غزة... عَزَّة... عِزَّة

منذ 2011-05-14

هذه معالم موجزة توضح لنا كيف نتجاوز هذه الأزمة بل وغيرها من أزمات، فغزة مثال للعداء الغربي "اليهودي والنصراني" للإسلام، وليس بآخرها. ولن نستطيع الوصول إلى العزة والرفعة لديننا وبديننا إلا إذا أخرجنا "عَزَّةَ" من قلوبنا، وصار شغلنا بآخرتنا...



الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

فهذه ثلاث كلمات تصوِّر الواقعَ الذي نعيشه هذه الأيام وما نتطلع إليه، لكنها وإن تشابهت في الرسم، فبين معانيها كما بين السماء والأرض.

أما الأولى، فغَزَّة (بالغين المعجمة): وهي تلك القطعة من جسدنا الممزق الجريح، والتي يتكالب عليها إخوان القردة والخنازير ومن ساندهم من الأمريكان النصارى الحاقدين، والمنافقين والعلمانيين، رغبة منهم في إزهاق المقاومة الإسلامية والقضاء على حركة الجهاد الإسلامي هناك.

وحتى هذه اللحظة والقلم يسطر هذه الكلمات يتوالى القصف برًّا وبحرًا وجوًا، لتلك المدينة المنكوبة -ولا حول ولا قوة إلا بالله - على مرأى ومسمع من العالم المتحضر، بل للأسف العالم الإسلامي أيضًا، والله المستعان، وإليه المشتكى.

وليست هذه الصفحات لسرد أو فتح سجلات جرائم العدو الصهيوني، فقد رأينا وسمعنا ما يعتصر له القلب ألمًا، وتبكي منه العين دمًا لا دمعًا، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وأما الثانية، عَزَّة (بالعين المهملة): فهي رمز للتعلق بالشهوات، شهوات الدنيا من نساء وأموال ومناصب وغيرها، وقد أخذْتُه من قصة ذلك الشاعر "كُثَيِّر" الذي تعلق بامرأة يقال لها "عَزَّة" وكتب فيها من شعر الغزل الكثير والكثير حتى صار يلقب بها فيقال: "كُثَيِّر عَزَّة"، كـ "مجنون ليلى"، وغيرها كثير في تراثنا، ممن انحرفوا بالشعر عن غايته وهدفه.
وأتيت بهذه الكلمة لأقول: إن طريق الوصول إلى الكرامة والعزة والرفعة لا يكون مع التعلق بالشهوات والركون إليها، وأن تصير هي القبلة والوجهة والمحرك للقلوب، إذ إن ذلك من أسباب الهزيمة، وشواهد ذلك كثيرة.

لمَّا مالت نفوس بعض الصحابة للدنيا في أحد، كانت الهزيمة وأنزل الله: {مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [آل عمران:152]، مع أسباب أخرى معروفة.


ومن كانت الدنيا همه لم يسهل عليها فراقها، وصدته عن التضحية والبذل لدينه، ويشهد لذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لاَ يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهْوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلاَ أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلاَ أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلاَدَهَا » [متفق عليه].

وقد بيَّن الله أن من صفات اليهود - لعنهم الله - الحرص على الدنيا، أيًّا كانت، فقال: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} [البقرة:96].

ومن يطالع تاريخ الأندلس المفقود يرى بجلاء كيف بذل بعض الأمراء دينهم وتعاونوا مع النصارى ضد إخوانهم المسلمين، كل ذلك لأجل كرسي ومنصب، ودنيا زائلة لم يستمتع بها أيضًا.

فطالبُ اللهِ والدارِ الآخرة الساعي لتحقيق النصر والتمكين لهذه الأمة لابد له من الزهد في الدنيا وعدم التعلق بها، ومن الزهد في الدنيا أن تبذلها رخيصة في الرخاء، فإن الذي يعجز عن ديناره في الرخاء سيعجز عن دمه في الشدة، والذي يعجز عن بذل وقته للدعوة سيعجز عن بذله في ساح الجهاد.


