فوائد من إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان لابن القيم(1-4)

منذ 2019-12-24

ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله, ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكين.

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فمن أهم مصنفات العلامة ابن القيم رحمه الله كتابه "إغاثة اللهفان في مصايد الشيطان " ويدور الكتاب حول موضوعين رئيسين: الأول: أمراض القلوب وعلاجهاالثاني: مكايد الشيطان التي يكيد بها ابن آدم

والكتاب مشحون بالفوائد, وقد يسر الله الكريم لي فانتقيتُ شيئاً منها, لا تغنى عن أصل الكتاب, أسأل الله الكريم أن ينفع بها ويبارك فيها.

                           كتبه/ فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

لا سعادة للقلب ولا لذة ولا نعيم ولا صلاح إلا بأن يكون إلهه وفاطره وحده هو معبوده وغاية مطلوبه, وأحب إليه من كل ما سواه

ليس في الكائنات شيء غير الله سبحانه يسكن القلب إليه, ويطمئن به, ويأنس به, ويتنعم بالتوجه إليه! ومن عبد غيره سبحانه وحصل له به نوع منفعة ولذة, فمضرته بذلك أضعاف أضعاف منفعته, وهو بمنزلة أكل الطعام المسموم اللذيذ, وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما إله غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: {لَو كانَ فيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّـهُ لَفَسَدَتا }[الأنبياء:22] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله فسد فساداً لا يرجي صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه, ويكون الله وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه, ويتوكل عليه, وينيب إليه.

فأوامره سبحانه, وحقه الذي أوجبه على عباده, وشرائعه التي شرعها لهم, هي قرة العيون, ولذة القلوب, ونعيم الأرواح وسرورها, وبه سعادتها وفلاحها, وكمالها في معاشها ومعادها,

انقسام القلوب إلى صحيح وسقيمٍ وميتٍ

القلب الصحيح هو القلب السليم الذي لا ينجو يوم القيامة إلا من أتى الله به كما قال تعالى: { يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّـهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [الشعراء:88-89] والقلب السليم...الذي قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه, ومن كل شبهة تعارض خبره, فسلم من عبودية ما سواه, وسلم من تحكيم غير رسوله.

والقلب الثاني: ضدُّ هذا, وهو القلب الميت الذي لا حياة به, فهو لا يعرف ربه, ولا يعبده بأمره وما يحبه ويرضاه, بل هو واقف مع شهواته ولذاته, ولو كان فيها سخط ربه وغضبه....الهوى إمامه, والشهوة قائده, والجهل سائسه, والغفلة مركبه..لا يستجيب للناصح, ويتبع كل شيطان مريد, الدنيا تسخطه وترضيه.

ومخالطة صاحب هذا القلب سقم, ومعاشرته سُم, ومجالسته هلاك.

والقلب الثالث: قلب له حياة وبه علة, فله مادتان, تمده هذه مره مرة, وهذه أخرى, وهو لما غلب عليه منهما, ففيه من محبة الله تعالى والإيمان به والإخلاص له والتوكل عليه ما هو مادة حياته, وفيه من محبة الشهوات وإيثارها, والحرص على تحصيلها, والحسد, والكبر, والعجب, وحب العلو في الأرض بالرياسة ما هو مادة هلاكه وعطبه

أمراض القلب:

مرض القلب نوعان: نوع لا يتألم به صاحبه في الحال...كمرض الجهل, ومرض الشبهات والشكوك, ومرض الشهوات, وهذا النوع هو أعظم النوعين ألماً, ولكن لفساد القلب لا يحس بالألم...وهذا أخطر المرضين وأصعبهما, وعلاجه إلى الرسل وأتباعهم, فهم أطباء هذا المرض.

والنوع الثاني: مرض مؤلم في الحال, كالهم والحزن والغيظ وهذا المرض قد يزول بأدوية طبيعية كإزالة أسبابه, أو بالمداواة بما يضاد تلك الأسباب, ويدفع موجبها

وهذا كما أن القلب قد يتألم بما يتألم به البدن, ويشقى بما يشقى به البدن, فكذلك البدن يتألم كثيراً بما يتألم به القلب, ويُشقيه ما يشقيه.

الغيظ يؤلم القلب ودواؤه في شفاء غيظه, فإن شفاه بحق اشتفى, وإن شفاه بظلم وباطل زاده مرضاً من حيث ظن أنه يشفيه...وكذلك الغم والهم والحزن أمراض للقلب, وشفاؤها بأضدادها من الفرح والسرور, فإن كان بحق اشتفى القلب وصحَّ ..وإن كان بباطل توارى ذلك واستتر ولم يزل, وأعقبه أمراضاً هي أصعب وأخطر.

زكاة القلب:

القلب إذا تخلص من الذنوب بالتوبة فقد استفرغ من تخليطه, فتخلصت قوة القلب وإرادته للخير, فاستراح من تلك الجواذب الفاسدة والمواد الرديئة, فزكا ونما, وقوي واشتد, وجلس على سرير ملكه, ونفذ حكمه في رعيته, فسمعت له وأطاعت فلا سبيل له إلى زكاته إلا بعد طهارته, كما قال تعالى:  {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّـهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }  [النور:30] فجعل الزكاة بعد غض البصر وحفظ الفرج.

ولهذا كان غضُّ البصر عن المحارم يوجب ثلاث فوائد عظيمة الخطر, جليلة القدر:

إحداها: حلاوة الإيمان ولذته..فإن من ترك لله شيئاً عوضه الله خيراً منه.

الفائدة الثانية: نور القلب وصحة الفراسة...فمن غض بصره عما حرمه الله عليه عوضه الله من جنسه ما هو خير منه, فكما أمسك نور بصره عن المحرمات, أطلق الله نور بصيرته وقلبه فرأى به ما لم يره من أطلق بصره ولم يغُضَّه عن محارم الله.

الفائدة الثالثة: قوة القلب وثباته وشجاعته.

القرآن متضمن لأدوية القلب وعلاجه من جميع أمراضه

قال الله تعالى{يا أَيُّهَا النّاسُ قَد جاءَتكُم مَوعِظَةٌ مِن رَبِّكُم وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدورِ} [يونس:57] وقال: {وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحمَةٌ لِلمُؤمِنينَ }  [الإسراء:82] جماع أمراض القلب..أمراض الشبهات والشهوات, والقرآن شفاء للنوعين:

ففيه من البينات والبراهين القطعية ما يُبين الحق من الباطل, فتزول أمراض الشُّبه المفسدة للعلم والتصور والإدراك, بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه...فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك, ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه.

فمن رزقه الله ذلك أبصر الحق والباطل عياناً بقلبه, كما يرى الليل والنهار, وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم لا ثقة بها, وإنما هي آراء وتقليد, وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق شيئاً, وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها, وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها, وأطالوا الكلام في إثباتها, مع قلة نفعها.

ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله, ويحصل من كلام هؤلاء المتحيرين المتشككين الشاكين.

وأما شفاؤه لمرض الشهوات فذلك بما فيه من الحكمة والموعظة الحسنة, بالترغيب والترهيب, والتزهيد في الدنيا, والترغيب في الآخرة, والأمثال والقصص التي فيها أنواع العبر والاستبصار, فيرغب القلب السليم إذا أبصر ذلك فيما ينفعه في معاشه ومعاده, ويرغب عما يضرُّه, فيصير القلب محباًٍ للرشد, مبغضاً للغي, فيتغذى القلب من الإيمان والقرآن بما يزكيه ويقويه, ويؤيده ويفرحه, ويسره وينشطه.