الـقـدس.. خـمـسـون عـاماً عـلـى الاحـتـلال (8)

منذ 2017-08-20

ما يحدث في المنطقة منذ عقود؛ من بغداد إلى دمشق مروراً بفلسطين ووصولاً إلى مصر؛ يؤول في النهاية - أو يُراد له - أن يصب في حساب آمن إسرائيل، الذي قُدر على اليهود أن يُحرموا منه إلا بحبل من الله وحبل من الناس.

القدس المنسية.. لماذا يستعجلونها يهودية؟!

الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، وبعد:

فبحسب الأسباب المادية المجردة؛ فإن الهوية الإسلامية لمدينة القدس وما بها من مقدسات؛ قد دخلت في الخطر الوجودي الشديد، فاليهود يتسارعون في تهويدها بلا هوادة، ويحرقون المراحل في إفسادها وتدنيسها بلا توقف، منتهزين انشغال العالم بنزاعات إقليمية متسارعة، وأزمات دولية متنوعة، يهدف أكثرها في النهاية لغاية واحدة وإن كانت تتردد بصيغ وألفاظ متعددة؛ وهي: «ضمان أمن إسرائيل»! تلك العبارة التي تعني في حقيقتها: تأمين اليهود المغتصبين لفلسطين حتى يتمكنوا من تنفيذ خططهم العالمية الدينية المستقبلية، للوصول إلى تحقيق مشروع «مملكة داود» التوراتية من النيل إلى الفرات.

ليس في هذا الأمر أي مبالغة، فما يحدث في المنطقة منذ عقود؛ من بغداد إلى دمشق مروراً بفلسطين ووصولاً إلى مصر؛ يؤول في النهاية - أو يُراد له - أن يصب في حساب ذلك الأمن الموقوت، الذي قُدر على اليهود أن يُحرموا منه إلا بحبل من الله وحبل من الناس.

وفي معمعة الأحداث الكبيرة التي تتابع تداعياتها في العالمين العربي والإسلامي؛ غفل عوام المسلمين وتغافل أكثر خواصهم؛ عن أخطار تنفيذ مخططات الإجرام التي تتحقق بانتظام في القدس وما حولها؛ لضمان أمن اليهود، بمكر كبير من هذا العدو الأكبر والأحقر.. ومن معهم من أوليائهم المتنفذين، الذين يديرون الأزمات ويوجهونها بما يضمن تحقيق هذا الهدف الواحد؛ الذي تلخصه عبارة «ضمان أمن إسرائيل»، التي تتكرر كثيراً على ألسنة الزعماء والساسة بكل سلاسة، دون أن يعي معناها ومرماها عشرات الملايين من المستمعين لها في النشرات والمطلعين عليها في التحليلات والنشرات.

هذه العبارة صارت «كلمة السحر» التي لا خلاف حولها بين أكابر المجرمين.. ولها يسيل لُعاب المتطلعين إلى الصعود من أصاغر المتسلقين، فكل صغير أو حقير أصبح لا يكبر إلا بها، ولا يصل إلي رضا المتحكمين في العالم إلا من خلالها، فالتعهد بـ«أمن إسرائيل» صار إحدى ورقات المرور الرئيسة في الانتخابات الرئاسية الأمريكية وغير الأمريكية، ولأجل الحفاظ عليه تُقام في المنطقة كل عدة أعوام تحالفات عسكرية عالمية، وتشتعل حروب إقليمية، وتدبر انقلابات عسكرية داخلية؛ كلها تأتي ضمن خطط خمسينية وعشرية وخمسية، تتعدل بها موازين القوى العالمية بما لا يصادم مصالح الصهيونية العالمية؛ يهودية كانت أو مسيحية.

من تأمل في تطورات الأحداث وتداعياتها منذ أكثر من قرن من الزمان في المنطقة؛ سيجد أن تمكين شياطين اليهود من فلسطين كلها - والقدس في قلبها - وعموم الشام من حولها؛ بل وما حول الشام في أرض الفرات من شرقها، وأراضي النيل من غربها؛ سيخرج بحقيقة لا يمكن المراء فيها أو التهوين من شأنها؛ وهي أن مشروع «إسرائيل الكبرى» كان يجري - ولا يزال يجري - على درب التنفيذ وفي خريطة الواقع، ليس على الصيغة الجغرافية والديمغرافية التقليدية - فليس ذلك هو المراد - ولكن على صورة الهيمنة السياسية، والسيطرة الاقتصادية، والتحكمات العسكرية.

