الـقـدس.. خـمـسـون عـاماً عـلـى الاحـتـلال (5)

منذ 2017-08-20

تزداد إجراءات التقسيم الزماني والمكاني يوماً بعد يوم، وبلغت ذروتها العام الجاري والأعوام الخمسة الماضية، حيث إنه مع انتهاء شهر رمضان وأداء صلاة العيد؛ تقوم سلطات الاحتلال على الفور بإعادة تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، بل تقوم بمنح اليهود أوقاتاً إضافية بدل تلك التي فقدوها في رمضان.

التقسيم الزماني والمكاني:

أضحت مسألة التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى مثار جدلٍ كبيرٍ وحديث الساعة في الإعلام الفلسطيني، وهو ما ينبئ بمدى أهمية الموضوع فلسطينياً وصهيونياً وحتى عربياً ودولياً، وهذا يضعنا أمام جملة من التساؤلات: ماذا يعني التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى؟ لماذا يريد الاحتلال فرض التقسيم الزماني والمكاني على المسجد الأقصى برغم أنه يقع في القدس الشرقية وليس الغربية بحسب التقسيم الصهيوني ذاته؟ ماذا بعد فرض التقسيم الزماني والمكاني؟ وهل يكتفي الكيان الصهيوني  بما حصل عليه أم إنه ذاهب نحو مزيد من المضايقات بحق المقدسيين؟

التقسيم الزماني: يعني تخصيص أوقات معينة لدخول المسلمين المسجد الأقصى وأوقات أخرى لدخول اليهود، وفيه يتم اقتسام ساعات اليوم وأيام الأسبوع والشهر والسنة بين اليهود والمسلمين. ويفرض التقسيم الزماني على المسلمين مغادرة المسجد الأقصى من الساعة 7:30 حتى 1١ صباحاً، وفي فترة الظهيرة من الساعة 1:30 حتى 2:30، والفترة الثالثة بعد صلاة العصر، لتخصيص هذا الوقت لليهود لأداء ثلاث صلوات في اليوم داخله بحجة أنَّه لا صلاة للمسلمين في هذا الوقت، كما يتم تخصيص المسجد الأقصى لليهود خلال أعيادهم، والتي يقارب مجموع أعدادها نحو 100 يوم في السنة، إضافة إلى أيام السبت طوال السنة (والبالغ عددها نحو 52 يوماً)، كما يحظر رفع الأذان خلال الأعياد اليهودية.

التقسيم المكاني: يعني تخصيص أماكن بعينها داخل المسجد الأقصى ليمارس المسلمون واليهود شعائرهم الدينية بعيداً عن التقسيم الزماني، وهذا التقسيم يهدف لتكريس وجود اليهود في المسجد الأقصى من ناحية، وتخصيص أجزاء ومساحات من المسجد الأقصى يقطتعها اليهود ليحولوها لكُنُس يهودية لأداء صلواتهم فيها، ويشمل التقسيم المكاني كذلك بسط السيطرة بالقوة على جميع الساحات الخارجية للمسجد الأقصى، أما الأماكن المسقوفة مثل مصلى قبة الصخرة والمصلى المرواني فتكون للمسلمين، ويشمل هذا التقسيم مخططات لبناء الكنيس اليهودي والهيكل، فلم تعد تخفى تلك المطامع، بل بات التصريح بها أمراً عادياً وحقاً مشروعاً كما يرى الجانب الصهيوني، وقام الاحتلال خلال الفترات السابقة بشقِّ طرق ومسارات خاصة لليهود لتعزيز التقسيم المكاني.

وتزداد إجراءات التقسيم الزماني والمكاني يوماً بعد يوم، وبلغت ذروتها العام الجاري والأعوام الخمسة الماضية، حيث إنه مع انتهاء شهر رمضان وأداء صلاة العيد؛ تقوم سلطات الاحتلال على الفور بإعادة تقسيم المسجد الأقصى زمانياً ومكانياً، بل تقوم بمنح اليهود أوقاتاً إضافية بدل تلك التي فقدوها في رمضان.

لكن مع نهاية أكتوبر 2014م أخذ التقسيم منحى جديداً وخطيراً وعملياً، إذ لأول مرة منذ عام 1967م أغلقت سلطات الاحتلال بوابات المسجد الأقصى أمام المسلمين، بمن فيهم العاملون فيه، وأتبعت ذلك بفرض قيود عام 2015م حالت دون دخول النساء إليه في الفترات المخصصة لاقتحامات المستوطنين، بجانب إبعاد مصلين بأوامر شرطية، ومنعهم من دخوله لفترات. وتزامنت تلك الإجراءات مع اتهام المرابطين والمرابطات في الأقصى بالخروج على القانون، وتم تصنيفهم تنظيماً إرهابياً.

