فرعون ..4

منذ 2017-03-25

فكم من سادة و أكابر بعين الخلق ، بينما هم عند الله أصاغر أهون من الجُعل وأصغر من الذر .


ورغم كونه إماما للطغاة ونبراسا للمستبدين وقدوة للظالمين إلا أن فرعون  لم يكن يفضل أن يعترف بحقيقة استبداده أو يقر بواقع طغيانه وفساده

بل ربما ارتدى ثياب المصلحين أو تدثر بدثار الواعظين المشفقين أو تستر برداء المشاور المتقبل لرأي غيره الحريص على مشاركة عبيده القرار

هاهو يتدثر بدثار المشاورين ويلبس حلة  المتقبلين لآراء الآخرين فيقول عن موسى بعد أن يأتيه بالبينات: {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}  
إن فرعون هاهنا يحلو له اكتمال المنظر وتمام الزينة، فيبدي من قوله ما يخالفه عمله، ويظهر من حرفه ما يكذبه فعله؛ لكنه يظل في النهاية مستبدًّا طاغيًا وإن تجمل وتزين

إنها مجرد رتوش تجميلية وأصباغ خداعية لإتمام زينة المشورة الصورية، ولإكمال زيف القشرة الموضوعية

 وهو يجمع حوله من يصلحون لتلك المهمة الرخيصة ممن لم يلحظوا أنه قد حكم ابتداء وقرر دون بينة أو دليل أن عدوه ساحر أو مفرق لجمع الأمة مريد لإخراج أهلها منها وذلك بقوله ابتداءً : {إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ

أليس هذا حكما قد صدر وقرارا قد اتخذ؟
فما قيمة قوله {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ}  إلا إكمال الزينة والصورة الفارغة للحاكم الطيب الحريص على الشورى؟! 

لكنه حين الجد يرى وحده
{ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد

وهو بعدها يقرر وحده
وغالبا يكون قراره الأوحد البطش 
لكنه رغم قراره الباطش لا يتخلى عن حرصه على  الصورة التشاورية  البراقة لمدة طويلة 
بل قد يستمر في ادعائها حتى بعد أن يقرر البطش

ذرونى أقتل موسى
دعوني أتخلص منه ..
اتركوني أخلص البلاد والعباد من شر هذا الذي سيغير عقائدكم، ويضيع دينكم ودين آبائكم، ويظهر في أرضكم الفساد

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ

ما أطرفها من كلمات حين تخرج من هذا الفم البغيض ..
ذروني!!
وهل تستأذن أيها الطاغية؟!
منذ متى؟!
وهل مثلك من الطغاة يحتاج من أمثال تلك الحاشية من المطبلين والمنافقين أن يذروه ويتركوه؟

لكنها الصورة التي نتحدث عنها والتي يحرص فرعون على إحكام تزييفها،
بينما الحقيقة أنه لا يحتاج إلى رأيهم، ولا ينتظر إذنهم ..

وعلى كلٍ فليس عليه أن يقلق  فلن يجد منهم إلا كل تطبيل وتصفيق ..
إن من حول فرعون يفهمون جيدًا مطلبه ويعرفون أنهم جزء من زينته

لن يسمع يومًا معارضة من ألسنتهم، التي استمرأت النفاق، وألفت الكذب، ولم تعرف إلا التزلف والتملق والمداهنة، ولم تتعود إلا على قصائد المديح، ومطولات الثناء المنافق الصريح ..

نعم الرأي رأيك يا فرعون ..
وما بعد قولك من قول ..
ما أعظم توجيهات فخامتك أيها المفدى بالأرواح ..
هكذا ستتعالى دوما صيحات المطبلين وحملة المباخر وسترتفع تهليلاتهم الداعمة للقرار
ولكل قرار ..
وهؤلاء من يجمعهم الفرعون دومًا حوله أو يسمح لهم بالبزوغ في دولته والظهور في فلك نظامه وزمرته

ستجدهم في غالب الأمر من حمائم الخلق سهلي المعشر والانقياد
إنهم يشتركون جميعًا في صفات الذلة والانقياد والانبهار الدائم بفرعون.
أما صقور الخلق عزيزو النفس مستقلو الرأي، فلا يطيقهم فرعون ولا يستريح في وجودهم، ولا يتعايش مع إيجابيتهم وتأثيرهم، حتى لو كانوا على الفكر والنهج نفسه

إن فرعون لن يبقى حوله إلا دنيء نفس من أراذل الخلق
من يرضى بالهوان ويقبل بالذلة الظاهرة المعلنة، ويتعايش مع كونه مجرد صدى لأفكار ورغبات سيده

ستتعدد الأقنعة وتتنوع الألقاب والمهن ما بين كهنة وسحرة وخدام وحجبة
 لكن سيظل التزلف والنفاق والمداهنة والتهليل هو شعار تلك الفئة مهما اختلفت أشكالها وتنوعت ألقابها
يكفي أن يلمح فرعون إلى أنه يريد هذا الرأي، لتصير تلميحات سيادته أوامر، بل إن أحلام فخامته لا مفر من تحقيقها بكل السبل ..
هكذا تربوا ..
وعلى هذا حرصوا ..
وكذلك وصلوا

ومهما ادعوا غير ذلك فالجميع يعلمون أن حقيقة الأمر في النهاية يلخصها فرعون بكلماته الواضحة المحكمة التي تبرز دائما في النهاية لتلخص الأمر ببساطة

