أنسترد الأندلس أم نفقد أخريات !

منذ 2010-03-28

ها هي غزة الأبيَّة ترزح تحت نيران الظلم اليهودي بتأييد أمريكي أوروبي، وصمتٍ مريبٍ عربي؛ خيانة داخلية ومؤامرة خارجية؛ لقتل شعب مسلم كانت جريمته أنه اختار الإسلام، ورفض كل ما سواه {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

التاريخ يعيد نفسه:

ها هي غزة الأبيَّة ترزح تحت نيران الظلم اليهودي بتأييد أمريكي أوروبي، وصمتٍ مريبٍ عربي؛ خيانة داخلية ومؤامرة خارجية؛ لقتل شعب مسلم كانت جريمته أنه اختار الإسلام، ورفض كل ما سواه {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج: 8]!!

إن في التاريخ لعبرةً، وفي سقوط الأندلس ألف عبرة وعبرة؛ فالأيام دول والتاريخ يعيد نفسه، ولكن من يتعظ؟!


فتح الأندلس:

لقد فتح الله على المسلمين الأندلس عام 92 هـ على يد جيش من الأطهار، يقودهم طارق بن زياد -رحمه الله- بتوجيه من موسى بن نصير -رحمه الله-، وكان عدة الجيش اثنا عشر ألفا فقط؛ ولكنهم من ذوي الإيمان والهمة العالية، قال عنهم قائد جيش الكفار: "إن قوماً لا يـُدرى أمِن أهل الأرض، أم من أهل السماء قد وطئوا إلى بلادنا"!

فنصرَ اللهُ -عزّ وجل- المسلمين عام 92 هـ في شهر رمضان في معركة "وادي برباط"، ثم عبر موسى بن نصير -رحمه الله- في جيش قوامه ثمانية عشر ألفًا لمعاونة طارق بن زياد واستكمال فتح الأندلس (1).


نورُ الإسلام يُشرق على الأندلس:

لقد كان الفتح الإسلامي للأندلس نعمةً عظيمة على أهل الأندلس، بل على أوروبا كلها؛ إذ أوصل المسلمون لأهل هذه البلاد النورَ المعنويَ الخالد المتمثل في رسالة الإسلام، والنورَ الحسي المتمثل في الحضارة العظيمة التي أقاموها، والتي كان لها الفضل الأكبر في نهضة أوروبا الحديثة.

والنماذج الحضارية كثيرة سواء في مجال الأدب أو العلوم التجريبية؛ كالطب والجراحة، حيث برز ابن البيطار، وأبو القاسم الزهراوي وغيرهم، وفي الرياضيات حيث كان مسلمة المجريطي وغيره من الأساتذة في الحساب، والهندسة، والجبر، والميكانيكا؛ وفي الزراعة أدخل المسلمون القطن، وقصب السكر، والياسمين وغيرها مما لم يكن معروفا في أوروبا، وما زالت إسبانيا تنتفع بنظام الري الأندلسي القديم.

وفي مجال الصناعة لاسيما صناعة الورق والخزف والزجاج والبارود والقنابل؛ إذ كان المسلمون أول من استعملها، ثم نقلها الأوروبيون عنهم. ويضيق المقام عن التفصيل.


عهود مرت بها الأندلس:

هذه نبذة مختصرة عن الوضع السياسي لبلاد الأندلس من الفتح إلى السقوط:

أولًا؛ عهد الولاة:

وأعني به الولاة المعيـَّنين من قبل الدولة الأموية على بلاد الأندلس، وهذا العهد يمتد من الفتح الإسلامي حتى دخول عبد الرحمن الداخل الأندلس وتأسيس إمارة مستقلة عام 138 هـ.

ويمتاز هذا العهد بمحاولة التوسع في الفتوحات والجهاد، والإيغال في بلاد فرنسا، حتى إن جموع المجاهدين وصلت إلى طولوشة -أوتولوز كما تعرف اليوم-، بل قد وصلت إلى مدينة بواتييه -200كم جنوب باريس-، حيث قدَّر الله -هناك- هزيمة المسلمين في معركة "بلاط الشهداء"، وحرمت هذه الهزيمة أوروبا من نور عظيم كان سيعمها لو قدَّر الله للمسلمين النصر في تلك المعركة.

