عباقرةُ التخرج...!

منذ 2020-06-22

ومن المؤسف صيرورتهم "طيورا مهاجرة"، وعقولا نفاثة ، ترحل لتستقر في أوطان بعيدة عنا، وقد تكون من أعادينا وأشد خصومنا..!!!


• غراسُ الجامعاتِ المبارك ، وثمارُ المعاهد والدراسات العليا ، الذين بزَّ تفوقهم، وبرزَ نجاحهم، وتجلّت كفاءتهم بدون أدنى شك أو ارتياب...

بمثلهمُ التقدم والنجاحُ... ويرتسمُ التوهجُ والكفاحُ..
كرامٌ قد أشاحوا الجهدَ مجدا...ولم يهنوا ولَم تهنِ الرماحُ ..!

• بورك فيهم ونفع اللهُ بهم دينهم وأوطانهم ، وحقٌ عليهم رد الجميل، وتنمية البلد، والمشاركة في نهضته، وحق علينا احتواؤهم وتصديرهم، وتشغيلهم في المنافع والمكاسب المجتمعية الرائعة .

• ففيهم تفوقٌ عال، ونجاح لا يضاهى، وإتقان لا يُجارى ، وإبداع وابتكار لا حدود لها ..! والعاقل لا يبدد ذلك، ولا يفوت فرصة تحويلهم معالمَ نهضوية، ولَبِنات بنيوية في كيان الأمة والوطن .

• الخريجون تميزوا بمعدلات عالية، وأخلاق رفيعة، وإنتاجية باذخة، وعبقرية متفردة، وتنافس أخاذ... فلِم ينسون بعد التخرج ، وبعد تقلدهم وسام النجاح والإبداع...؟!

• إنَّ نجاحهم ظاهر، ودرجاتهم جاذبة، وأوسمتهم فاخرة... ومثل أولئك من الضروري والمفيد الاستراتيجي تبنّيهم وصناعتهم مرة أخرى للإنتاج المحلي والمخزون الذهبي النادر..!

• ومن المؤسف صيرورتهم "طيورا مهاجرة"، وعقولا نفاثة ، ترحل لتستقر في أوطان بعيدة عنا، وقد تكون من أعادينا وأشد خصومنا..!!!

• والمقصدُ توسيع فرص الانتفاع بهم وبذكاءاتهم المتعددة، وعبقرياتهم النادرة، فقد أثبتوا بجدارة، قدرتهم المعرفية، ومهارتهم العملية ، وأنهم خير صُنّاع وبُناة ورعاة..!

• كلُّ معلم وأستاذ في ميادين التعليم ، يرى العباقرة والأذكياء كالزهور المتناثرة، ويأسى أن لا يباليهم أحدٌ باله، ويهملون، ولا تفتح لهم الأبواب، والفرص الحضارية والتحفيزية بعد التخرج الفاخر...!!

• واصطيادهم والحفاوة بهم ديدن العقلاء والوعاة والاستراتيجيون من قديم الزمان.. قال بدر الدين بن جماعة - رحمه الله - : " كنا إذا رأينا في صبي نباهةً ألقينا عليه شباكَنا فلا نخرجُه إلا عالماً" .

• ومن النبهاء الآن خريجو الجامعات، وحملة التقديرات الممتازة، ومُلاك الأوسمة الباهرة ، والظفر بهم قبل أن تتخطفهم الحياة أو الغواة، أو الهواة..!!

• ورميهم في مناحي الحياة دون التقاط المواهب المكنوزة فيهم، تقصير في فهم العملية التربوية والنهضوية ، وإهدار لمناجم من الذهب والمعدن الزاكي .

• وهم أولى الناس بالعلم والخلق ، لأنهم من أمة العلم والأخلاق، وتزكية النفوس ، وإن لم يزكهم علمهم فمتى يزكون ..؟! ومحاولة فصل العلم عن الأخلاق مسلكٌ غربي، الإسلام منه براء، قال الشيخ البشير الإبراهيمي: ‏" العلم الخالي من التربية ضرره أكثر من نفعه، وما أصيب المسلمون في عزّتهم إلاّ يوم فارقت التربية الصالحة العلمَ،وكم شقيَ أصحابُ العلم المجرّد بالعلم وأشقوا أممهم....وأنّ الجمع بين التربية والتعليم هو وظيفة النبوّة التي بيّنها الوحي".

• وإذا تمّ لهم ذلك ، فهم سُرج الحياة، ومعالمها الرائعة ، يضيئون للأجيال قبسي العلم والخلق، فبالعلم صلاح الحياة، وبالخلق صلاح الإنسان ، ولن يصفو علمٌ بلا خلق، ولا تطيب حياة بلا علم..!

• وليس عيبا أخي الخريج العبقري أن تتعلم مرة أخرى، فتشق عُباب الدراسات العليا، والبحث العلمي الجاد، ككل بنّاء وطيار وعلامة، وغواص ..! بل الأحكم فيك المشاركة في ذلك، وعدم الانهزام أو الرضا باليسير ..! إذا ما علا المرءُ رام العلا.... ويقنعُ بالدونِ من كان دونا...!