{ما أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ }

ولفرعون معايير واضحة من خلالها يقيس الأشياء وعن طريقها يقيم الأشخاص ويزن الأحداث
هذه المعايير مادية بحتة وسطحية محضة ولا تخضع إلا للظاهر المحسوس والمرأي الملموس

هو هو نفس المنطق المريض في كل زمان ومكان 
منطق الحكم من خلال الظاهر السطحي

حكم يرسخه نمط من الخلق لا يلفت انتباههم إلا المظهر المبهر ولا تنجذب أبصارهم إلا لزينة براقة أو زخرف لامع فيقيسوا الحق والباطل فقط من خلال مقياس العظمة الدنيوية والمكانة المادية والمنصب الضخم والنسب الفخم والثراء الفاحش والنعيم الزائل

وهذا النمط من التفكير وأصحابه هم الذين يستخفهم فرعون ومنطقه إذ ينادي فيهم قائلا: يا قوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي

هذا هو ما أرادهم دوما أن ينتبهوا إليه 

الظاهر الذي يمكنهم إدراكه بالحواس المباشرة
الملك والصولجان والأنهار والنعيم
لذلك سألهم: {أَفَلا تُبْصِرُونَ}

  هو إذن ترسيخ للحكم البصري المظهري والتقييم المؤسس على أساس الرؤية الخارجية والمقاييس المادية وحسب ..

لذلك كان بعدها ذلك القياس الذي نتحدث عنه والذي يعرضه فرعون دوما على أنه المنطق الوحيد والمعيار المتفرد الذي يحكم من خلاله على الأشياء
 
  {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ}
يستمر فرعون هاهنا في توجيه الأنظار للمحسوس من الصفات والأفعال
هو في هذا الموطن يشير بكل خسة وحقارة إلى عقدة لسان موسى وهو أمر ظاهر  يمكن إدراكه 
بل ويمعن في الإشارة فيرميه بالعجز عن البيان

ولقد طلب نبي الله موسى من ربه أن يحلل تلك العقدة
إذن فهي موجودة
ولقد بين أن صدره يضيق ولا ينطلق لسانه 
ولقد أقر موسى عليه السلام بأن أخاه هارون هو أفصح منه لسانًا 
إذن فالأمر يحمل شيئا من الحقيقة وثمة مشكلة لدى موسى عليه السلام في جانب البيان والفصاحة

لكنه مع كل ذلك قد بلغ رسالته وأدى أمانته
ونصح لأمته
ولقد وصلت دعوته
وصلت وبلغت قلوب أعدى أعدائه فآمن سحرة فرعون وآمنت امرأة فرعون وآمن مؤمن من آل بيت فرعون
آمنوا برب موسى واتبعوا دعوة من لا يكاد يبين

إن من البيان لسحرا والفصاحة وجذالة اللفظ شيء مستحسن لذا كانت علة مطلب موسى بإشراك أخيه الأفصح

البيان مهم بلا شك
والظاهر من الأشياء له دور وقيمة
لكنه ليس الأهم
وليس وحده مناط التكليف ولا سبب القبول الأوحد
العبرة بلسان الصدق وتشرب القلب لمعاني الحق وليس فقط في المظاهر
تلك التي لا يفهم فرعون سواها فيستمر في ذكرها والنيل من موسى عن طريقها

{فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِين

َ لقد قاس على نفس المعيار الذي ينبهر به خفيفو العقول في كل زمان  

معيار المظهر الخارجي وزخرف الفعل والقول  

ومن يقبل القياس على هذا الأساس يستحق بجدارة أن يتسلط عليه فرعون وأمثاله فهم ممن قال الله فيهم في السياق نفسه:   {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ}

قوم فاسقون بمعيارهم الفاسد وحكمهم المنقوص وتصورهم المريض الذي هيأ لهم ولأمثالهم أنهم يقسمون رحمة ربك

{أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ

أهم يتحكمون فيها  فيعطونها لمن أعجبهم ويمنعونها من حقروه ولم تبهرهم زينته أو تخطف أبصارهم لمعة نسبه ومكانته وينسي هؤلاء أو يتناسوا أن الله هو من قسم بين الناس معيشتهم ورفع بعضهم فوق بعض درجات 
 وأن.. 
{رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

فكم من سادة و أكابر بعين الخلق ، بينما هم عند الله أصاغر أهون من الجُعل وأصغر من الذر ، كما صح عن النبى صلى الله عليه و سلم 

كم من أناس يشار إليهم بالبنان ، و تُنظم فى مدحهم القصائد ، و تدبج فى مناقبهم المقالات و المقولات ، و هم فى الحقيقة لا يساوون عند الله جناح بعوضة ، ولاقيمة لهم في الميزان 

العبرة ليست بعظمتهم و جاههم ووجاهتهم في الدنيا و لا بين الناس إنما العبرة بحقيقة العبد وسره المنظور المدرك ببصر الله وسمعه، وميزانه العادل القسطاس
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة ، لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرءوا : { {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} }  »   [صحيح مسلم ]
هذه هى قيمته الحقيقية عند الله 
جناح بعوضة !
بل أهون و أرخص 
وكذلك كان فرعون
وهذا للأسف ما لم ينتبه إليه من استخفهم فرعون
ومنطق فرعون