ويكفي أن أربعة من ولاة الأندلس استشهدوا في فرنسا، وهم: السمح بن مالك الخولاني، وعنبسة بن سحيم الكلبي، وعبد الرحمن الغافقي -قائد معركة بلاط الشهداء-، وعقبة بن الحجاج السلولي.


ثانيًا؛ عهد الإمارة:

ويبدأ بدخول عبد الرحمن الداخل فاراً من العباسيين، وإنشائه إمارة هناك حتى عام 316هـ، وهي سنة إعلان الخلافة في الأندلس على يد عبد الرحمن الناصر.

ويمتاز هذا العهد بإقامة تنظيمات إدارية وعسكرية متممة للعهد الذي قبله، مع العناية بالثغور والأساطيل، ونمت في هذا العهد العلوم، واتسعت المعارف، وزاد الاهتمام بالكتب والمكتبات، وأصبحت الأندلس في هذا العهد منارة ثقافية في العالم.

ومن معالم هذا العهد المهمة قيام عدد من الممالك الإسبانية في شمال الأندلس نتيجة تجمع لفلول المنهزمين أمام المسلمين، وكان لهذه الممالك دور كبير في تقويض الإسلام في الأندلس بعد ذلك، وتلك الممالك الإسبانية هي ليون، وقشتالة، ونبارة.


ثالثًا؛ عهد الخلافة:

ويبدأ من إعلان عبد الرحمن الناصر الأندلس خلافة، وذلك عام 316هـ حتى عام 400هـ؛ وهو عهد ملوك الطوائف.
وتتشابه كثير من معالم هذا العهد بمعالم عهد الإمارة السابق، ويمتاز هذا العهد بكثرة هجوم المجوس الإردمانيين "النورمان" على سواحل الأندلس، وبإنشاء كثير من المساجد العظام، وبعض المدن والموانئ، ووصل النشاط العلمي إلى غايته في هذا العهد.
ولقد انتهت هذه الخلافة بموت المستنصر عام 366هـ، وورثته الدولة العامرية التي حكمت الأندلس باسم الخلافة.


رابعا؛ عهد الطوائف:

ويمتد من عام 400هـ إلى عام 484هـ، حيث عاشت الأندلس -بعد ذهاب الخلافة وانتهاء حكم أسرة بني عامر- سنوات صعبة من الفرقة والتنافس، وحاول عدد من المسئولين المخلصين -حتى عام 422 هـ- استمرار وحدته وإعادة خلافته، وبذلوا في ذلك الجهود الكبيرة دون جدوى.
فانتابت الأندلس حالة مريعة تبعث على الأسى، عندما بدأ قيام الطوائف حين تصدَّع بنيان ذلك الصرح الشامخ، وأعلن أهل قرطبة، وعلى رأسهم أبو الحزم جهور بن محمد بن جهور إلغاء الخلافة، وضمت هذه الحكومة عددا من المدن الأندلسية المتوسطة، مثل: جيان، وبياسة من شمال قرطبة حتى حدود ولاية غرناطة، بعدها قامت -في عدد من مناطق الأندلس- ممالك، أو دويلات مستقلة يحكم كلا منها أمير مستقل عن غيره من الأمراء.

وهذه الدويلات هي طليطلة، وبطليوس، وغرناطة، وقرطبة، وإشبيلية، وسرقسطة، وبلنسية.


خامسًا؛ عهد المرابطين:

ويبدأ من عام 484هـ -وهي السنة التي أتم المرابطون فيها خلع ملوك الطوائف الذين كانوا قد استنجدوا بالمرابطين ضد الفرنجة- وينتهي بحلول الدولة الموحدية مكان المرابطين عام 540هـ.

ويمتاز عهد المرابطين بكثرة النجدات للأندلس، وبالمعارك الحاسمة القوية لصالح المسلمين. واستمرت الحركة العلمية والفكرية في هذا العهد قوية إلى حد كبير.


سادسًا؛ عهد الموحدين:

وهم الذين ورثوا المرابطين في الأندلس، علماً بأن مركز المرابطين والموحدين هو المغرب الأقصى، واستمر الموحدون في هذا العهد في الجهاد ضد الفرنجة، وحدثت معارك حاسمة. وهذا العهد يبدأ من عام 540هـ، وينتهي عام 620 هـ.