ففي سبيل «ضمان أمن إسرائيل» بعد إقامة «دولتها الدينية» المحلية في فلسطين؛ هُدمت دولة الخلافة العثمانية في تركيا، لتنشأ على أنقاضها دولة أتاتورك «اللادينية» بتعاون وثيق بين أركان الصليبية العالمية، ولتقوم على أنقاضها فروع الكيانات العلمانية بحدود «سايكس-بيكو» التي اشترط «المجتمع الدولي» لاستمرار الاعتراف بـ«سيادة» كل منها أن تعترف بـ«سيادة» واستقلال دولة اليهود، مع تعهد معلن أو غير معلن بـ«أمن إسرائيل»، سواء كان هذا التعهد بالاعتراف الرسمي بها، أو المهادنة الدائمة لها، أو المداهنة والتمييع في شأن التطبيع مع كيانها.

ومن أجل «ضمان أمن إسرائيل» المتضمن في جوهره الحقيقي تهويد القدس وهدم الأقصى؛ جرت - ولا تزال تجري - محاولات تغيير قناعات الشعوب العربية والإسلامية، وتوجيه مسارات خطط الأقليات الدينية والمذهبية، وتسير في الأجيال خطى التغرير باسم «التطوير» في المناهج الدراسية، وفي تثبيت أو إطاحة الأنظمة الشمولية.

وتحقيقاً للوصول للمقصد المأمول في تأمين اليهود؛ يتم توظيف وسائل التضليل الإعلامية في توصيف وتصنيف ومعاملة كل التجمعات والاتجاهات الإسلامية، بحسب مدى تأثيرها في عرقلة المسارات الصهيونية.

«ضمان أمن إسرائيل» - عند التأمل - يفسر أكثر التفاعلات والتغيرات المتتابعة في المنطقة؛ حيث تقبع خلفها تلك الرغبة الصارمة لتحقيق «أمن» هذه «الإسرائيل» بأي سبيل، مهما كانت صادمة! وآخر ذلك تأكيد رئيس أمريكا الجديد دونالد ترمب على «يهودية» القدس، من خلال تعهده المتكرر بتنفيذ قرار الكونغرس الأمريكي المؤجل منذ التسعينات؛ بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس!

في صميم «ضمان أمن إسرائيل» يأتي تأمين مستقبل مركز قيادتها في عاصمتها المفترضة «القدس».. التي لا قدسية لها عند مَنْ ظفر بها إلا بمركز العبادة التاريخي العريق الذي أقيم بوسطها، وهو المعروف عند المسلمين بـ«المسجد الأقصى»، وعند أهل الكتاب بـ«هيكل سليمان»، لذلك شاعت مقولة كبراء اليهود المعاصرين: «لا قيمة لإسرائيل بدون القدس، ولا قيمة للقدس بدون الهيكل».

في هذا السياق ينبغي فهم حقيقة «تهويد القدس» وتأمين مستقبلها لليهود، دينياً، وسكانياً، واقتصادياً، وعمرانياً، وتعليمياً، وإعلامياً. فتهويدها توطئة لا بد منها لتهويد مقدساتها أو هدمها، وهذان غرضان أساسيان، هما عند اليهود عقدة وعقيدة، وماض وحاضر ومستقبل، فتهويد القدس ومقدساتها الإسلامية؛ ليسا مجرد قرار بتحديث مدينة، أو مشروع هدم مسجد لبناء معبد! إنما يرتبط هذا وذاك بعقيدة مقترنة بمنظومة فكرية متشعبة، يرتبط بعضها ببعض، تبدأ من السيطرة على فلسطين؛ وتنتهي بالسيطرة على العالم، مروراً بتهويد القدس كلها، وفلسطين بأكملها، وما يسمونه بأرض «إسرائيل الكبرى» بتمامها.

مواقف نصارى العالم فيما يتعلق بذلك التهديد بالهدم والتهويد؛ ينبغي أن يفهمها المسلمون على أنها أيضاً عقيدة نصرانية - كاثوليكية وبروتستانتية وأرثوذكسية - فجميع هذه الطوائف تؤمن بعودة المسيح للقدس، وجلوسه في الهيكل، وحكمه للعالم من «أورشاليم» (القدس) بعد إقامة دولة اليهود واتخاذ القدس عاصمة لها، وإعادة بناء الهيكل فيها، وبعد مدة زمنية - لا بد منها - يحكمونها، ثم تكون النهاية - كما يعتقد النصارى بموجب ما عندهم في كتبهم - أن يؤمنوا بالمسيح هذه المرة، ويكونوا من أخلص جنوده!