* * *

فكرة التقسيم الزماني والمكاني غير مرتبطة بزمان أو مكان محددين، وهي متجذرة في الشخصية اليهودية بل هي أحد أهم مكونات الشخصية اليهودية منذ زمن فرعون، وهي لصيقة باليهود على مرِّ تاريخهم، ويمكن تجسيدها بشكل مبسَّط في ثقافة «الغيتو» أو أماكن العزل التي كان اليهود يعيشون فيها في أورباً منعاً لحركات التنوير والدمج (الهسكلا) وحفاظاً على عدم الذوبان بالشعوب الأوربية قبل نشوء الحركة الصهيونية والتفكير في احتلال فلسطين.

أما الإجراءات الفعلية للتقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى على وجه التحديد فقد بدأت عام 1967م مع احتلال مدينة القدس وما تبقى من أراضي فلسطين بعد النكبة؛ فقد اقتحم آنذاك الجنرال الصهيوني «مردخاي جور» المسجد مع جنوده، ورفع علم الكيان الصهيوني على قبة الصخرة، وحرق المصاحف ومنع الصلاة فيه، كما صادر مفاتيح أبواب المسجد وأغلقه أسبوعاً كاملاً، حيث مُنعت فيه الصلاة ولم يرفع الأذان. وبعدها قررت قاضية في المحكمة المركزية في الكيان الصهيوني أن لليهود الحق في الصلاة داخل الحرم بدءاً من عام 1976م.

ومن هنا يجب التأكيد على أنَّ فكرة التقسيم الزماني والمكاني طرحها اليمين الصهيوني بقيادة حزب الليكود تمهيداً لتهويد المسجد الأقصى، من خلال تكريس سياسة اقتحام المسجد والاعتداء على المرابطين داخله، وفرض تقسيم ساحاته زمانياً بين الفلسطينيين والمحتلين الصهاينة في غير أوقات الصلاة كمرحلة أولية يتبعها تقسيم مكاني، ثم السيطرة الكاملة عليه لاحقاً، وتغيير هويته ببناء ما يسميه الاحتلال «الهيكل الثالث» مكان قبة الصخرة.

قبل أكثر من عقدين من الزمن، وبالتحديد يوم 25 فبراير 1994م؛ قام المجرم الصهيوني باروخ جولدشتاين وبصحبة عدد من المستوطنين والجيش؛ بتنفيذ مذبحة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل الفلسطينية، واستشهد في حينه 29 مصلياً وجرح 150 آخرين قبل أن ينقض عليه مصلون آخرون ويقتلوه. ودون الخوض في تفاصيل المجزرة؛ لا بد من التذكير بأنها جاءت انطلاقاً من محاولات الكيان الصهيوني لفرض التقسيم الزماني والمكاني على الحرم الإبراهيمي، حيث قرر في حينه اقتطاع أكثر من نصف المسجد وتخصيصه للمستوطنين مع إغلاقه تماماً أمام المسلمين أثناء الأعياد اليهودية.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى) أواخر عام 2000م بسبب اقتحام الهالك «أرئيل شارون» للمسجد الأقصى؛ أصبح الكيان الصهيوني يتحكم منفرداً في حركة الدخول والخروج من المسجد الأقصى، وشرع في إدخال مجموعات من المستوطنين إلى المسجد بحراسة أمنية، وأقفله أمام المصلين لثلاث سنوات ونصف، قام خلالها بزيادة عمليات الحفر والتنقيب عن آثار الوجود اليهودي المزعوم في المسجد وتحت أساساته.

* * *

أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) مؤخراً قراراً جديداً يتعلق بالقدس؛ يجدد اعتبار الكيان الصهيوني «دولة» محتلة للقدس ويرفض السيادة «الإسرائيلية» عليها. وقبلها أصدرت اليونسكو أكثر من قرار يتعلق بالمقدسات في فلسطين، منها قرار يقضي بأنَّ المسجد الأقصى من «المقدسات الإسلامية الخالصة» وأنه لا علاقة لليهود به. وأدرجت اليونسكو 55 موقعاً تراثياً في العالم على قائمة المواقع المعرضة للخطر، ومنها البلدة القديمة في القدس المحتلة وأسوارها، مما خلف غضباً واستنكاراً في الكيان الصهيوني.

قرارات اليونسكو أو المنظمات الدولية حول المسجد الأقصى ومدينة القدس تشكل تأكيداً على عدم أحقية اليهود والصهاينة في القدس وتنفي وجودهم تاريخياً، وبالتالي فهي تشكل مصدر إزعاج كبير للاحتلال، وتشير إلى أن العالم لم يعد يؤمن أو يقبل بأن تكون القدس عاصمة للكيان الصهيوني؛ وهو ما يجعله يذهب في عدة اتجاهات:

أولاً: ممارسة ضغوطات كبيرة على الدول التي تؤيد قرارات اليونسكو الداعمة للفلسطينيين وخاصة ما يتعلق منها بالمقدسات، بجانب محاربة الأمم المتحدة وتقليص حجم دعم الكيان الصهيوني لها.