سابعًا؛ مملكة غرناطة:

وهي التي بقيت تجاهد الصليبيين الإسبان قرابة قرنين ونصف حتى سقطت عام 897 هـ، ويمتاز هذا العهد باستنجاد أهل غرناطة ببني مرين حكام المغرب وارثي الموحدين، وحدوث عدة معارك بين المسلمين والصليبيين.

سقوط المدن الأندلسية تباعاً وأسباب ذلك:

حصل للأندلسيين ضعف شديد وذلة منذ أواسط القرن الخامس، وصاروا يهادنون ملوك إسبانيا الشمالية ويدفعون لهم الجزية، حتى إن المعتمد بن عباد -وهو أعظم ملوك الأندلس- كان يدفع جزية سنوية إلى الأذفونش -ألفونسو-، ونتج عن هذا الضعف والتفكك سقوط المدن تباعاً في أيدي الصليبيين.

وأما أسباب السقوط فأوجزها بما يلي:

أولا؛ تعدد الإمارات وعداوة بعضها لبعض:

كانت مدن الجزيرة الأندلسية درراً منتظمة في سلك واحد، وواسطة العقد الأمير أو الخليفة، ثم انفرط هذا العقد، وصدأت جواهره، فدب الخلاف، وعمت العداوة بين أمراء المدن الذين أعلنوها إمارات مستقلة، ولدت ميتة قبل موتها.
ولم تزل هذه الجزيرة منتظمة لمالكها في سلك الانقياد والوفاق، إلى أن طما بمترفيها سيل العناد والنفاق، فانحاز كل رئيس منهم بصقع كان مسقط رأسه، وجعله معقلا يعتصم فيه من المخاوف بأفراسه، فصار كل منهم يشن الغارة على جاره، ويحاربه في عقر داره، إلى أن ضعفوا عن لقاء عدو في الدين يعاديهم.


ثانيا؛ الخلاف:

وهو ما حذر منه الله -تعالى- بقوله: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} [آل عمران: 105].

وفي قوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103] ، دلالة واضحة على وجوب الاجتماع، وليس أدلُ على مغبة الاختلاف وعاقبته الوخيمة من الخلاف على السلطة في عهد الطوائف؛ حيث تعددت الخلافة وكثرت الممالك، وتفرقت الكلمة، وصار في الأندلس عدة ملوك، إذ اجتمع في نفس الوقت أربعة يدعون بأمير المؤمنين في رقعة من الأندلس مقدار ما بينهم ثلاثون فرسخا -الفرسخ: ثلاثة أميال- في مثلها، وغلب على كل قطر متغلب، منهم من تسمى بالمأمون، ومنهم من تسمى بالمعتمد، وآخر بالمتوكل، حتى قال الحسن بن رشيق:



مما يزهدني في أرض أندلسٍ سـمـاعُ مـعـتصـمٍ فـيها ومُعـتـَضِـدِ

ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها كالهِرِّ يَحكي انتفاخاً صولةَ الأسدِ

 

فاتحاد السلطة في مثل هذه الأوطان واجب قياساً وسماعاً، وتعدد الخلافة في مثل هذه المسافة غير جائز إجماعاً.


ثالثا؛ المعاصي والترف:
 

وهذان داءان لا دواء لهما إلا الاستقامة على الشرع، وهذا كان أمراً لا يتوافر لأمراء ذلك الوقت، ولم تزل المعاصي والترف من أسباب هلاك الأمم، وما أصدق قول ابن تاشفين حين برر سبب دخوله الأندلس:
"إنما كان غرضنا في ملك هذه الجزيرة أن نستنقذها من أيدي الروم -الإسبان- لما رأينا استيلاءهم على أكثرها وغفلة ملوكهم -أي الأندلسيين- وعمالهم -أي نوابهم- عن الغزو وتواكلهم وتخاذلهم، وإيثارهم الراحة، وإنما همة أحدهم كأس يشربها، وقنينة -مغنية- تـُسمعه، ولهو يقطع به أيامه، ولئن عشت لأعيدن جميع البلاد التي تملكها الروم في طول هذه الفتنة للمسلمين، ولأملأنها عليهم خيلا ورجالا لا عهد لهم بالدعة -الراحة-، ولا علم عندهم برخاء العيش وإنما همُّ أحدهم فرس يروضه ويستنفره، أو سلاح يستجيده، أو صريخ يلبي دعوته".