يقول أحمد بن خالد الأحول الكاتب: «من لم يقدر على نفسه بالذل، لم يقدر على عدوه بالقتل».
وعلق الذهبي رحمه الله فقال: «الشجاعة والسخاء أخوان، فمن لم يَجُدْ بماله فلن يجود بنفسه».

ولو توقفنا مع "عَزَّة" الشهوات وقفة أخرى لوجدنا أن كثيرًا من شباب الأمة تائه غارق في لجة الشهوات وسكرة الغفلة، انشغلوا بالحب والغرام والشوق والهيام، فلا هَمَّ يقيم أحدهم أو يقعده سوى التفكير في محبوبته، والرسائل الغرامية، والمواعيد الأثيمة، وبالرغم من اتساع نطاق الصحوة والدعوة وسط الشباب، إلا أن هناك - وبلا شك - تواجدًا لذلك النوع، ولربما كان كثيرًا.

وهم مازالوا - رغم هذه المجازر وتلك الحملة على غزة - متعلقين بشهواتهم باحثين عن رغباتهم منشغلين بما يهلكهم وربما يهلك الأمة معهم، وليتهم - إذ لم يكونوا سببًا في النصر- امتنعوا عن تغريق السفينة، ليتهم وجهوا سهامهم نحو عدوهم بدلاً من صدر أمتهم المكلومة، وإلى الله المشتكى.

ومنهم من هو أحسن حالاً لكنه لا هم له سوى الدراسة والشهادة والمستقبل، فأعرض عن دينه كلية انشغالاً بالكلية، ولربما أتى الدور عليه فلم تنفعه الشهادة وفاتته الشَّهادة.


ووقفة أخرى مع بعض المنتكسين إذ ربما انشغل بنفسه وزوجه وولده عن نصرة دنيه ودعوة ربه، فما حصَّل من الالتزام سوى المظهر، وهذا خير، لكن أن يتوقف عند هذا الحد، فهذا ربما كان نذير شر، إذ لا وقوف في الطريق البتة، بل {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر:37]، وبعضهم يظل في تراجع وتأخر حتى تصدر منه سلوكيات تهدم التزامه هدمًا، فتخر سماء إيمانه على أرضه، ويصبح ممن قال الله فيهم: { وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [النحل:94].

وتأمل قوله تعالى: {بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ }، فكم من سلوكيات تصدر عن بعض المنتسبين للالتزام تكون سببًا للصد عن الالتزام.

أوليس ما نحن فيه من شدائد وآلام يدعونا لوقفة مع النفس لتصحيح المسير إلى الله تعالى؟
لينظر كل واحد منا في حاله والتزامه، ويسأل نفسه: ماذا فِيَّ مما لا يرضي اللهَ؟
ماذا عندي من أسباب الهزيمة؟ ثم وبعزمة صدق وهمة قلب يأخذ بنفسه للجدية في الالتزام نحو دينه ودعوته، فيكون له دور في نصرة إخوانه ورفعة أمته.

إخواني الكرام، وإذا أردنا أن تكتمل معالم الطريق إلى العِزة في خطوات تسير فيها الأمة، فعندنا صفات ذكرها الله تعالى في كتابه للمؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، يقول الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة:111-112].

فأوَّل صفة تطالعنا بها الآية { التَّائِبُونَ }، فالنفوس المحملة بالذنوب لا تستطيع رفع السلاح ولا الصمود في الساح، ولن يصبح العبد معصومًا، لكنها التوبة بعد التوبة وغسل الحوبة، والإكثار من الاستغفار.

لما وجه عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما إلى الفرس لحقه يودعه ويوصيه، فكان مما قال له: «فإن الله عزَّ وجلَّ لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، فإن الله ليس بينه وبين أحد إلا طاعته».


وقد وفد على عمر رضي الله عنه بالفتح، فقال لهم: «متى لقيتم عدوكم؟ قالوا: أول النهار، قال: فمتى انهزموا؟ قالوا: آخر النهار، فقال: إنا لله، أوَ قام الشرك للإيمان من أول النهار إلى آخره؟ والله إن كان هذا إلا عن ذنب أحدثتموه بعدي، أو أحدثته بعدكم».

ولعلي منذ قليل قد أشرت إلى تلك الوقفة اللازمة لكل منا مع نفسه، ثم بمجاهدة نفسه وهواه يكون الوصول إلى التقوى، ومن ثم حصول النصرة.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «جهاد النفس والهوى أصل جهاد الكفار والمنافقين، فإنه لا يقدر على جهادهم حتى يجاهد نفسه وهواه أولاً حتى يخرج إليهم، فمن قهر هواه عز وساد، ومن قهره هواه ذل وهان وهلك وباد».

نعم - والله - كلمات تكتب وتنقش على القلوب.

ولربما البعض يقول: أوَ نجلس نجاهد أنفسنا ونترك إخواننا يُقتَّلون؟
وأقول: ما دمت قد عجزت عن الخروج لنصرتهم، فلتقم بهذا الواجب من الآن، إعدادًا لنفسك لساعة الخروج، من باب تحديث النفس بالغزو.

وصدق من قال:
 
وفي قمْعِ أهواءِ النفوسِ اعتزازُهـا *** وفي نيلـها ما تشتهـي ذلٌّ سرمـدِ
 
إنا لجيل الذي يعب من الشهوات والمنكرات جيل محطم من الداخل، إذ كيف يستطيع أن يجاهد عدوه وهو قد انهزم أمام نفسه، فلم يستطع انتشالها من الدنس؟

ومعلم آخر من معالم جيل النصر: {العَابِدُونَ}

ولك أن تتدبر في عدد قدر الأوصاف التي ذكرت في الآية مندرجة تحت هذا المعلم، فالحمد والصيام -(السَّائِحُونَ) -، والركوع والسجود كله من التعبد، وبلا شك التوبة من العبادة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، لكننا نفصل في بيان معالم الطريق.

ولو ربطنا بين هذه الآية وقوله تعالى في وصف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح:29]، لوجدنا أن الصحابة قد غلب على حياتهم التعبد حتى كأنها كلها ركوع وسجود، فأين الأمة من ذلك؟ أم حالنا تراهم على المقاهي وفي الملاعب...، أهذا طريق نصر أم هزيمة؟

فلو نشأ الواحد منا في أمة منتصرة لربما قلنا له: يجوز لك أن تفسح لنفسك في مباحاتها، لكن مع الأمة المكلومة، الأمة التي تداعت عليها دول الكفر ينبغي أن يكون فينا نوع جدية، وأخذٌ للدين بقوة، واعتناء واهتمام بجانب التعبد، ولا أعني طبعًا الفرائض، وإنما الإكثار من التنفل، إعدادًا للنفس للمسئولية، وإنقاذًا للأمة.


ألم تر أن الله لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة { قُمْ فَأنْذِرْ } [المدثر:2]، قدم ذلك بالأمر بقيام الليل، فقال: { يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ . قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلًا } [المزمل:1-2]، وعلّل ذلك بقوله: {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلًا } [المزمل:5]؟.
فأين الصوامون القوامون، والداعون الذين تفتح لهم أبواب السماء، ويرفع لهم الدعاء؟ والذين هم صمام أمان للأمة من نزول العذاب وحلول البلاء؟

وإذا غلب ذلك على الأمة كان النصر حليفها، لأن الله معها { إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ } [غافر:51]، { وإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغالِبُونَ } [الصافات:173]، { ولَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ } [الحج:40].

ومعلم آخر: {الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ}

وتلك شعيرة ذكرت مع ذكر خيرية الأمة { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ } [آل عمران:110].

مع أن الإيمان هو الأصل، والأمر والنهي فرع عنه، لكنه قدمهما للاهتمام بهما، ولخطرهما.


هذا وأعظم منكر الكفر، وأعظم معروف التوحيد، وما شرع الجهاد إلا لإحلال الثاني ومحو الأول {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ } [الأنفال:39].

ونحن بلا شك نستطيع في كثير من الأحيان تحقيق هذه الصفة لولا التكاسل والتخاذل، فهلا تدربنا عليها تجهزًا للغاية الكبرى؟

أليس قد لعن بنو إسرائيل بسبب تركهم لهذه الشعيرة { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ . كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } [المائدة:78-79].

