فوائد من كتاب الفوائد للعلامة ابن القيم (1-2)

منذ 2019-11-27

أصول الخطايا كلها ثلاثة:  الكبرُ: وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره, والحرص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة, والحسدُ: وهو الذي جرَّأ أحد ابني آدم على أخيه, فمن وقي شرَّ هذه الثلاثة فقد وقي الشَّرَّ, فالكفر من الكِبر, والمعاصي من الحرص, والبغي والظلم  من الحسد.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين..أما بعد : فمن أشهر كتب العلامة ابن القيم رحمه الله كتابه الموسوم بـ " الفوائد " وهو اسم على مسمى, فالفوائد فيه كثيرة, وقد يسر الله الكريم فانتقيت شيئاً منها, أسأل الله أن ينفع بها, ويبارك فيها.

أسباب الانتفاع بالقرآن:

إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, وألق سمعك, واحضر حُضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه, فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله.قال تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ  [ق:37]

قوله:   {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ } المراد به القلب الحيُّ الذي يعقلُ عن الله.

وقوله:   {أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ}  أي: وجه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يقال له, وهذا شرط التأثر بالكلام.

وقوله:   {وَهُوَ شَهِيدٌ } أي: شاهد القلب حاضر غيرُ غائب.

فإذا حصل المؤثِّرُ وهو القرآنُ, والمحل القابل وهو القلب الحي, ووجد الشرط وهو الإصغاءُ, وامتنع المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه إلى شيءٍ آخر, حَصَل الأثرُ وهو الانتفاع والتذكر.

متى شهد العبدُ أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله لم يخفهم, ولم يرجهم:

متى شهد العبدُ أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد الله وحده يُصرفهم كيف يشاءُ, لم يخفهم بعد ذلك, ولم يرجهم, ولم يُنزلهم منزلة المالكين, بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين, المتصرفُ فيهم سواهم, والمدبرُ لهم غيرُهم.

فمن شهد نفسه بهذا المشهد, صار فقره وضرورته إلى ربه وصفاً لازماً له, ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم, ولم يُعلق أمله ورجاءه بهم, فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته.

سؤال الله عز وجل ذهاب الحزن والهمّ والغمّ بالقرآن:

قوله صلى الله عليه وسلم:  « وأن تجعل القرآن ربيع قلبي, ونور صدري, وجلاء حزني, وذهاب همي وغمي»  لما كان الحزنُ والهمَُ والغمَُ يضادُّ حياة القلب واستنارته, سأل أن يكون ذهابها بالقرآن, فإنها أحرى أن لا تعود, وأما إذا ذهبت بغير القرآن من صحةٍ أو دنيا أو جاه أو زوجةٍ أو ولدٍ, فإنها تعود بذهاب ذلك.

الحذر من التكاثر الذي لا يكون في طاعة الله ورسوله:

قوله تعالى: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}  أي شغلكم على وجهٍ لا تعذرون فيه,...وأعرض عن ذكر المتكاثر به إرادة لإطلاقه وعمومه وأن كلَّ ما يُكاثر به العبدُ غيره – سوى طاعة الله ورسوله وما يعود عليه بنفع معاده – فهو داخل في هذا التكاثر, فالتكاثر في كل شيء, من مال, أو جاهٍ, أو رئاسة, أو نسوةٍ, أو حديث, أو علم – ولا سيما إذا لم يحتج إليه – والتكاثر في الكتب, والتصانيف, وكثرة المسائل, وتفريعها, وتوليدها, والتكاثر أن يطلب الرجل أن يكون أكثر من غيره, وهذا مذموم, إلا فيما يُقربُ إلى الله, فالتكاثر فيه منافسة في الخيرات ومسابقة إليها.

 

مشاهد على العبد ملاحظتها إذا جرى له مقدور يكرهُهُ:

إذا جرى على العبد مقدور يكرهُهُ, فله فيه ستهُ مشاهد:

أحدها: مشهد التوحيد, وأن الله هو الذي قدرهُ وشاءهُ وخلقهُ, وما شاء الله كان, وما لم يشأ لم يكن.الثاني: مشهد العدل, وأنه ماض فيه حُكمُهُ, عدل فيه قضاؤه.

الثالث: مشهد الرحمة, وأن رحمته في هذا المقدور غالبه لغضبه وانتقامه, ورحمتُهُ حشوُهُ.الرابع: مشهد الحكمة, وأن حكمته سبحانه اقتضت ذلك, لم يُقدره سُدى ولا قضاه عبثاً.

الخامس: مشهد الحمد, وأن له سبحانه الحمد التام على ذلك من جميع الوجوه.

السادس: مشهد العبودية, وأنه عبد محض من كل وجه, تجري عليه أحكام سيده وأقضيته بحكم كونه ملكه وعبده, فيُصرفه تحت أحكامه القدرية كما يصرفه تحت أحكامه الدينية, فهو محل لجريان هذه الأحكام عليه.

الاجتماع بالإخوان:

الاجتماع بالإخوان قسمان:

أحدهما: اجتماع على مؤانسة الطبع وشُغل الوقت, فهذا مضرته أرجح من منفعته, وأقلُّ ما فيه أنه يفسد القلب ويُضيعُ الوقت.

الثاني: الاجتماع بهم على التعاون على أسباب النجاة والتواصي بالحق والصبر, فهذا من أعظم الغنيمة وأنفعها, ولكن فيه ثلاث آفات:

إحداها: تزيُّنُ بعضهم لبعض.ا

لثانية: الكلام والخلطة أكثر من الحاجة.

الثالثة: أن يصير ذلك شهوة وعادة ينقطع بها عن المقصود.

 

الإنسان مولع بحبِّ العاجل وإن كان دنيّاً, وبقلَّةِ الرغبة في الآجل وإن كان علياً:

والعبدُ - لجهله بمصالح نفسه, وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه – لا يعرف التفاوت بين ما مُنِعَ منه وبين ما ذُخِرَ له, بل هو مولع بحبِّ العاجل وإن كان دنيّاً, وبقلَّةِ الرغبة في الآجل وإن كان علياً.

ولو أنصف العبد ربه – وأنَّى له بذلك – لعَلِمَ أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك, فما منعه إلا ليُعطيه, ولا ابتلاه إلا ليُعاقبه, ولا امتحنه إلا ليصافيه, ولا أماته إلا ليحييهُ, ولا أخرجه إلى هذه الدار إلا ليتاهَّب منها للقدوم عليه وليسلك الطريق الموصلة إليه.

أصول الخطايا:

أصول الخطايا كلها ثلاثة:  الكبرُ: وهو الذي أصار إبليس إلى ما أصاره, والحرص: وهو الذي أخرج آدم من الجنة, والحسدُ: وهو الذي جرَّأ أحد ابني آدم على أخيه, فمن وقي شرَّ هذه الثلاثة فقد وقي الشَّرَّ, فالكفر من الكِبر, والمعاصي من الحرص, والبغي والظلم  من الحسد.

هجر القرآن:

هجر القرآن أنواع:

 احدها : هجرُ سماعه, والإيمان به, والإصغاء إليه.

الثاني: هجرُ العمل به والوقوف عند حلاله وحرامه, وإن قرآه وآمن به.

الثالث: هجرُ تحكيمه والتحاكم إليه في أصول الدين وفروعه.

الرابع: هجرُ تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.

الخامس: هجرُ الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلوب وأدوائها.

 

حقيقة العبودية:

من عرف نفسه عرف ربه, فإنه من عرف نفسه بالجهل والظلم والعيب والنقائص والحاجة والفقر والذُّل والمسكنة والعدم, عرف ربه بضد ذلك, فوقف بنفسه على قدرها, ولم يتعد بها طورها, وأثنى على ربه ببعض ما هو أهله, وانصرفت قوة حُبِّه وخشيته ورجائه وإنابته وتوكله إليه وحده, وكان أحبَّ شيء إليه وأخوف شيء عنده وأرجاه له, وهذا هو حقيقة العبودية.والله المستعان.

