خطب مختارة - [93] الرشوة

منذ 2016-04-13

طوبى لمن أكل طيبًا وعمل في سنة، طوبى لمن حَسُنَ تعامله وعفَّ في طعمته، حفظ الأمانة وصدق في الحديث، وأمِنَ الناس بوائقهُ

الخطبة الأولى:

أيها المسلمون، تبتلى الأمم في أيام محنتها وانتقاص أطرافها وضعف نفوس أبنائها بأمراض كثيرة، تضعف شأنها، وتقوض صفاء عيشها وطمأنينة مسيرتها وسلامة طرق الكسب فيها، وتقضي على حياتها. وإن من شر ما تصاب به الأمم في أهلها وبنيها أن تمتد أيدي فئات من عُمَّالها وأصحاب المسؤوليات فيها إلى تناول ما ليس بحق. فبتقديم المال والمنافع لهم يخدمون الآخرين، إنها الرشوة التي يتعامون عن حرمتها بتسميتها بغير اسمها، حتى صاحب الحق عندهم لا ينال حقَّه إلا إذا أعطاهم.

أيها الإخوة: وفي قراءة تاريخ الأمم: لقد نعت الله قومًا من قبلكم وأخبر بأن {لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة:41]، إنهم اليهود، وصفهم بأوصاف منها أنهم: {أَكَّـٰلُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة:42]. إن أقوامًا يأكلون أموال الناس بالباطل لقوم طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وانطفأت جذوةُ الإيمان في صدورهم، وثقلت عليهم التكاليف وكرهوا الشرائع، فأحبوا الكذب، وألفوا الزور وسمعوه وسعدوا به، وكرهوا الحق، ونبذوا الصدق. هذه طبيعة القلوب حين تفسد، والأرواح حين تُظلم، تحب الباطل والزور.

لا تسل ـ عافاك الله ـ عما ينجم من الأضرار التي لا حصر لها من أكل السحت وبذل الرشاوى؛ فالكرامة ضائعة، والحقوق مهضومة، والنبوغ مقبور، والجد مدفون، والغيرة على مصالح الأمة مضمحلة. والأمانة في خدمتها غائبة، وتقدير المخلصين متلاشٍ. الرشوة خيانة عند جميع أهل الأرض، وهي في دين الله أعظم إثمًا وأشد مقتًا: «لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي» [مسند أحمد: 11/47].

إنها تُخفِي الجرائم، وتزيف الحقائق. بالرشوة يُفلت المجرم ويدان البريء، بها يفسد ميزان العدل الذي قامت به السموات والأرض، وقام عليه عمران المجتمع، هي معول هدّام للدين والفضيلة والخلق.

والرشوة تلبس عند أهلها ثيابًا مستعارة، فتأخذ صورًا متلونة، سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص أوفي المؤسسات والشركات، فهذه هدية وتلك إكرامية، وهذه محاباة في بيع أو شراء، وذلك إبراء من الدين. والصور في ذلك لا تتناهى. بهدف طمسٍ لحق أو سكوتٍ على باطل، وتقديم لمتأخر وتأخير لمتقدم، ورفع لخامل، ومنع لكفءٍ، وتغيير للشروط، وإخلال بالمواصفات، وعبث بالمناقصات، وتلاعب في المواعيد، وغير ذلك.

فالراشي والمرتشي والرائش الوسيط بينهما متعاونون على تضييع الحقوق، ويروجون لأكل أموال الناس بالباطل، ويزرعون السيئ من الأخلاق، وهم ملعونون على لسان رسول الله صى الله عليه وسلم، مطرودون من رحمة الله، ممحوق كسبهم، زائلة بركته، خسروا دينهم وأضاعوا أمانتهم، استسلموا للمطامع، واستعبدتهم الأهواء. وأغضبوا الرب، وخانوا الإخوان، وغشوا الأمة، في نفوس خسيسة وهمم دنيئة.

كم من مظالم انتهكت، وكم من دماء ضيعت، وكم من حقوق طمست، ما أضاعها وما طمسها إلا الراشون والمرتشون فحسب من ظُلِم الله الذي لا تنام عينه، وويل لهؤلاء مما عملت أيديهم وويل لهم مما يكسبون.

أيها الإخوة، الرشوة فخ المروءة، ومصيدة الأمانة، وغرق الديانة وحبائل الشرف. بفشوِّ الرشوة تصاب مصالح الأمة بالشلل، وعقول النابغة بالقصم، ومواهب المفكرين بالجمود، وجهود العاملين بالفتور وعزائم المجدين بالخور.

أي خير يرجى في قوم مقياس الكفاءة فيهم ما يَتزلف به المرءوس لرؤسائه من قرابين؟! وأي إنتاج يرتجى لأعمال لا تسير عندهم إلا بعد هدايا الراشين والمرتشين؟!. وإنك لترى في المفتونين من هؤلاء من يزعم أنه ذو شطارة ودهاء، وقد عمي عمَّا أصابه من الأرزاء وتعب النفس والقلب وإيذاء عباد الله والاستغراق في الحرام، ألا إنهم هم الخاسرون.

ألا فاتقوا الله رحمكم الله، واحذروا من أكل السحت، فإنه منـزوع البركة، عاقبته سيئة في الدنيا والآخرة. أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

الخطبة الثانية:

أخرج البخاري رحمه الله في صحيحه عن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: «استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من بني أسد يقال له: ابن اللتبية على صدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي لي. فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ما بال العامل نبعثه فيأتي فيقول: هذا أهدي لي؟ فهلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته؛ إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيْعَِر. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه. ألا هل بلغت ـ ثلاثا ـ» [صحيح البخاري: 7174].

بلى لقد بلّغ عليه الصلاة والسلام. فوالله «لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن ماله؛ من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟» [صحيح الترمذي: 2417]، وثبت في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: «ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه من حرام، ومشربه من حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» [صحيح مسلم: 1015].

وخاطب النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه كعب بن عجرة رضي الله عنه فقال له: «يا كعب بن عجرة: إنه لا يدخل الجنة لحم أو دم نبت من سحت، النار أولى به. يا كعب: الناس غاديان؛ فغاد في فكاك نفسه فمعتقها، وغاد فموبقها» [صحيح ابن حبان: 5567]. فطوبى لمن أكل طيبًا وعمل في سنة، طوبى لمن حَسُنَ تعامله وعفَّ في طعمته، حفظ الأمانة وصدق في الحديث، وأمِنَ الناس بوائقهُ.

اللهم اغننا بحلالك عن حرامك. اللهم قنّعنا بما رزقتنا. اللهم جنبنا ظلم إخواننا المسلمين وأكل أموالهم بالباطل، اللهم اجعلنا عونا للمسلمين في قضاء حوائجهم. اللهم يسِّر أمورنا واغفر ذنوبنا واستر عيوبنا.

 

  • 0
  • 1
  • 6,139
المقال السابق
[92] الرسول قدوتنا في الأخلاق
المقال التالي
[94] الزكاة

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً