مركز مسبار ....العمامة الشيعية وختم الإدانة

منذ 2016-02-26



بقلم/ماجد الأسمري
 
 
"الناقد الحقيقي هو ذلك  الذي يستخدم مشرط الطبيب لا سكين الجزار"
 
هكذا قيل, لكن الناقد المسباري خالف ذلك العرف المهني واستباح ذلك التقليد الأخلاقي, فجعل يحمل سكين الجزار ويلاحق الجسد السني أينما سار, وظل يمارس معه أعلى وأشد حالات البتر والاستئصال والتمثيل, حتى غادر الجسد السني ذلك السرير معاقاً ,مشوهاً, فاقداً للحياة التامة, بينما  تناول ذلك الناقد مشرط الطبيب مع "الغول الشيعي" الأهوج! وتناوب على تطمينه والرتب على كتفه المليئة بالأورام الخبيثة, فعلا الموقف  من المكون الشيعي بكافة تجلياته  يمثل أمراً لافتاً لمن قام بعملية رصد سريعة لنتاج (مركز مسبار للدراسات والبحوث).
 
برنامج (حكاية حسن) الذي بثته قناة العربية، وعرضته بصيغة تبجيلية لحسن نصر الله, قادني إلى البحث عن خيط آخر يربط بين مركز بحثي شهير أحاطت سمعته الكثير من الشكوك, وبين ظاهرة النفوذ  الشيعي في المنطقة ,وبما أن الروح التي تدير المركز البحثي وكذلك القناة الفضائية  تعتبر روحاً واحدة, استهواني في البداية هدف البحث و العكوف على قراءة أكبر كم من نتاج هذا المركز المعتني بالقراءة المتحيزة ضد الحراك السني بكافة أطيافه، فالتيارات السلفية التقليدية والإخوانية والسرورية والتبليغية والجامية والجهادية ,كانت تحت المجهر المسباري، يحاول أن يستخرج ـ كما يزعم ـ الورم الخبيث الذي ذهب بالأمة إلى هذا السفول وهذه المرحلة المتأخرة في الأفق، العقل المسباري كان متحكماً بالموقف منذ البدء، لم يعطٍ نفسه جرعة من الموضوعية وهو ينبش في أرشيف الحراك السني ، لم يدع فرصة لتلك الوثائق والمستندات ان تتحدث عن نفسها على أقل التقديرات، كان الباحث المسباري حانقاً ومتواطئاً مع (اللاموضوعية) وهو يعلن في نتاجه البحثي عن أحكامه المسبقة التي كان يحتفظ بها لنفسه.
 
الباحث المسباري يتسم بعدد من المزايا  التي يستطيع القارئ الحاذق أن يفوز بملاحظتها من خلال تلك الإصدارات المتشابهة في الحكم والنتيجة مع وفرة الأسماء التي ذُيلت بها الأوراق البحثية وتنوع ديارهم, لكن الميزة الأهم أن الروح المسبارية كانت بارعة في احتضان الرؤى المختلفة و إعادة تشكيلها, وكانت بمثابة الشخصية القيادية التي تفوقت في إحكام وإتقان ثم إخراج الصورة النمطية المشوهة للحراك السني والسكوت وتنعيم الخشونة الشيعية في المشهد المعاصر, على سبيل المثال لا الحصر , في كتاب (الإسلام الأوربي) رصد الكاتب المسباري كافة الحركات المتزمتة في نظره, تلك الحركات الراديكالية التي كانت محضنا  للفكر المتطرف في الساحة الأوربية وهي (جماعة التبليغ, الديوبانديون, الإسلام الوهابي), ووصم الوهابية أنها الأشد راديكالية, لكنه لم يشر مطلقا  لأي تيار شيعي له وجود في أوربا الواسعة !!.
 
ومن الطريف والمخجل أن الباحث المسباري عندما تحدث عن الشيخ الألباني في  كتاب (السلفية الألبانية) وأراد الحديث عن (الفرق الهالكة) في نظر التيار الألباني, ذكر من تلك الفرق (الإخوان المسلمون, جماعة التبليغ, حزب التحرير, السلفية الجهادية!!).
 
الشيخ الألباني له العشرات من التقريرات الجلية في كون الشيعة فرقة هالكة ومنحرفة عن أصول السنة, لماذا تغافل عنها الباحث المسباري!! ورصد فقط التيارات الأخرى!!.
 
حتى تلك الحركات التي تحررت كثيرا في مواقفها وتقاطعت أحيانا مع الرؤية الليبرالية كحركة النهضة في تونس, كانت بالنسبة للروح المسبارية (ذات نظر قصير وحماسة غير مؤطرة وضعف في الرؤية الاستشرافية), كما في كتاب (من قبضة بن علي إلى ثورة الياسمين), وفي مواضع أخرى يصمها بأنها تراخت كثيرا حد التخادم مع التيار السلفي المتطرف التونسي.
 
