مصر.. والجهاد الأعظم الآن

منذ 2011-05-19

لا أقصد وقف أي جهد حقوقي لمتابعة محنة هؤلاء السيدات اللاتي يقال أنهن يعانين من اضطهاد ديني أو غيرهن، ولكن أن يبقى مثل هذا الجهد محصورا في التواصل مع أجهزة الدولة الرسمية، وخاصة القضاء والنيابة العامة عن طريق محامين..

على أسس ديمقراطية جادة
هناك صنفان من "البلطجية" يدخلون حاليا في "الشق" الذي يفتعله بعض الشباب السلفي بتصعيدهم في الشارع لقضية كاميليا شحاتة والمواطنات اللاتي أسلمن وتعرضن لضغوط أو اختطاف من قبل جهات كنسية، بلطجية إعلام في بعض الصحف والقنوات الفضائية يهيجون الدنيا ويصورون مصر على أنها على شفير حرب أهلية، وبعض هؤلاء "البلطجية" يعلن بوضوح كامل دعوته إلى عودة "القمع والاستبداد" وإعلان الأحكام العرفية ولولا حياءه وخجله من أن يفضح لطالب بعودة أمن الدولة ومنظومة مبارك الأمنية، وبلطجية الشارع من المرتبطين برموز الحزب الوطني ومصالح أقطابه التي تتلاشى الآن بفعل الثورة وهم من ثبت تورطهم في جميع الأحداث الطائفية الأخيرة مثل حادث أبو قرقاص وحادث امبابة المؤسف الأخير، وفي الحالتين كان رجل أعمال قبطي.


محاولات تأجيج النيران وإثارة الفوضى باستغلال حماسة غير رشيدة لبعض الشباب، تواصلت أمس عندما انتشرت على مواقع الانترنت أخبار ـ اتضح أنها مزيفة ـ عن أن قيادي سلفي كبير من الاسكندرية "الشيخ ياسر برهامي" ذهب إلى مناطق الأحداث في امبابة وبولاق للتهدئة فتم الاعتداء عليه من قبل أقباط وناشد مروجو الخبر الشباب أن يهبوا لنجدة شيخهم، قبل أن يصدر الشيخ المقصود نفسه بيانا ينفي فيه مغادرته الاسكندرية أصلا وأن هذه أكاذيب لا أصل لها، وهو ما يكشف بوضوح أن هناك من يلعب في خفاء، ويحاول استغلال قصة السلفية في إشعال المزيد من الحرائق الطائفية.


هذا التصيد والتفخيخ ومحاولات الانقلاب على الثورة الوطنية لقطع مسارها باستغلال التصعيد الذي يمارسه شباب سلفي في بعض القضايا الحقوقية، يحتاج إلى وعي وحرص شديد من التيار الإسلامي بكامله، ولا بد من وقفة صارمة من قيادات التيار الإسلامي والسلفيين بشكل أخص مع تلك التصرفات غير المسؤولة التي تتم في الشارع على خلفية مطالب حقوقية، وينبغي أن يتخذ قرار علني صريح بوقف جميع الاعتصامات والتظاهرات في الشوارع بشكل كامل وفي جميع مدن مصر بدءا من العاصمة فيما يتعلق بالقضايا الدينية والحقوقية لمثل هذه الحالات، قطعا للطريق على عصابات البلطجة المعششة في صحف وفضائيات كثيرة وفي أوكار الحزب الوطني القديم ورموزه وبقايا الأجهزة الأمنية، لا يليق أن يكون قطاع من السلفيين بهذا القدر من السذاجة الذي يحولهم إلى مجرد وقود لنار هم أول من سيحرقون بها ويضحى بهم فيها، مهما كان نبل مقصدهم، ناهيك عن أن مصر كلها ومصالحها وثورتها المباركة التي طالما حلمنا بها عقودا طويلة ستكون مهددة بمثل هذه التصرفات غير المسؤولة .


لا أقصد وقف أي جهد حقوقي لمتابعة محنة هؤلاء السيدات اللاتي يقال أنهن يعانين من اضطهاد ديني أو غيرهن، ولكن أن يبقى مثل هذا الجهد محصورا في التواصل مع أجهزة الدولة الرسمية، وخاصة القضاء والنيابة العامة عن طريق محامين، مهما طالت الإجراءات، أما الشارع وتوتيره وتهييجه فهو من الآن خط أحمر، من يتجاوزه فسوف يكون متهما أمام التيار الإسلامي نفسه قبل غيره بأنه "متآمر" على الثورة المصرية ومتآمر على المصلحة الوطنية العليا، مصر فيها من المظالم المتخلفة عن العهد البائد الفاسد ما يمثل ملايين الحالات أكبر وأكثر بؤسا ووجعا للقلب من كاميليا وعبير ووفاء، رغم تعاطفي الكامل مع قضايا هؤلاء جميعا، كما أن أوجاع مصر ومتاعبها أكبر بكثير وبما لا يقارن بتلك القضايا، وأنا على يقين من أن مصر عندما تتعافى، وتنعم بالأمن والأمان وتستقر فيها أجواء الحرية، وتتأسس بنيتها القضائية والتشريعية والتنفيذية، ستنحل أزمتها مع كل تلك القضايا الفرعية تلقائيا، وبدون مظاهرات وبدون حتى قضاء، لأن مثل هذا "الهوس" من كل الأطراف لن يكون له مكان في تلك الأجواء الصحية الجديدة، لأنه "هوس" مرتبط بأجواء مرض وكآبة وإحباط وكراهية، نشره في ربوع الوطن نظام مبارك وحزبه ومؤسساته الأمنية والإعلامية .


على رموز التيار السلفي الكبار أن يعلنوا موقفهم صريحا، وأن يعلوا صوتهم، ويطلقوا مبادرتهم، لإلزام الجميع بوقف أي احتشاد في الشارع على خلفية مطالب لها بعد طائفي، وعلى التيار الإسلامي بجميع فصائله، أن يكون عونا للمجلس العسكري والحكومة المصرية لترسيخ أمن وأمان الوطن في تلك اللحظة الحرجة من تاريخه وبسط أجواء من الهدوء والاستقرار، لأن هذا هو المدخل الوحيد والضروري لاكتمال نجاح الثورة، وترسيخ قيم الحرية والكرامة والعدالة في مصر الجديدة، وهي القيم التي سيكون التيار الإسلامي نفسه أول المستفيدين من ربيعها، مع كل القوى الوطنية النبيلة التي شاركت في ثورة مصر من كل التيارات، هذا هو الجهاد الأعظم الآن .

 
التاريخ: 7/6/1432 هـ الموافق 11-05-2011  م
 
المصدر: جمال سلطان - موقع جريدة المصريين