الصبر على الشهوة أسهلُ من الصبر على ما تُوجبه الشهوةُ:

الصبر على الشهوة أسهلُ من الصبر على ما تُوجبه الشهوةُ فإنها إما أن توجب ألماً وعقوبة وإما أن تقطع لذة أكمل منها وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة, وإما أن تثلم عرضاً, توفيره أنفع للعبد من ثلمه, وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خيراً له من ذهابه, وإما أن تضيع قدراً وجاهاً قيامُهُ خير من وضعه, وإما أن تسلب نعمةً بقاؤها ألذُّ وأطيبُ من قضاء الشهوة وإما أن تجلب هماً وحزناً وخوفاً لا يقارب الشهوة وإما أن تنسي علماً ذكره ألذُّ من نيل الشهوة وإما أن تُشمَّت عدواً وتحزن ولياً وإما أن تقطع الطريق على نعمة مقبلة وإما أن تحدث عيباً يبقي صفة لا تزول

الأصول التي تُبنى عليها سعادة الإنسان:

الأصول التي انبني عليها سعادةُ العبد ثلاثة: ولكل واحد منها ضد, فمن فقد ذلك الأصل حصل على ضده: التوحيد وضده الشرك, والسنة وضدها البدعة, والطاعة وضدها المعصية, ولهذه الثلاثة ضد واحد, وهو: خُلوُّ القلب من الرغبة في الله وفيما عنده ومن الرهبة منه ومما عنده.

 

السبيل للراحة من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات:

من..علم أن الله على كل شيء قدير, وأنه المتفرد بالاختيار والتدبير, وأن تدبيره لعبده خير من تدبير العبد لنفسه, وأنه أعلم بمصلحته من العبد, وأقدر على جلبها وتحصيلها منه, وأنصح للعبد منه لنفسه, وأرحم به منه لنفسه, وأبرُّ به منه بنفسه, وعلم مع ذلك أنه لا يستطيع أن يتقدم بين يدي تدبيره خطوة واحدة ولا يتأخر عن تدبيره له خطوة واحدة, فلا متقدم له بين يدي قضائه وقدره ولا متأخر, فألقى نفسه بين يديه, وسلَّم الأمر كله إليه, وانطرح بين يديه انطراح عبد مملوك ضعيف بين يدي ملك عزيز قاهر, له التصرف في عبده بكل ما يشاء, وليس للعبد التصرف فيه بوجه من الوجوه, فاستراح حينئذ من الهموم والغموم والأنكاد والحسرات, وحمل كلَّه وحوائجه ومصالحه من لا يبالي بحملها ولا تُثقله ولا يكترثُ بها, فتولاها دونه, وأراه لطفه وبره ورحمته وإحسانه فيها, من غير تعب من العبد ولا نصب ولا اهتمام منه, لأنه صرف اهتمامه كله إليه, وجعله وحده همه, فصرف عنه اهتمامه بحوائجه ومصالح دنياه, وفرَّغ قلبه منها, فما أطيب عيشه! وما أنعم قلبه وأعظم سروره وفرحه.

وإن أبى إلا تدبيره لنفسه, واختياره لها, واهتمامه بحظه, دون حق ربه, خلاّه وما اختاره, وولاه ما تولى, فحضره الهمُّ, والغمُّ, والحزنُ, والنكدُ, والخوف, والتعب, وكسفُ البال, وسوءُ الحال, فلا قلب يصفو, ولا عمل يزكو, ولا أمل يحصل, ولا راحة يفوز بها, ولا لذة يتهنأ بها, بل قد حيل بينه وبين مسرته, وفرحه, وقرة عينه.