مع كلِ نكبة!

منذ 2016-10-30

فإن الواجب مع كل هزيمة ونكسة أن يُراجع المسلمون أنفسهم ويتفقَّدوا قلوبهم، ويتبصُّروا ثغورهم في كل جانب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد وآله وصحبه. أما بعد،

فإنه مع كل نكبة تحصل في هذا الزمان للمسلمين عامة ولأهل الجهاد خاصة؛ يتمخَّض واقع الناس بعدها عن فريقين:

1- فريقٌ يستغل هذا الحدث للتشكيك والإرجاف وزعزعة الثقة في العقائد، وهم المنافقون الذين لا يخلو منهم زمان منذ فجر الإسلام، فيقول آخرهم بقول أوَّلهم: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب:12]، ويهمزون الأعراض ويشمتون في المصائب كما قال أسلافٌ لهم: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ} [آل عمران:168].

لكنهم اليوم يلبسون لَبُوسًا غير لَبوس الأمس، ويزخرفون القول فيشتبه على الكثيرين، لكن المحتوى واحد، والله تعالى يظهره في فلتات ألسنتهم {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ} [آل عمران:118]!

فكن منهم على حذرٍ أيها المسلم ولا يخدعنك قولهم، ولا يُعجبنك زُخرُفُهم، وثق بالله وحده وبحكمته في كل مصابٍ يحصل للمسلمين في هذه الحياة!

واعلم أن لهم كلامًا معسولًا، وصوتًا لدى الكثيرين مسموعًا، فلا تغتَرّ، فإن الله تعالى قد قال محذرًا نبيَّه من أجدادهم في هذا السبيل: {وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ ۖ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ ۖ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ۚ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ۚ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ۖ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} [المنافقون:4]!

2- فريقٌ آخر يثق بنصر الله ووعده بالتمكين لأوليائه وجنده، لكنه يستشكل حصول هذه الهزيمة مع وجود هذا الوعد وقطعيته؛ وهذا الفريق يعيشُ صراعًا في داخله، وتحاصره أسئلةٌ كثيرة:

- لماذا لم ينصر الله أولئك المجاهدين؟

- لِمَ لَمْ يُمكِّن للصالحين؟

- لِمَ يُضطهدُ المستضعفون؟!

وهذه الأسئلةُ نفسُها وهذه الصراعات نفسها عاشها الصحابة الأوائل رضوان الله عليهم حتى قال الله في وصفهم في يوم الأحزاب: {هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب:11]، وقال قبلها في وصف خفايا نفوسهم: {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب:10]!

لكن الله تعالى يخبرنا أن له حِكَمًا أخرى من هذه النكبات والمصائب، تفوق بكثير ما نتصوره مصلحةً من وراء النصر؛

- فمنها اصطفاء الشهداء {وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ} [آل عمران:140].

- ومنها تمحيص الصفوف وفضح الأدعياء: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [آل عمران:141].

- ومنها حصول سنة التدافع بين الحق والباطل {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة:251]، {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج:40].

- ومنها ابتلاء المؤمنين واختبارهم: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء:35]، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد:31]، {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد:4].

وهذا غيضٌ من فيض الحكم الإلهية والعطايا الربانية من قلب كل محنةٍ أبدًا!

وهنا ينبغي أن نصحح انطباعًا نفسيًّا ومغالطةً فكريةً حاصلةً عند الكثيرين اليوم، وهي أنه ليست هزيمة المجاهدين في مكان ما أو زمان ما بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ دليلًا على تخلف الوعد بالنصر ولا دليلًا بالضرورة على أن الخلل عند المجاهدين هؤلاء، بل لله سنن كونية تسري وَفق مراده وحكمته وعلمه وعدله ورحمته.

فالنصر الموعود به هو نصر إجمالي أو مصيري بأن العاقبة حتمًا تؤول للمتقين إن في الدنيا وإن في الآخرة، وأن الهزيمة في زمان أو مكان ما لا تعارض ذاك بحال من الأحوال! فالظهور إنما هو (للدين) و(المنهج) وليس للأشخاص (ما خلا رسول الله وصحبه في حياته) فنصره في حياته شهادة من الله له بالصدق والتأييد، والعون والتسديد، وهو مطابقة قول الله تعالى: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:51]!

أقول مثل هذا الكلام لأن الكثيرين -سيما من المشجعين وقليلي البصيرة- ينتكسون ويشكّون في نصر الله ووعده مع كل هزيمة أو نكسة تحصل لأهل الجهاد هنا أو هناك! وما ذاك إلا لغياب هذا المفهوم المهم أو خفائه وضموره في قلوبهم ونفوسهم.

فالنصر إنما هو (للدين). وجند الله -وإن انهزموا حينًا- فهم الغالبون. والهزيمة واردةٌ دائمًا وأبدًا للمسلمين، ولا تنافي الصدق والتوفيق، بل ولا الإعداد الجيد!

ولله درُّ البارودي:

وأي حسام لم تصبه كلالةٌ *** وأيُّ جواد لم تَخُنهُ الحوافرُ؟!

فكم بطلٍ فَلَّ الزمانُ شَباتَهُ *** وكم سَيِّدٍ دارت عليه الدوائرُ!

لكن النهاية المحتومة في الدارين {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128]، {فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود:49].

ورحم الله ابن القيم الهمام:

والحق منصور وممتحنٌ فلا *** تعجب فهذي سُنة الرحمنَ

لكنما العُقبى لأهلِ الحقِ إن *** فاتت هنا كانت لدى الدَّيَّانِ

ومع هذا؛ فإن الواجب مع كل هزيمة ونكسة أن يُراجع المسلمون أنفسهم ويتفقَّدوا قلوبهم، ويتبصُّروا ثغورهم في كل جانب، ويسعوا لمزيد إصلاح ويدرسوا أوضاعهم جيدًا، فلعلهم استعجلوا شيئًا ما لم تكن مقدرتهم تحتمله، أو فعلوا خلاف الأولى في أمر كان الواجب فعل غيره، أو خالفوا الشرع في أمرٍ -صغيرٍ أو كبيرٍ- فعاقبهم الله بذلك... إلخ.

فلا ينبغي أبدًا إحسان الظن بالنفس والركون إلى أن الفريق المسلمَ خالٍ من الأخطاء والمعايب، كما لا ينبغي اهتزاز الثقة بنصر الله ووعده وتمكينه الذي وعد به، ولا التشكك في بالغ حكمته، وكامل رحمته، وتمام عدله في أقداره  {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} [الأنعام:115]، صدقًا في الأخبار، وعدلًا في الأحكام والأقدار!

أسأل الله أن يكتب النصر لكل مجاهد يرجو رفع العار والشنار والدمار عن أمة النبي المختار سيد الأبرار صلى الله عليه وآله وسلم، وأسأله أن يجمع صف المجاهدين، وأن يخذل جمعَ الكافرين، ويبدد شمل المنافقين. وبالله التوفيق. وصلِ اللهم وسلم على نبينا وسيدنا محمد وآله وصحبه.

 

المصدر: خاص بموقع طريق الإسلام

إبراهيم بن نبيل سابق

باحث شرعي - حاصل على ليسانس دراسات إسلامية - شعبة الشريعة - بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف