فوائد من كتاب شفاء العليل (2-2)

منذ 2019-11-02

وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة.

 

فوائد من شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل لابن القيم:

 

من وافق الناس على ما يريدون ليتخلص من أذاهم أصابته الآلام والمشقة:

الإنسان...مدني بالطبع, لا يمكنه أن يعيش وحده, بل لا يعيش إلا معهم [المقصود الناس] وله ولهم لذاذات ومطالب متضادة ومتعارضة, لا يمكن الجمع بينها, بل إذا حصل منها شيء فات منها أشياء, فهو يريدُ منهم أن يوافقوه على مطالبه وإرادته, وهم يريدون منه ذلك, فإن وافقهم حصل له من الألم والمشقة بحسب ما فاته من إرادته, وإن لم يوافقهم آذوه وعذبوه وسعوا في تعطيل مراداته, كما لم يوافقهم على مراداتهم فيحصل له من الألم والتعذيب بحسب ذلك فهو في ألم ومشقة وعناء وافقهم أو خالفهم ولا سيما إذا كانت موافقتهم على أمور يعلم أنها عقائد باطلة, وإرادات فاسدة وأعمال تضره في عواقبها, ففي موافقتهم أعظم الألم, وفي مخالفتهم حصول الألم, فالعقلُ والدينُ والمروءةُ تأمره باحتمال أخف الألمين تخلصاً من أشدهما, وبإيثار المنقطع منهما لينجو من الدائم المستمر, فمن كان ظهيراً للمجرمين من الظلمة على ظلمهم, ومن أهل الأهواء والبدع على أهوائهم وبدعهم, ومن أهل الفجور والشهوات على فجورهم وشهواتهم ليتخلص بمظاهرتهم من ألم أذاهم أصابه من ألم الموافقة لهم عاجلاً أو آجلاً أضعاف أضعاف ما فرَّ منه.

وإن صبر على ألم مخالفتهم ومجانبتهم أعقبه ذلك لذة عاجلة وآجلة تزيد على لذة الموافقة بأضعاف مضاعفة. وسنة الله في خلقه أن يرفعهُ عليهم, ويُذلهم له, بحسب صبره وتقواه, وتوكله, وإخلاصه. وإذا كان لا بد من الألم والعذاب فذلك في الله, وفي مرضاته, ومتابعة رسله أولى, وأنفع منه في الناس ورضائهم وتحصيل مراداتهم..فإذا تصور العبد أجل ذلك البلاء وانقطاعه وأجل لقاء المُبتلي سبحانه هان عليه ما هو فيه وخفّ عليه حمله.

دواء لإزالة الهموم والغموم والأحزان:

الهمُّ يكون على مكروه يتوقع في المستقبل يهتم به القلب, والحزنُ على مكروه ماضٍ من فوات محبوب, أو حصول مكروه إذا تذكره أحدث له حزناً, والغمُّ يكون على مكروه حاصل في الحال يُوجب لصاحبه الغم, فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه, وقد تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها, وتباينت طرقهم في ذلك تبايناً لا يحصيه إلا الله. بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها, وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدة, كمن لا يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها, وكمن يتداوى منها باللغو, واللعب, والغناء, وسماع الأصوات المطربة, ونحو ذلك, فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها, وكلُّهم قد أخطأ الطريق إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه الله لإزالتها, وهو دواء مركب من مجموع أمور متى نقص منها جزء جزءً نقص من الشفاء بقدره, وأعظمُ أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار.

قال تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات }  [محمد:19] وفي الحديث: ( «فإن الشيطان يقول: أهلكتُ بني آدم بالذنوب, وأهلكوني بالاستغفار» )

فالتوحيد يُدخل العبد على الله, والاستغفار والتوبة يرفع المانع, ويزيلُ الحجاب الذي يحجب القلب عن الوصول إليه, فإذا وصل القلب إليه زال عنه همُّه وغمّه وحزنه. وإذا انقطع عنه حضرته الهمومُ والغمومُ والأحزانُ, وأتته من كل طريق, ودخلت عليه من كل باب.

فوائد متفرقة:

* الهداية: معرفة الحق, والعمل به.

* إذا تدبر العبد...أن ما هو فيه من الحسنات من فضل الله فيشكر ربه على ذلك, فزاده من فضله عملاً صالحاً, ونعماً يفيضها عليه, وإذا علم أن الشر لا يحصل له إلا من نفسه وبذنوبه استغفر ربه, وتاب فزال عنه سبب الشر, فيكون دائماً شاكراً مستغفراً. 

* لما كانت النحل من أنفع الحيوان وأبركه...كان أكثر الحيوان أعداء لها, وكان أعداؤها من أقلِّ الحيوان منفعةً, وبركةً, وهذه سُنة الله في خلقه, وهو العزيز الحكيم.

* استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يُوصل إليها على جسر المشقة والتعب, ولا يُدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق, ولذلك حفَّ الجنة بالمكاره, والنار بالشهوات.

* تأمل أبواب الشريعة, ووسائلها وغاياتها, كيف تجدها مشحونة بالحكم المقصودة, والغايات الحميدة التي شرعت لأجلها, التي لولاها لكان الناس كالبهائم بل أسوأ حالاً.

* شيخ الملحدين ابن سينا.

                                   كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