رابعا؛ إهمال أمر الجند:

إذ الجند عماد المعركة، وإهمالُ أمرهم، وعدمُ الاهتمام بتسليحِهِم وتدريبِهم وزيادةِ عددهم خيانةٌ لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- وللمؤمنين، كيف لا وقد قال تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60]؟!

ولقد قصـَّر حكام الأندلس في هذا المجال كثيراً، فهذا أبو الحسن أمير غرناطة قد ضَيَّع الجند، وأسقط كثيراً من نجدة الفرسان، ووزيره يضبط المغارم ويثقلها، ويجهل كل من فيه نجدة وشجاعة من الفرسان، ويقطع عنهم المعروف والإحسان، حتى باع الجندُ ثيابهم وخيلَهم وآلة حربهم، وأكلوا أثمانها، وقتلَ كثيراً من أهل الرأي والتدبير، والرؤساء، والشجعان من أهل الأندلس وحصونها.

وفي معركة العقاب يذكر الذهبي -رحمه الله- أن أكبر أسباب الهزيمة غضب الجند من تأخر عطائهم.


خامسا؛ تجمع جيوش الكفر على المسلمين:

ففي وقعة العقاب سار "ألفونسو" في أقصى الممالك يستنفر عباد الصليب، فاجتمعت له جيوش ما سمع بمثلها، ونجدته فرنج الشام، وعساكر قسطنطينية، وملك "أرغون" البرشلوني.


سادسا؛ بطء نجدة المسلمين لإخوانهم:

فقد كان وصولها بعد سقوط المدينة، أو أنها لا تصل على الإطلاق، إذ من يتصور -أخي القارئ- أن تحاصر طليطلة سبع سنوات كاملة دون أن ينجدها أحد حتى تسقط، وهذه بلنسية تحاصر عشرين شهراً حتى أكل الناس الفئران، والكلاب، والجيف، ووصل بهم الأمر إلى أن من مات منهم أكلوه، ثم سقطت بعد ذلك.

ثم إن أهل بلنسية استغاثوا بصاحب تونس أبي زكريا ابن أبي حفص، ولكنه قدم متأخرا.

ووجه بعد ذلك الأمير يوسف بن تاشفين من فتحها مرة أخرى، ثم سقطت سقوطها الأخير بعد ذلك.

وهذه سرفسطة تحاصر سبعة شهور، وقيل: تسعة شهور.

وأشبيلية سقطت بعد أعمال حربية استغرقت عدة سنوات وحصار لمدة سنة ونصف.

وقال ابن العربي -رحمه الله-:

"ولقد نزل بنا العدو -قصمه الله تعالى- عام 527هـ، فجاس ديارنا، وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا، فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله قد حصل في الشبكة فلتكن عندكم بركة، ولتكن منكم إلى نصرة الدين المتعينة عليكم حركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع الأقطار فيحاط بهم فإنه هالك لا محالة، فغلبت الذنوب، ورجفت بالمعاصي القلوب، وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره -جحره- وإن رأى المكيدة بجاره، فإنا لله وإنا إليه راجعون".


سابعا؛ مراوغة الإسبان لحكام المسلمين وأخذهم إياهم بالحيلة والخداع والمكر:

وغفلة المسلمين شعوباً وحكاماً عما يراد بهم، ومن استقرأ التواريخ المنصوصة، وأخبار الملوك المقصوصة، علم أن النصارى -دمرهم الله تعالى- لم يدركوا في المسلمين ثاراً، ولم يخربوا من الجزيرة منازل ودياراً، إلا بعد تمكينهم لأسباب الخلاف، وتضريبهم بالمكر والخداع بين ملوك الجزيرة، وتحريشهم بالكيد والخِلابة -أي الخداع- بين حماتها في الفتن المبيرة -المهلكة-.


ثامنا، ضعف عقيدة الولاء والبراء عند كثير من الحكام الأندلسيين:

وهناك أمثلة تخرج عن حد الحصر، ولكني سأورد بعضها مما يـُبكي ويـُنكي:

أ- أراد ملك طليطلة المأمون أن يستنجد بالفرنجة على تملك مدائن الأندلس، فكاتب طاغيتهم أن تعالَ في مائة فارس والملتقى في مكان كذا، فسار في مائتين وأقبل الطاغية في ستة آلاف وجعلهم كميناً له، وقال: إذا رأيتمونا قد اجتمعنا فأحيطوا بنا، فلما اجتمع الملكان أحاط بهما الجيش، فندم المأمون وحار، فقال الفرنجي: "يا يحيى -وهو اسم المأمون- وحق الإنجيل كنت أظنك عاقلا، وأنت أحمق، جئت إلي وسلمت مهجتك بلا عهد ولا عقد، فلا نجوت مني حتى تعطيني ما أطلب، قال: فاقتصد، فسمى له حصوناً وقرر عليه مالاً في كل سنة، ورجع ذليلاً مخذولاً، وذلك بما قدمت يداه".

ب- وهذا محمد بن يوسف بن هود سلطان الأندلس قام عليه شعيب بن هلالة بـ"لبْلـَة" فاتفق ابن هود مع ألفونسو على محاصرة لبلة ومعاونته على أن يعطيه قرطبة، واتفقا على ذلك، وقال له: لا يسوغ أن يدخلها الفرنج على البديهة، وإنما تهمل أمرها وتخليها من حرس، ووجه أنت الفرنج يتعلقون بأسوارها بالليل ويغدرون بها ففعلوا ذلك.

ووجه ابن هود إلى واليه بقرطبة فأعلمه بذلك وأمره بضياعها من حيز الشرقية، فجاء الفرنج فوجدوه خاليا فجعلوا السلالم واستولوا على السور، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وكانت قرطبة مدينتين إحداهما الشرقية، والأخرى المدينة العظمى، فقامت الصيحة والناس في صلاة الفجر، فركب الجند وقالوا للوالي: اخرج بنا للملتقى فقال: اصبروا حتى يضحى النهار!! فلما أضحى ركب وخرج معهم، فلما أشرف على الفرنج قال: ارجعوا حتى ألبس سلاحي!! فرجع بهم وهم يصدقون، وذا أمر قد دبر بليل، فدخل الفرنج على إثرهم وانتشروا وهرب الناس إلى البلد، وقتل خلق من الشيوخ والولدان والنسوان، ونهب للناس ما لا يحصى، وانحصرت المدينة العظمى بالخلق فحاصرهم الفرنج شهورا، وقاتلوهم أشد القتال، وعدم أهلها الأقوات، ومات خلق كثير جوعا، ثم اتفق رأيهم مع أذفونش -لعنه الله- على أن يسلموها ويخرجوا بأمتعتهم كلها، ففعل ووفى لهم ووصلهم إلى مأمنهم في سنة أربع وثلاثين وستمائة.

هكذا -أخي المسلم- تباع البلاد لقاءَ غاياتٍ رخيصة، وطلبا لمطامعَ دنيئة؛ حتى فقد الناسُ الثقة في حكامهم وقادتهم، ويتضح هذا من خلال هذا النص:

"حين استشهد حاكم سَرَقـُسْطة أبو جعفر أحمد المستعين بالله عام 503هـ، وخلفه ابنه أبو مروان عبد الملك عماد الدولة، بايعه الناس بسَرَقـُسْطة بعد ما اشترطوا عليه ألا يستخدم الروم ولا يتلبس بشيء من أمرهم".


محاولات إصلاحية

قد يسأل سائل: ألم يكن هناك دعاة لدين الله -تعالى- يحذرون الحكام المسلمين من الخلاف، وينبهونهم إلى ما سيحل بهم من العقاب؟

وهذا سؤال في محله، والجواب: بلى كان هناك دعاة إلى الاجتماع والاتحاد، ولكن الحكام لم يكونوا متعاطفين مع تلك الدعوة؛ لأنه معناها التنازل عما هم فيه من الترف والنعيم، والتسليم لخليفة واحد لا يرضونه، ولا يريدون حكمه، هذا مع ما جبلت عليه نفوسهم من حب المعاصي، والخيانة، وتذبذب الولاء والبراء، كما بينت سابقا.

هاهو الفقيه أبو الوليد الباجي يضرب مثلا مضيئا للدعاة؛ فاستمر في دعوتهم إلى الحق ما يقرب من 13 عاما، حتى توفي عام 474هـ قبل تمام غرضه -رحمه الله-.

وغيره من العلماء كذلك، منهم: ابن حزم -رحمه الله-، وابن عبد البر -رحمه الله-، وغيرهم.