 لكن المُدان الرئيسي دائما والمؤثر في الخارطة الإسلامية كان هو التيار السلفي, الذي يُصدر في حقه صك الاتهام تاماً  دون نقصان, ويذكر الباحث المسباري أسماء المتهمين اسماً اسماً, ولا يكتفي بالإدانة الإجمالية الباردة كما يفعل مع الآخرين, في دراسة (كيف ينظر الإسلاميون لبعضهم), اتهم الباحث المسباري العدد الأكبر والأغلب من السلفية بالتطرف وجعل يذكر الأسماء بالتفصيل (الشيخ ابن جبرين, العبيكان, علي الحذيفي, ناصر العمر), بينما لا تجد هذا التفصيل عند كلامه عن الشيعة.
 
وعند حديثه عن لبنان مثلا, وعن القوى الفاعلة في الحراك اللبناني, تناول الباحث المسباري الشيخ (داعي الإسلام الشهال الشيخ السلفي الأكثر شهرة في لبنان )بالنقد والتجني والتوبيخ وأنه الراديكالي الأول لكنه لم يشر لزعيم حزب الله( حسن نصر الله) من قريب ولا بعيد.
 
 التيار السني بكل تمظهراته كان محل إدانة على طاولة الباحث المسباري، اللغة المسبارية البحثية اتفقت على تخوين التيار السني الواسع وتشويه حقيقته, وجعله عنصر مباشراً في إفساد عدد من الملفات: (التعليم الديني ـ دور المرأة ـ التقريب بين المذاهب ـ الإرهاب والصراع - الإفتاء).
 
 ومن باب عقد مقارنة مختصرة ومحاولة لتقريب العدسة من حقيقة الأمر، سأسرد الآن جملة من القضايا التي كتبها الباحث المسباري وستكون منهج مقارنة بين الموقف السني والشيعي في أربعة محاور هامة.
 
 أولا:  محور التعليم الديني :
 
 في كتاب(صناعة المفتي), عندما ذكر الباحث المسباري في ورقة مستقلة التعليم الديني في الأزهر ساق بحثه في صيغة إدانة واستنكار وتثريب على تقليدية العقل الأزهري ,وتقليدية اللغة ,ونوعية الكتب, وصولاً إلى عملية انتقاء لمفردات وقعت عليها يد الباحث المسباري، فظل يُشهر بها، فمثلاً يذكر عن نماذج بعض الكتب المقررة أنه (قد يصاب المرء بالدهشة والحيرة، وهو يقرأ كتب الفقه المقررة على الطلاب بالمعاهد الأزهرية) ثم يصطاد مثالاً من  متن كتاب الروض المربع كقول المؤلف: (وأكثر مدة الحمل أربع سنين)، ثم فعل مثل ذلك المنهج مع كافة كتب المذاهب الفقهية الأخرى، وجعل يقول: (أن هذه المقولات والأحكام تخالف الاكتشافات العلمية) ويطالب الباحث المسباري بضرورة المراجعة والتجديد لكافة المنهج التعليمي الأزهري، ويرى أن كافة عمليات الإصلاح فشلت في تخليص الأزهر من نفقه المظلم، بينما عندما تكلم الباحث المسباري عن التعليم الديني الشيعي، وصف المنهجية التعليمية بصيغة تبجيلية خالية من اللوم والتقريع، ولم يمارس هواية انتقاء الأخطاء والشذوذات من بين أسطر الكتب الشيعية، بل على العكس ظل الباحث المسباري يمتدح خطوات الإصلاح والتطوير في أروقة التعليم الديني الشيعي ويرصد إنجازات المعممين الملحوظة ويصفها بلغة متفائلة حالمة وطموحة.
 
ثانياً: الموقف من المرأة:
 
الباحث المسباري لم يكترث كثيراً لملامسة الحقيقة وهو يعالج ملف المرأة. في هذا الملف كان سقوطاً مذلاً لدعوى البحث العلمي، المرأة في الخطاب السلفي على سبيل المثال تنحصر أدوارها في الإنجاب والأمومة فقط. كما تقول ريتا فرج في كتاب(الفتوى في الخليج):
 
(توتر العلاقة بين الإسلام الفقهي والانثوي أدى لاتساع الفجوة بين المرأة والدور الذي رسمه الفقهاء التقليديون أي دور الإنجاب والأمومة وتلبية حاجات الرجل الجنسية).
 
وعندما درس الباحث المسباري مركز(باحثات) المتخصص في دراسات المرأة ضمن كتاب(نساء الخليج واليمن), ذكر أن (باحثات) مركز إخواني يعمل على التضييق على  عمل المرأة السعودية ,بمعاونة بعض الحركيات .
 