أليس تركها سببًا لرد الدعاء « وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمْ » [رواه أبو داود والترمذي وأحمد، وحسنه الألباني].


أليس تركها سببًا لغرق المجتمع بأكمله وهلاك الصالح والطالح؟
إنه لابد من وقفة ووقفة لكل واحد منا.

الأولى: لننظر فيما وقعنا فيه نحن من مخالفات ومنكرات، وفيما هو حولنا كذلك منها، وما فرطنا فيه بترك النهي عن فعلها، وكذا التهاون بالأمر بالمعروف.

الثانية: الاهتمام بالتفقه في هذه الشعيرة، وكيفية تطبيقها في واقعنا المعاصر، لنكون على بصيرة من ديننا، ولنتجهز بذلك لتغيير المنكر الأكبر والوقوف في وجه الأعداء.

وأما المعلم الأخير: وهو أهمها على الإطلاق {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّه}ِ

وكيف تحفظ الحدود وقد جهلت؟ وكيف تحفظ الحدود وقد عطلت؟ إذًا لابد من العناية بالعلم الشرعي والعودة لمنابعه الصافية، والاهتمام بمجالس العلماء والازدحام حولهم والصدور عن آرائهم، وتربية الأمة على ذلك، وخاصة صغارها وشبابها.


فلندرك ما نستطيعه في الشباب حماية له من الانحراف والغرق في لجة الشهوات.

ولنَعْتـَنِ بالصغار حتى لا يخرج جيل مهزوم كجيلنا المعاصر الذي تجرع الكثير من الهزائم، واشتمل على الكثير من التشوهات، فكان ما كان من التخبط والتلون لولا رحمة الله تعالى ثم الصحوة المباركة.

هذا ولابد من جدية في أمر التعلم والتربية، لا ما يفعله البعض من وقوف مع الأبواب الأولى من كتب العلم، وقصر للهمة عن الغوص على المعاني والعناية بالدرس والفهم، لاسيما حول معاني الإيمان والإسلام والإحسان، ثم سائر العلوم والفنون.

هذا ويتواكب مع الخط العلمي خط تربوي جاد، إذ ثمرة العلم العمل، وذلك من خلال منهج متكامل لتربية شباب الأمة ورجالها ونسائها.
ولنعلم أن المناهج الهشة والتربية الرخوة لا يمكن أن تخرج من بين أروقتها شخصيات جادة ذات مواقف قوية، والحياة المترفة لا تلد إلا الأجنة المرخوة.

ولنا في قصة بني إسرائيل مع سيدنا موسى عليه السلام الأسوة، إذ امتنعوا عن دخول الأرض المقدسة لأن نفوسهم قد ألفت الذل والهوان، فكتب الله عليهم التيه في الصحراء، وحرمها عليهم حتى نشأ جيل جديد يستحق التمكين.

ولنا أيضًا درس فيما فعله صلاح الدين رحمه الله استعدادًا لجهاد الصليبيين باستبدال مناهج التصوف بالمناهج الشرعية.

وهي سنن الله في الكون لا تتغير ولا تتبدل.

ومع العلم والعمل لابد من دعوة على منهاج النبوة أيضًا، وإيصال الحق إلى الخلق، وبذل الوسع في ذلك.


وبعدُ:

فهذه معالم موجزة توضح لنا كيف نتجاوز هذه الأزمة بل وغيرها من أزمات، فغزة مثال للعداء الغربي "اليهودي والنصراني" للإسلام، وليس بآخرها.

ولن نستطيع الوصول إلى العزة والرفعة لديننا وبديننا إلا إذا أخرجنا "عَزَّةَ" من قلوبنا، وصار شغلنا بآخرتنا، وكانت بالنسبة لنا (أي الدنيا) بلاغًا إلى الآخرة.

فليسأل كل واحد منا نفسه: أين أنت من الكلمات الثلاث؟

وليبحث عن دوره في نصرة دينه وآمته.

وفي الجنة الملتقى إن شاء الله، والله أكبر، والعزة لله، والنصر للإسلام.


14 محرم 1430هـ/10 يناير 2009 م
 
المصدر: إيهاب الشريف - موقع صوت السلف