• وتكوين " حاضنة جامعية " لهم عن طريق هيئات أو وزارات تضطلع بجدهم وجهادهم هو عين العقل والحكمة ، وجوهر الوعي والتقدم ، ويصلح به تنظيمهم وطرق الاستفادة منهم، وجمع كلمتهم، واشعارهم بالانتماء، قبل التخطف والهجرة، ومعرفة توجهاتهم العلمية والحضارية .

• إنَّ تعبنا على عباقرة المتفوقين أجلُّ تعبٍ وأحسنه وأرجاه ، لما فيه من المصالح الاستراتيجية، والفوائد العميقة، والاستثمارات الأكيدة . لأنهم ثروات وطنية من الضروري استغلالها .

• وفِي ذلك تنمية لهم، ومحافظة على عزائمهم، لئلا تذبل، أو يغشاها الهوان ، من جراء الإهمال والتخرج التائه، وقلة الناصح والمحتوي، وهم أبناءُ هممهم وتحركاتهم.... وَلَم أجِدِ الإنسَانَ إلَّا ابنَ سَعيِهِ..فَمَن كانَ أسعَىٰ كانَ بالمَجدِ أجدَرَا ../ وَبالهِمَّةِ العَليَاءِ يَرقَىٰ إلَىٰ العُلَا... فَمَن كانَ أرقَىٰ هِمَّةً كانَ أظهَرَا../ وَلَم يَتَأخَّر مَن يُرِيدُ تَقَدُّمًا.. وَلَم يَتَقَدَّم مَن يُرِيدُ تَأخُّرَا ..!

• وليس عيبا أيها الخريج المتفوق، أن ترجع وتتعلم مرة أخرى، أو تكتسب لغات جديدة ، أو تغتنم دورات وزارة الموارد البشرية المتاحة، أو تنجز برامج عن بعد... ولا ترضى بشهادة واحدة، وليكن طموحك عاليا بلا سقف، وهمتك ملتهبة بلا توانٍ... واستذكر آباءك وأجدادك الماضين ، واسمع ما قال العلامة العبقري الشافعي رحمه الله : دَبَبْتُ للمجدِ والساعون قد بلغوا.. جَهْدَ النفوس وألقَوا دونه الأُزُرا../ وكابدوا المجدَ حتى ملَّ أكثرُهم .. وعانقَ المجدَ مَن أوفى ومَن صَبَرا../ لا تحسَبِ المجدَ تمرًا أنتَ آكلُه.. لن تبلغَ المجدَ حتى تلعَق الصَّبِرا ..!

• وانظر لأحمدَ ومسنده الباهي ورحلاته، والبُخَارِي وصحيحه الزاهي وصحواته الليلية، ومسلم وعزماته ، وأبا داود وفقهياته ، والنسائي وتعليلاته ، وابن ماجه ومقدماته.. رحمهم الله أجمعين .

• وفِي كل فن وقطر ، أعلام وأئمة ، وأفذاذ وأجلة ، وحفاظ ليسوا بقلة... واجعل منهم قدوات، ومنائر ، تهتدي بها الطريق، وتأمن الزلل، وتستند عليها في طلب المستحيل ..!

• وحاول استكمال المسيرة المعرفية بمضاعفة القراءة والاندماج في الدورات التطويرية، وبيوت الأفكار الابتكارية ، التي تعليك وترقيك ، ولا يكون همك وظيفة تستقر بها.. لأنها قد تتأخر، ولا تشبع نهمتك، فتضعف الهمة ،، وتندم ولاتَ ساعةَ مندم...!!

• حاول أن تتجاوز المطروح الذي يتسابق إليه الناس، فقد يكون قليلًا ، أو مكررا، أو لا يفي بطموحاتك ...!

• واستيقن أن الأفكار الابتكارية قد تكون سببا للرزق ، والتفوق المضاعف ، فلا تعجز عن تطبيق فكرة، أو تتقالّ رحلة، أو تنتقص محاورة وورشة، فالأعمال الضخمة، والمشروعات المنتجة والثرية بدأت من أفكار، ربما استقلها بعضُ الناس، أو سخر منها أصدقاء وزملاء...!!

• ولا تأسَ -كمسلم - على المستقبل، فهو بيد الله، ورزقك مكتوب، وأجلك محدود، وأنت بالعمل مأمور مدفوع
{فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه }  [سورة الملك] .

• لكن ليكن مشيُنا بعلم ووعي، ودراية وبرمجة، نقطع المناكب، ونتفقد الطرق، ونغتنم الفرص، متوكلين على الله ، وآخذين بالأسباب .
والله الموفق

 
 

حمزة بن فايع الفتحي

رئيس قسم الشريعة بجامعة الملك خالد فرع تهامة، وخطيب جامع الفهد بمحايل عسير