خطب مختارة - [94] الزكاة

منذ 2016-04-13

نتذاكر في هذه الخطبة شيئا من أحكام هذه الزكاة ، لنتعبد له بها على بصيرة. الزكاة تعرف بأنها حق مقدر شرعا في أموال معينة يخرج تعبدا لله في وقت وجوبه لطائفة مخصوصة

الخطبة الأولى:

أما بعد: فعلينا أن نتقي الله وأن نؤدي ما أوجب الله علينا فيما رزقنا الله سبحانه، فقد أخرجنا الله من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، ولا نملك لأنفسنا ضرًا ولا نفعًا، ولا نملك دينارًا ولا درهمًا، ثم يسَّر لنا الرزق ، قال تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا} [هود: 6] .

فعلينا أنْ نشكرَ الله على نعمه، ونؤديَ ما أوجب الله علينا لإبراء ذممنا وتطهير أموالنا، ونحْذرَ من الشُّحِّ والبخلِ بما أوجب الله علينا، فإنَّ فيهما هلاكَنا ونَزْعَ بركة أموالنا، وإن أعظم ما أوجب الله علينا في الأموال الزكاة التي هي ثالث أركان الإسلام وقرينة الصلاة في محكم القرآن، وقد جاء في منعها والبخل بها الوعيدُ بالعذابِ الأليم، قال الله تعالى: { وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180]، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34، 35]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:  «من آتاه الله مالاً فلم يؤدِّ زكاته مُثِّل له شجاعًا أَقْرَعَ -وهي الحية الخالي رأسها من الشعر لكثرة سمّها- له زبيبتان يطوِّقُه يوم القيامة، يأخذ بلهزمتَيه -يعني شدقيه- يقول: أنا مالك أنا كنـزك» [صحيح النسائي: 2481]، ويقول صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها – يعني الزكاة - إلا إذا كان يوم القيامة صُفِّحت له صفائحُ من نار ؛ فأحمي عليها في نار جهنم ؛ فيُكْوَى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه، كلما بردت أُعيدت ؛ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يُقْضَى بين العباد» [صحيح مسلم: 987]). إن ذلك العذاب ليس في يوم أو شهر أو سنة، ولكن في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فما قيمة الأموال التي نبخل بزكاتها؟! وما فائدتها إذا كانت نقمةً علينا وثمرتُها لغيرنا ؟! .

إخوة الإسلام، نتذاكر في هذه الخطبة شيئا من أحكام هذه الزكاة ، لنتعبد له بها على بصيرة. الزكاة تعرف بأنها حق مقدر شرعا في أموال معينة يخرج تعبدا لله في وقت وجوبه لطائفة مخصوصة.

وهذه الأموال المعينة التي تخرج فيها الزكاة هي: بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، والنقدان الذهب والفضة، وألحقت بها الأوراق النقدية المعاصرة، وعروض التجارة، والخارج من الأرض من الحبوب والثمار.

وكل صنف من هذه الأموال التي تزكى له أحكامه، فالذهب والفضة تزكى على أي حال كانت، أما الحلي الملبوس من قبل النساء فقد اختلف أهل العلم فيه؛ والأكثر على عدم زكاته طالما يُلبس، والأحوط زكاته، أما ما لا يلبس من الحلي وإنما يدخر فالأقوى وجوب زكاته.

ولا تجب الزكاة في الذهب والفضة حتى يبلغا النصاب، فنصاب الذهب عشرون مثقالاً، ومقداره بالجرامات خمسة وثمانون جرامًا تقريبا، أما نصاب الفضة فمائة وأربعون مثقالاً، ومقداره بالجرامات 595 جراما. والواجب فيهما ربع العُشر.

وتجب الزكاة أيضًا في الأوراق النقدية التي يتعامل بها الناس اليوم، لقيامها مقام الذهب والفضة في الثمنية والبيع والشراء إذا بلغت قيمتها نصاب الذهب أو الفضة وحال عليها الحول. وتزكى بإخراج ربع العشر ( 2.5 % )؛ وبطريقة سهلة يُقسم المبلغ المراد زكاته على رقم أربعين؛ والناتج هو الزكاة.

كما تجب الزكاة في الديون التي للمسلم على الناس، فيزكِّيها كلَّ سنة إن كان واثقا من سداد المقترض، أما إن كانت الديون على فقير أو مماطل فلا زكاة على من هي له حتى يقبضها فيزكيها عن سنة واحدة إذا كان قد مضى عليها أكثر من عام.