لكن النصارى البروتستانت على وجه الخصوص الذين يدينون بغالبية ما يدين به اليهود في النواحي الاعتقادية؛ يبالغون في توكيد الإيمان بقرب عودة المسيح المخَلِّص؛ معتقدين أن هذا القرب سيكون أكثر كلما دعموا اليهود ومكنوهم من تحقيق وتطبيق مشروع «إسرائيل الصغرى» على أرض فلسطين كلها، للوصول من خلاله إلى «إسرائيل الكبرى» على الأرض الممتدة من النيل من إلى الفرات بتمامها.

ولأن النصارى يعتقدون أن المنتظر العائد في آخر الزمان هو عيسى ابن مريم - عليه السلام - بذاته؛ في حين أن اليهود يعتقدون أنه نبي خالص لهم وخاص بهم، وهو آخر أنبيائهم؛ فإن الطرفان يتعاونان - برغم بغض بعضهما لبعض وتكفير بعضهما لبعض - للتهيئة لمجيء ذلك المخلص الموعود برغم اختلافهم في تعيين شخصه.. ريثما يأتي هو فيلتحق به من هو أولى به!

 

ومن أبرز أسباب مجيء ذلك المنتظر لدى المغضوب عليهم والضالين؛ بل من شروط مجيئه، كما يجمع أهل الملتين:

 عودة اليهود لفلسطين وإقامة دولة يهودية خالصة بها.

 استعادة القدس كلها واتخاذها عاصمة لها.

 إعادة بناء هيكل سليمان في هيئته اليهودية التي لن تكتمل إلا بعد ذبح «البقرة الحمراء العاشرة» على أعتابها!

لا شك أن معرفة هذه الأبعاد الدينية الأسطورية المفروضة على الواقع؛ والقابعة خلف المواقف السياسية والترتيبات الإستراتيجية؛ تحل لنا إشكالات كبيرة في فهم وتفسير هذا التعاون غير المفهوم وغير المحدود بين طوائف النصارى وكيان اليهود، في كل مراحل الصراع مع العرب والمسلمين، مع أن كل مصالح هؤلاء عندنا وليست عندهم.

نصارى البروتستانت كانوا ولا يزالون في صدارة قيادة المركب اليهودي؛ ليوصلوه ويصلوا به إلى بر البحيرة الجامعة بين أمتي الغضب والضلال، التي ستخرج منها بسببهم فتنة المسيح الدجال!

بريطانيا «البروتستانتية» على وجه الخصوص؛ هي التي حملت المشروع الصهيوني وحمته ورتبت له، وخططت لخطواته وهيأت أدواته ونفذتها لتمكين اليهود من احتلال أرض فلسطين؛ بعد أن احتلتها بجيشها مدة ثلاثين عاماً، حتى إذا ما هيأت «الصهيونية المسيحية الإنجيلية» لـ«الصهيونية اليهودية التوراتية» هذه الأرض ومكنتهم فيها بإقامة ميليشياتهم العسكرية ومشروعاتهم الاقتصادية، وبنيتهم الأساسية السكانية والعمرانية؛ أذنت لهم بعدها أن يستقلوا فانسحبت بريطانيا بجيوشها كي تحل عصابات اليهود محلها، فيعترف بها كل النصارى، ويتسارعون في تثبيتها وتقويتها وحمايتها.

ثم جاءت الولايات المتحدة «البروتستانتية» بعد بريطانيا؛ لتتسلم راية التمهيد لعصر اليهود في المنطقة، ولتكون بمثابة الحبل الثاني الذي يُمد لهم، كما قال الله عز وجل: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ} [آل عمران: 112]، فحبل الناس الأول في هذا العصر كان حبل الإنجليز، والحبل الثاني من بعدهم وإلى الآن هو حبل الأمريكان ومن يدور في فلكهم من كل مكان.

يحتاج المسلمون عموماً - والإسلاميون منهم خصوصاً - أن يستحضروا هذه الحقائق ويتذكروها، كلما تشتت بهم الذاكرة، ورانت على قلوب بعضهم غشاوة الغفلة عما يُراد لنا وبنا، في خضم هذه الأحداث الصارفة للأنظار عن القدس وقضيتها، فهم هذه الحقائق وتذكرها يمكن في ضوئه الإلمام بخلفيات كثير من الأحداث والوعي بأبعادها، كي يتبين خواص الأمة سبيلهم ويتحسسوا خطواتهم ويختاروا مواقفهم؛ بعد أن يرتبوا أولوياتهم في مواجهة أعدائهم ومن يدور في فلكهم.