توبة مطلوبة:

كان الأمير المعتمد بن عباد يرسل "الجزية" إلى ألفونسو عندما مَلَك طليطلة، ثم زاد تجبر ألفونسو واستهزاءه بالإسلام والمسلمين؛ فكانت نوبة استفاقة من المعتمد وغضبة للإسلام، وراسل ابن عباد السلطان المرابطي يوسف بن تاشفين ليعبر إليه؛ نصرة للمسلمين في الأندلس، ولما علم ذلك ملوك الطوائف لاموا ابن عباد وحذروه من ذهاب ملكه -نعوذ بالله من الخذلان-، وإنما كان هم أحدهم ملكه وكرسيه، وليذهب الإسلام والمسلمين إلى...

فقال ابن عباد قولته المشهورة: "رعي الجمال خير من رعي الخنازير"، أي أنه يرضى أن يكون تابعا للمسلمين "المرابطين" ولا أن يكون ذليلا للنصارى، فهل يفقه القوم؟!

ولما كانت التوبة من المسلمين صادقة، والنصرة من إخوانهم حقيقة، قدر الله -عز وجل- لهم الفوز في معركة "الزلاقة" في رمضان عام 479هـ، وذكر العلماء أن من نتائج هذه المعركة تأخر سقوط الأندلس أربعة قرون أخرى بقدر الله -عز وجل-.

وكما كانت هناك نماذج طيبة من الاستجابات الإسلامية للصرخات الأندلسية كان هناك أيضا -وللأسف- خيانات مشينة، وما يؤتى الإسلام إلا من قـِبل الخيانة.

فمن ذلك خيانة بعض ملوك المغرب للمسلمين الأندلسيين "الموريسيكيون" وهم الذين أظهروا التنصر خوفا من محاكم الإبادة التي كانت تقام لهم؛ فقد استغاث "الموريسيكيون" بالمأمون، وذلك أن المسلمين لما كانوا في بلاد النصارى أعلمه رئيسهم بأن جلهم في الجيش، وأنهم مستعدون، وأنهم أقوام كثيرون نحو ثمانية آلاف رجل يقومون على النصارى، ويستندون في قيامهم عليهم ظنا منهم أنه مسلم ينصر المسلمين ويعينهم، ففضح بسرهم عند سلطان النصارى، وأراد أن يحرق جموعا منهم، فتشفع فيهم لأجل صداقته له، واستشار فيهم فأشار عليه أن يخرجهم من أرضه فكان الأمر كذلك.

وأما خيانته الثانية فكانت تسليم مدينة العرائش المغربية إلى الإسبان عام 1610م مقابل ألف دوكا، وقد كانت مرفأ بحريا مهما لعمليات الجهاد البحري الذي كان يقوم به "الموريسيكيون" ضد النصارى، بالإضافة إلى أنها كانت ملجأ لعدد من "الموريسيكيين" الذين قرروا الاستقرار بالمنطقة.

وووصل به الأمر في الأخير إلى أن أسرى المسلمين كانوا يفرون من طنجة، وقد كانت بيد النصارى فيعيدهم إليها، وكانت عاقبة أمره خسرا فقد قتله مجاهدو تطوان عام 1613م - 1022هـ.

فكم في الإسلام اليومَ من أندلسٍ تستغيث المسلمين، وما من مجيب!

العراق، وأفغانستان، وكشمير، والفلبين، وفلسطين، وما أدراك ما فلسطين؟! الأرضُ المباركة حول مسرى النبي -صلى الله عليه وسلم-، لا يزال أهلُها في رباط حتى قيام الساعة، وفيهم الطائفة المنصورة -بإذن الله عز وجل-.

فعسى أن يعتبر المسلمون ويعلموا حق إخوانهم في النصرة.

وعسى أن يرتدع الخائنون ويتوبوا إلى ربهم قبل الحسرة. اللهم انصر الإسلام، وانصرنا بالإسلام، وانصر الإسلام بنا.


مصادر:

- استجابات إسلامية لصرخات أندلسية.

- الأندلسيون وهجراتهم إلى المغرب.

- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الهوامش

(1) وليس أنه غار من طارق بن زياد، وأراد أن ينسب الفخر لنفسه، كما يدعي المستشرقون.

 

المصدر: سيد عبد الهادي