ثانياً: محاولة نزع الوصاية على الأقصى من الأردن، وفي خطوة كانت الأولى من نوعها ناقش الكنيست في 25 فبراير 2014م نزع السيادة الأردنية عن المسجد الأقصى، وطالب عضو الكنيست من الليكود، موشي فيغلين، نقلها إلى البرلمان، مطالباً بسيطرة «إسرائيلية» عوضاً عن الأردنية على المسجد الأقصى، ومعتبراً أن من يحكم جبل الهيكل يحكم البلاد كلها، وقد أبدى استغرابه من أن يناقش الكنيست لأول مرة هذا الموضوع.

ثالثاً: تعزيز مبدأ أنه لا سيادة نظرية أو فعلية للسلطة الفلسطينية على المسجد الأقصى وكل «القدس الشرقية»، ومنع كل إجراء أو دعم مصدره السلطة الفلسطينية، ومحاولة فرض «الأسرلة» والتهويد على القدس الشرقية.

رابعاً: محاولة شرعنة وتقنين التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى، ومحاربة المظاهر الإسلامية والممارسات العقائدية الإسلامية من خلال جملة القرارات الحكومية والخطط ومشاريع القوانين المقدمة للكنيست الصهيوني بإشراف ومتابعة المفوضية اليهودية التي تأسست في مايو 2014م لهذا الغرض، وفيما يلي أهم الصكوك القانونية المتعلقة بهذا الأمر:

- في 26 سبتمبر 2006م (3 رمضان 1427هـ) دهمت شرطة عكا حي وولفسون، الذي تبلغ نسبة السكان العرب فيه حوالي أكثر من 90% من مجمل سكان الحي البالغ عددهم حوالي 2500، وصادرت مكبرات الصوت من منزل مواطن كان يرفع بها أذان المغرب ليُعلِم أهالي الحي المسلمين بدخول موعد الإفطار، وذلك لأنهم لا يسمعون الأذان المرفوع من داخل مساجد عكا القديمة.

وفي 13 ديسمبر 2011م تحدثت صحيفة إندبندنت البريطانية عن مشروع قانون (قانون المؤذن) يقضي بتضييق الخناق على المساجد التي تستخدم مكبرات الصوت في رفع الأذان، وأنه تسبب في انقسام مجلس الوزراء في الكيان الصهيوني برئاسة بنيامين نتنياهو.

وفي 29 أكتوبر 2014م قرر حزب «إسرائيل بيتنا» تقديم مشروع قانون قديم جديد هدفه «إسكات الأذان» الذي ينطلق من المساجد الفلسطينية.

- في مايو 2015م تقدم عدد من أعضاء الكنيست بمسودة اقتراح مشروع قانون يقنن دخول اليهود المسجد الأقصى لإقامة صلواتهم، ويقضي كذلك بفرض غرامات وعقوبات على المتصدين من الجانب الفلسطيني لاقتحامات المسجد الأقصى.

وفي 26 نوفمبر 2015م قدم النائب البرلماني عن حزب «البيت اليهودي» بتسلئيل سموتريتش مشروع قانون للكنيست يسمح بصدور قرارات أمنية بإغلاق «أي مكان يثبت أنه صدر منه تحريض» للقيام بعمليات مسلحة ضد اليهود «بما في ذلك المساجد».

وفي 6 مارس 2016م أجلت اللجنة الوزارية لشؤون التشريعات في حكومة الاحتلال مناقشة مشروع قانون تقدم به عضو الكنيست مردخاي يوجيف عن حزب «البيت اليهودي» المشارك في الائتلاف الحكومي. ويحظر المشروع رفع الأذان بواسطة مكبرات الصوت في نحو 500 مسجد وخاصة في ساعات الليل والفجر، وذلك بذريعة «إزعاج مئات الآلاف من اليهود والحفاظ على جودة البيئة».

وفي 13 نوفمبر 2016م أقرت اللجنة الوزارية الخاصة بالتشريعات مشروع قانون يمنع رفع الأذان عبر مكبرات الصوت في مساجد القدس والمناطق القريبة من المستوطنات وداخل أراضي فلسطين عام 1948م، وذلك تمهيداً لعرضه على الكنيست لمناقشته والمصادقة عليه في ثلاث قراءات حتى يصبح قانوناً واجب النفاذ.

* * *

وأخيراً؛ من الأهمية بمكان الإشارة إلى أنَّ ما يقوم به الكيان الصهيوني ينطلق من دوافع دينية، وبالتالي يجب التأكيد على أن فكرة التقسيم الزماني والمكاني التي تنطلق من أسس دينية لا يمكن لها أن تتوقف عند هذا الحد، بمعنى أن المسجد الأقصى مقبل على مزيد من الإجراءات والمضايقات الصهيونية يوماً بعد يوم، وصولاً لفرض السيطرة الصهيونية الكاملة عليه من أجل تغيير هويته وتحويله إلى مكان مقدس لليهود، وإنشاء الهيكل المزعوم عليه؛ تمهيداً لقدوم المسيح المذكور في الكتب الدينية المحرفة، وتحضيراً للعيش في الألفية السعيدة.

 

الكاتب: أحمد فايق دلول