ينبغي للعرب والمسلمين - شعوباً وقادة - أن يستشعروا خطر مسارعة اليهود في تهويد القدس المتسارع اليوم، للتعجيل بهدم الأقصى لبناء الهيكل، وينبغي لهم أن يعرفوا ويوقنوا بأن اليهود الذين أعدَّ الغرب لمجيئهم إلى فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر بحيث لم يكد القرن العشرون أن ينتصف حتى حققوا مشروعهم القديم بعودة اليهود إلى فلسطين؛ هم الذين خاضوا في النصف الثاني من ذلك القرن العشرين، وبدايات القرن الحادي والعشرين معظم حروبهم للوصول إلى بقية أهدافهم، من خلال ست حروب، كانت تسير على دروب «إسرائيل الكبرى» - وآخرها في العقد الماضي؛ حرب غزو العراق التي مهدت لتهديد المنطقة كلها، حتى جزيرة العرب والحرمان في قلبها. ولا عجب؛ فالرباط الكوني والشرعي بين منازل ومصائر المساجد الثلاثة التي تُشد إليها الرحال؛ هو المحرك الإلهي من خلف الأستار لما تشهده أرض النبوات والنبوءات من تسلسل الأقدار.

وليتذكر المسلمون - والعلماء والدعاة والمجاهدون في طليعتهم - أن الصهيونيين لم يقيموا دولتهم ويقووها؛ ولم يحتلوا القدس ويهودوها؛ ولم يخضعوا بلاد العروبة حولهم ويكبلوها؛ إلا من أجل استكمال معالم الدولة الدينية اليهودية العالمية؛ التي يعدون القدس عاصمتها «الأبدية الموحدة» والهيكل قبلتها التعبدية.. فهي التي يصلون إليها، ويعتقدون عدم قبول العبادة والطقوس إلا بعد «التطهر» في محرابها، ولهذا لن يتنازلوا عنها بعد أن وصلوا إليها وتحكموا فيها؛ إلا إذا وجدوا رداً قوياً وردعاً فتياً، من رجال أولي بأس شديد، يجوسون خلال ديارهم ويتبروا ما علوا تتبيراً.

اليهود ومن وراءهم يفهمون هذا المصير جيداً، ولهذا يضعون شرفاء الأمة من الإسلاميين المخلصين في مقدمة قوائم الاستهداف، فهم الهم الأكبر والعدو الأخطر الذي يهدد «أمن إسرائيل»! ولهذا شُنت الحرب العالمية على أهل الإسلام باسم الحرب على الإرهاب، حتى قبل أن تتضح معالم ما يقصدون بهذا الإرهاب، حيث أعلنت العزم على بدء هذه الحرب وزيرة خارجية بيل كلينتون اليهودية مادلين أولبرايت عام 1998م وسمتها «حرب القرن القادم»، ثم أطلقتها فعلياً إدارة المحافظين (اليهود) الجدد، في عهد بوش الابن تحت مسمى «الحرب العالمية على الإرهاب» عام 2001م، وأبقى على إشعالها عمال اليهود وعملاؤهم في إدارتي أوباما ثم ترمب ليظل أوار تلك الحرب ولهيب نارها مصدراً لافتعال الأزمات واتخاذها ذرائع لإدارة الصراعات التي تصرف الأنظار عن «أم الأخطار» وهي دولة طلائع الدجال! ومع ذلك فالمعارك التي دارت ولا تزال تدور لليوم في بلاد الشام والعراق وما حولهما - لو تأملنا - ما هي إلا محاولات يائسة لإبعاد أو تأجيل النهاية البائسة للكيان الصهيوني المرعوب، الذي يقترب الخطر منه بقدر إبعاد وكلاء الحماية عنه.

والأمر اليقين إلى أن يحين زمن تمكين المسلمين؛ أنه كلما عاد اليهود إلى الإفساد في الأرض؛ عاد الله عليهم بالعقوبة، بأن يسلط عليهم من يعيدهم إلى قدر الذلة المضروبة على أعناقهم، واللعنة المكتوبة في جبينهم لبلوغ مصير الحصار في الدنيا، الموصل لحصير النار في الآخرة، فأمرهم لا تعدو نهايته أن تكون كما قال الله تعالى: {وَإنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الإسراء: ٨٨].