قسمات مصر الثائرة: 1 ـ الروح الجديدة

منذ 2011-02-17

انقشع مبارك في النهاية، وهتفت الجماهير فور سماع نبأ نهاية حكمه المذلة: "الله وحده أسقط النظام"، ودخلت مصر مرحلة جديدة بعد أيام مر الواحد منها كسنة على ملايين كتمت أنفاسها أمام الأخبار المتتابعة وتسمرت عيونها عند كل "عاجل"...


عندما سئل المحلل السياسي "الإسرائيلي" مائير كوهين في قناة بي بي سي عن مدى خيبة أمل "إسرائيل" من عدم تولي عمر سليمان رئاسة مصر، قال نعم بالتأكيد كنا نتمنى ذلك ولكننا سنتعامل مع ما يختاره الشعب المصري، أما بالنسبة لسليمان ـ أجاب بضحكة ساخرة ـ بالطبع "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش" (مستخدماً اللهجة المصرية ومثلها المعروف).


البسطاء من المصريين كانوا دائماً يكررون ما تلقيه الأجهزة الأمنية على ألسنتهم عبر سلاح التلقين الاجتماعي والشائعات، ومنها العبارة التي تحكم النظرية الصهيونية في مبارك ورجاله.. "اللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفوش" حينما كانت النقاشات تثار حول ترشح مبارك المسن لفترة رئاسية جديدة، وقد كانت هذه تمثل "الشرعية" التي يملكها الرجل لدى الداخل والخارج بعد نحو أربعة عقود من حرب أكتوبر!


انقشع مبارك في النهاية، وهتفت الجماهير فور سماع نبأ نهاية حكمه المذلة: "الله وحده أسقط النظام"، ودخلت مصر مرحلة جديدة بعد أيام مر الواحد منها كسنة على ملايين كتمت أنفاسها أمام الأخبار المتتابعة وتسمرت عيونها عند كل "عاجل"، وبدت الأحداث عصية على الملاحقة، والصور أكثر من أن ترصد، ومن بينها ما يعكس حجم التناقضات والجدل والملاحظات والوقفات التي تسترعي الاهتمام في هذه الثورة.. وكانت من بينها تلك المشاهد


1 ـ الروح الجديدة.. النتيجة الأهم

لم يكن أكثر الناس تفاؤلاً في مصر يتصور أن تزول دولة ظلم بهذه السرعة الفائقة، وبسياسة عض الأصابع الذكية، وبضربة الجماهير القاضية في بلد اتهم شعبه على مدى عقود بالسلبية واللامبالاة، والذين كانوا يتحفظون عن وصمه بذلك اختاروا ألفاظاً أكثر دبلوماسية وتأدباً تصفه بـ"الطيبة والمسالمة"، وقد كان أن لاقي الشعب المصري ذاته ووضعته طليعة على الخارطة من جديد حين أمسكت بسلاسة بالبوصلة ووضعتها في اتجاه مباشر، لمس التطلعات الحقيقية في لحظة تلاقى عندها الوقود مع شرارة التفجير.. لكن ما إن زال دخان الانفجار حتى وجد المصريون بلادهم واكتشفوا فيها أنفسهم..


حدثوني عن نبل الثورة ورجالاتها وأبطالها وشهدائها، أو شككوا في نوايا بعض مطلقيها، أنتم أحرار فيما تقولون، غير أن ما لا يمكننا نحن كمصريين أن نغفله هي هذه الروح السارية في طول البلاد وعرضها، في جمهورية ميدان التحرير التي لا يعرفها إلا من زارها أو حتى اكتفى بتتبع إصرار هذه الملايين على تحقيق ما ترنو إليه في ربوع مصر وميادينها المحلية.


لقد كانت أبرز وأروع تجليات هذه الثورة هو هذا الناتج المنظور الذي لا تخطئه عين، بغض النظر عما قد تؤول إليه الأحداث التي تدفع في مجملها إلى التفاؤل الحذر؛ فانكسار حاجز الخوف، والتوق الواضح إلى الحرية، وتسييس الشعب المصري إلى حد كبير، وبروز أخلاق طيبة كثيرة قد ران عليها الاستبداد بما يفرزه من سلوكيات وأخلاق رديئة، وروح التضامن والتكافل، واللجوء إلى الله من قبل، وزيادة الوعي، وانكشاف الملفات التي ظلت بعيدة عن أعين وعقول الجماهير، وتولد حساسية جديدة لم تكن مألوفة لدى قطاعات عريضة من الشعب تجاه ما يُلقى من معلومات مغلوطة ومتنوعة ومتعاقبة عن الإصلاحيين من جهة، وعن الطغمة وأبواقها، ووضوح أحابيلها وذهاب سحرها، والاستعداد اللافت للتفكير السياسي الذي قاده تفكير جمعي صهرته الثورة عبر أدبياتها وشعاراتها وأشعارها وخطبها ودروسها العملية.


