤدى دون روح وجوهر ومضمون، إلى فرصة ذهبية للتعبير عن حقيقة العبودية لله تعالى، و التي بدورها تفيض على صاحبها من بركاتها وثمراتها في الدنيا والآخرة بما لا يخطر على قلب بشر.

لم يكن عبثًا تسمية هذه اللحظات بأنها أغلى ما في الحياة، فاللحظة الواحدة منها قد تعدل سنوات من حياة الإنسان المسلم بدونها، وقد ترجح على كم كبير من العبادات والطاعات الخالية من شيء منها، فكما أن مثقال ذرة من المعادن النفيسة يرجح على أطنان من المعادن الآخرى العادية في الحياة الدنيا، فإن لحظة واحدة من الصدق مع الله في عبادة من عبادات القلوب أو الجوارح قد يكون لها من الأثر الدنيوي العاجل، أو الأخروي الآجل ما لا يمكن أن يقارن بعبادة خالية من تلك اللحظات.

لقد كانت لحظات صدق مع الله في عبادة ثلاثة نفر أخبر عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، كفيلة بإنقاذ حياتهم من موت محتوم، بعد أن يأسوا من الأسباب المادية البشرية، ولم يبق أمامهم إلا أن يرجوا الله بأعمال صادقة لا حظوظ فيها لأهواء النفس، ولا مكان فيها للرياء والسمعة والمفاخرة.

فقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «انطلق ثلاثة نفرٍ ممن كان قبلكم حتى أواهم المبيت إلى غارٍ فدخلوه فانحدرت صخرة ٌ من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعوا الله بصالح أعمالكم. قال رجلٌ منهم: اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً، فنأى بي طلب شجرٍ يوما فلم أرح عليهما حتى ناما , فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين , فكرهت أن أغبق قبلهما أهلاً أو مالاً، فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر - زاد بعض الرواة والصبية يتضاغون عند قدمي - فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرجت شيئًا لا يستطيعون الخروج. قال الآخر: اللهم كانت لي ابنة عم كانت أحب الناس إلي، فأردتها عن نفسها فامتنعت مني، حتى ألمت بها سنة ٌ من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه، فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، وتركت الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه، فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها وقال الثالث: اللهم استأجرت أجراء وأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب، فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال، فجاءني بعد حين فقال: يا عبد الله أد لي أجري، فقلت: كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق، فقال: يا عبد الله لا تستهزئ بي، فقلت: إني لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه،  فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون» [صحيح البخاري: 2272]

لطالما كنت أتساءل مع كل مرة أقرأ فيه هذا الحديث أو يذكره أحد أمامي: ماذا لو وقع أحدنا في موقف شبيه بموقف هؤلاء النفر الثلاثة؟ بماذا سيدعو الله تعالى حينها؟! وهل له من عمل خالص لوجه الله تعالى يدعو الله به عند الشدائد والملمات؟! وكم هي لحظات الصدق مع الله في  حياة كل واحد منا؟!

أسئلة كثيرة قد تكشف لأحدنا مدى افتقاره لتلك اللحظات الغالية الثمينة رغم الكم الكبير من أعماله وطاعاته في حياته، الأمر الذي ينبغي أن يدفعنا جميعا للاهتمام بالكيف مع الكم في العبادات والطاعات، فرب دينار أنفقه فقير في سبيل الله بصدق سبق ألف دينار أنفقها غني رياء ومفاخرة أو بدون إخلاص وصدق لله على أقل تقدير.

ومع الأخذ بعين الاعتبار كلام العلماء في صحة إسناد قصة استسقاء نبي الله موسى عليه السلام لبني إسرائيل، فإن فيها عظة وعبرة لا بأس بذكرها هنا في معرض الترغيب المشروع بفضيلة الصدق مع الله في أعمال القلوب، فقد ورد في القصة أن الله أوحى لنبيه موسى أنه لن يستجيب لهم حتى يخرج رجل منهم عبد يبارز الله منذ أربعين سنة بالمعاصي، فقام نبي الله مناديًا - بعد أن تكفل الله بإسماع الجمع لصوته - فقال: يا أيها العبد العاصي الذي يبارز الله منذ أربعين سنة ! اخرج من بين أظهرنا فبك منعنا المطر، فقام العبد العاصي فنظر ذات اليمين وذات الشمال فلم ير أحدًا خرج فعلم أنه المطلوب فقال في نفسه: إن أنا خرجت من بين هذا الخلق افتضحت على رؤوس بني إسرائيل، وإن قعدت معهم منعوا لأجلي، فأدخل رأسه في ثيابه نادمًا على فعاله - في لحظة صدق واحدة – وقال  إلهي وسيدي! عصيتك أربعين سنة وأمهلتني، وقد أتيتك طائعًا فاقبلني، فلم يستتم الكلام حتى ارتفعت سحابة بيضاء فأمطرت كأفواه القرب. انظر كتاب التوابين لابن قدامة 1/50 .

لقد كانت لحظة صدق واحدة في حياة هذا الرجل العاصي التائب إلى الله كفيلة بتوبة الله عليه وقلب مسيرة حياته رأسًا على عقب، بل كان من ثمرات تلك اللحظة وبركاتها الغيث من الله تعالى بعد منع،  ليصبح من كان سببًا المنع هو نفسه سبب العطاء بعد لحظات صدق مع الله قليلة!!

لا يمكن حصر بركات وثمار لحظات الصدق مع الله في مقال، ويكفي أن نعلم أن المضطر الذي لا يجد في وقت الشدائد والملمات إلا الله تعالى ليدعوه فيستجيب له كما ورد في قوله تعالى: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} [النمل:62] إنما يُستجاب له بسبب حالة الصدق مع الله التي عادة ما تلازم المضطر.

 

د. عامر الهوشان