وتجب الزكاة في عروض التجارة، وهي كل ما أعده مالكه للبيع تكسبًا وانتظارًا للربح من نقود أو عقار أو أثاث أو سيارات أو مكائن أو أقمشة أو غيرها، فتجب عليه الزكاة فيها، وهي ربع عُشر قيمتها عند تمام الحول، فإذا تم الحول وجب عليه أن يُثمِّن ما عنده من العروض ويخرج ربعَ عشرِ قيمتِها سواء كانت القيمة مثل الثمن الذي اشتراها به أم أقل أم أكثر، فإذا اشترى سلعًا للمتاجرة بها بعشرة آلاف ريال مثلاً وكانت عند الحول بعد مضي سنة كاملة تساوي قيمتها عشرين ألف وجب عليه زكاةُ عشرين ألف، وإذا كانت لا تساوي بعد الحول إلا خمسة آلاف لم يجب عليه إلا زكاة خمسة آلاف.

وبهيمة الأنعام إذا كانت سائمة وبلغت النصاب فتزكى كما هو التفصيل في زكاة بهيمة الأنعام، وأما إذا كانت للبيع والتجارة فتزكى زكاة عروض تجارة. 

ولا زكاة في المال الواجب زكاته حتى يحول عليه الحول في مثل النقدين الذهب والفضة؛ والأوراق النقدية وعروض التجارة والسائمة من بهيمة الأنعام، وحول نتاج بهيمة الأنعام ونتاج عروض التجارة حول أصلها.

وتقديم الزكاة لا بأس به وهو الأفضل، خاصة إن قدمها في وقت الحاجة أو الوقت الفاضل كرمضان وعشر ذي الحجة .

وإذا كان المسلم يملك المال شيئًا فشيئًا كالرواتب الشهرية فلا زكاة على شيء منها حتى يحول عليه الحول، وإذا كان يشق عليه حساب ذلك فله أن يحدد وقتًا محددا في السنة يخرج زكاة كل ما لديه، فيكون ما تم حوله زُكِّي في وقته، وما لمْ يتمَّ حولُه فقد أُدِّيَتْ زكاتُه، ولا يضرُّ تعجيلُ الزكاة بل هو أربح وأسلم.

وإذا كان للمسلم عقارٌ أو سيارةٌ أو آلات ليست للبيع؛ وإنما يستخدمها أو يؤجرها فلا زكاة فيها، وإنما الزكاة في أجرتها إن أجّرها إذا حال عليها الحول، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» [صحيح مسلم: 982].

نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يبارك لنا فيما رزقنا، وأن يقيَنا شح أنفسنا.أقول ما سمعتم، وأستغفر الله.

الخطبة الثانية:

على كل مسلم أن يعلم أن الزكاة فرض واجب، ولا تبرأ منها الذمة حتى تُوضع في الموضع الذي عيّنه الله -عز وجل- في كتابه الكريم في الأصناف الثمانية: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60]، فلا يجوز للمسلم أن يحابي ويجامل فيها أحدًا ممن لا يستحقها. ولا بُدَّ فيها من الإخلاص لله رب العالمين، فلا يكون فيها رياءٌ ولا سمعةٌ ولا منّةٌ ولا أذى أو ترفّعٌ على الفقراء والمساكين، فهي حَقٌّ لهم في ذلك المال، يجب على المسلم أن يدفعها لهم دون منٍّ ولا أذى، خالصة لله من كل شائبة تشوبها لئلا يَحبط عملُ المسلم وأجره بذلك.

ولا يجوز أن تُصرف الزكاةُ في غير الأصناف الثمانية المذكورة في الآية؛ كشراء مصاحف أو بناء مساجد وتأثيثها أو غيرها من المشاريع الخيرية وإنما هذه تعطى من صدقات التطوع.

ولا تحل الزكاة لغني ولا لقوي مكتسب، وإذا أعطاها المسلم شخصًا اجتهد وغلب على ظنه أنه مستحق وتبيّن أنه غير مستحق أجزأت عنه، والإثم يكون على ذلك الذي أخذها وهو لا يستحقها وهو يعلم أنها زكاة. ويجوز أن يدفعها المسلم إلى أقاربه الذين لا تجب نفقتهم عليه إن كانوا مستحقين لها، بل هو بذلك يجمع بين الصدقة والصلة.

                                                                                  

المقال السابق
[93] الرشوة
المقال التالي
[95] الزلازل نذر