 بينما عندما أراد العقل المسباري الحديث عن نساء حركة حزب الله المجندات  في لبنان، ذكر أن المرأة الشيعية(تتجلى المكانة التي تحظى بها الحركة النسائية في الاستقلال المؤسسي، وعدم وجود عوائق شرعية تحول دون القيام بأدوار مختلفة في المجال العام) ضمن كتاب النسوية الإسلامية.
 
هكذا يريد الباحث المسباري أن تكون المقارنة، مشاركة فاعلة وقوية في المجال العام للمرأة الشيعية المنخرطة في حركة عسكرية بينما في السعودية تكون المرأة مجرد جسد يقوم بتلبية حاجات الرجل الجنسية.
 
ثالثاً: التوغل الشيعي في الرقعة السنية:
 
العقل المسباري يحتقن من تسمية التبشير والتمدد الشيعي في البلدان السنية بالاختراق، ويرفض تلك التسمية بل يطلق عليها مصطلح(النهضة الشيعية)ذكر ذلك في كتاب(الخارطة التونسية بعد الثورة), أثناء حديثه عن التمدد الشيعي داخل تونس، وفي كتابه عن إندونيسيا كذلك لم يأبه كثيراً للتبشير الشيعي داخل أكبر دولة سنية، حيث يرى الباحث أن الخطاب الشيعي الفكري سيقفز فوق الأيدلوجيات, وسيمتلك قدرة عالية لاحتواء الأفكار المؤدلجة وسياستها العابرة للقارات وسيقدم قراءة ناضجة للمشهد الأندونسي.
 
رابعاً: أما عندما تناول المسباري ملف (الإرهاب وسوريا وحزب الله والروس) في أكثر من كتاب، وأكثر من موضع, ففي كتابه حزب الله، مهّد الباحث المسباري لنقده الهادئ بمقدمة عن الاتزان والموضوعية، تلك الموضوعية التي شنقت ومزقت أوصالها عند الحديث عن الجسد السني, قال: (حرص مركز المسبار وهو يقدم كتابه الخامس عشر عن حزب الله أن يقدم رؤية متوازنة لا تميل إلى هؤلاء وإلا هؤلاء), فلست أدري لماذا  اختص المركز حزب الله من دون كافة الحركات بالموضوعية والاتزان.
 
النقد كان هادئاً ولطيفاً وخالياً من التهور والتشنج والقذف بالحجارة الغليظة، لكن في مواضع عديدة من نتاجه المسباري، لم يكن حزب الله سوى مقاومة شريفة انتصرت على إسرائيل ذات يوم، وأما الصراع في سوريا فهو ليس سوى صراع طائفي فقط اشتركت فيه العديد من الحركات الإرهابية.
 
في كتابه عن الإرهاب، لم يكن حزب الله تحت الإدانة المسبارية، الإرهاب شمل عدد من الحركات وصولاً إلى (حزب الأمة الخليجي) الذي كان سبباً في الصراع السوري كما يدعي العقل المسباري، لكن حزب الله لم يكن أبداً سبباً في ذلك الصراع حتى داخل الأرض اللبنانية عندما يأتي الحديث عن الصراع الطائفي هنالك، يأتي الاتهام عنيفاً و حاسما نحو السنة، بينما ينال حزب الله غبار الاتهام من بعيد ويتحدث عن تطرف شيعي غير مسمى، لكن عندما تحدث عن السنة وصف الباحث المسباري (داعي الإسلام الشهال) بأنه راديكالي ويثير الفتنة ويتوهم الصراع.
 
 وفي ختام هذه القراءة اللاهثة التي ركضت في أروقة هذا المركز البحثي, محاولةً  رؤية الحقيقة المضمرة بين أسطر ذلك  الكم الهائل من النتاج المسباري , سيكتشف القارئ النابه أن العقل المسباري كان في قمة الدهاء وهو يباشر عملية التحيز في عمله البحثي لصالح الرؤية الشيعية -غالبا- حتى وهو يتحدث عن ظاهرة أهل السنة في إيران كان باحثا ذكيا لم يغفل عن ذكر تلك الانتهاكات الصفوية ضد أهل السنة في إيران , لكنه كان نقدا حقوقيا فحسب لم يشر للمجازر والإعدامات الهائلة التي يباشرها الصفويون ضد أهل السنة هناك , كان نقدا لطيفا يبحث فقط في حقوق أقلية لم تنل كما وافرا من العدل والمساواة والحريات .
 
طالما ذكر الدكتور عبدالله النفيسي في كثير من حواراته أن "السنة هم الأمة والشيعة هم الأقلية", لكن مركز مسبار البحثي  قصد بسوء صنيعه أن يقلب تلك المعادلة فكأن الشيعة أضحوا هم الأمة وغيرهم هم الأقلية.