لاشك أن الحرية بصورها الإيجابية بل حتى التفكير فيها يمنح صاحبها مجالاً فسيحاً للتفكير والإبداع وتفجير طاقاته وتحسين سلوكه وأخلاقه، على النقيض من الاستبداد الذي يوفر البيئة المناسبة للأخلاق السلوكيات الرديئة فيخرج أسوأ ما في الإنسان، فكيف إذا ما انتبه الشرطيون أنفسهم ليتدفقوا في الساحات يتنسمون عبير حرية افتقدوها حتى وهم يغلقون على الأحرار الزنازين.

وهذا المناخ الذي وفره "معسكر الحرية" بملايينه يهب الثائرين، يتقاسمون زادهم ويدافعون بفدائية تحلت بها عشرات الآلاف من "المقاتلين" الشرفاء ضد البلطجة والاستبداد من حماة مداخل الميادين الفسيحة في مشهد قيل عنه من بعض العسكريين إنه يستحق أن يدرس في كليات العسكرية وصوره لا يتسع المقام لها هنا، كما حسن النظام والالتزام بقواعده الحاكمة لملايين يحكي الكثيرون أن كل مفقود من جوالات أو حوافظ النقود وغيرها بمجرد أن تراجع إذاعة الميدان تجده لديهم على الفور، كما احترام حرمة النساء والابتعاد عن الإساءة إليهن وسط هذه الجموع، وغيرها من المشاهد التي لا تعد ولا تحصى، والتي لا تتسع لها المجلدات، تشي بأن شيئاً ما قد تغير في هذه الجموع، وأن ذكريات الثورة قد حفرت آثارها الطيبة في عقول وقلوب المشاركين، مهما تغيرت ملامح تلك الثورة فيما بعد، وكذلك؛ فإن الكرامة التي علمت الثورة جميع المنخرطين بل وغير المنخرطين فيها أن تكون فيهم وألا يتخلوا عنها لحظة واحدة يفيد منها المستبدون تنبي بأن جذورها ستبقى عصية على الاقتلاع، لاسيما وقد عرف الجميع طريق "التحرير".


وبالعودة إلى الروح الجديدة؛ فإن التفاؤل الغائب عن أذهان المصريين طويلاً، والذي جعلهم من أكثر شعوب العالم اكتئاباً ويأساً بنسبة مقدرة طبياً بما بين 25 ـ 30% بسبب هذا النظام السابق، قد عاد إلى الكثيرين، وذهب عنهم ما كانوا يعانونه من عجز وفقدان للثقة بالنفس وبالقدرة على التغيير، وانبعث من قلب قاهرتهم القاهرة إلى بلدان عربية وإسلامية كثيرة تعاني القهر والذل والحرمان ذاتهم بسبب قرضايات الوصاية الغربية وأذنابها.
إن التغيير الهائل الذي حصل في أسبوعين ونيف، لا نقول إنه سيؤول إلى ما يصبو إليه المخلصون بالضرورة، وإنما على الأقل هو قد أحدث دوياً هائلاً يسترد الأمل المفقود في نقل الدول ومجتمعاتها خطوات إلى الأمام في أقل مما يتصورونه.


لقد ظل المصريون ينظرون بيأس إلى فكرة التغيير، وانطبعت في أذهان غالبيتهم أن لا أمل في ظل وجود هذه الاستحكامات المتكاثرة الحائلة دون مجرد التفكير في الخروج من عنق الزجاجة التي وضع فيها هذا الشعب بأدوات محلية ومساندة دولية، وقد كانت أكثرية النخبة غارقة في هذا اليأس حتى ناصيتها، لكن "الحرب غير المتوازية" التي حصلت في الميادين والشوارع المصرية أثبتت أن النخبة كانت مخطئة في تقديراتها، مثلها مثل كثير من المخططين الاستراتيجيين في العالم التي توقعت استمرار ما يُسمى بالاستقرار في مصر على النحو الراكد الذي كان عليه خلال العقود الثلاثة الماضية.


ومهما ما يقال عن طريقة الإعداد للثورة؛ فإن ما رأته الجماهير منها يحفزها ليس الآن فقط، ولا في مصر وحدها على إعادة "التجربة" مرة أخرى، والخروج من شرنقة الخوف والذل والاستعباد.



11/3/1432 هـ
 

المصدر: موقع المسلم