التَّلطُّف في الدعوة إلى الله

منذ 2021-09-01

لا شك أن لطف المعاملة والذوق في السلوك أمرًا أخلاقيًّا مفروضًا يترتب عليه سماحة في المعاملة وكسبًا للقلوب وراحة للنفس يقول ابن القيم: فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف.

أصل اللطف في الكلام خفاء المسلك ودقة المذهب. قال القرطبي - رحمه الله - واللطف في الفعل الرفق فيه، واللطف من الله تعالى التوفيق والعصمة، وألطفه بكذا أي بره به. والاسمُ اللَّطَفُ بالتَّحريك. يُقال: جاءتْنا من فلانٍ لَطَفَةٌ، أي هديَّةٌ. والمُلاطفة المُبارَّةُ[1].

 

ولا شك أن لطف المعاملة والذوق في السلوك أمرًا أخلاقيًّا مفروضًا يترتب عليه سماحة في المعاملة وكسبًا للقلوب وراحة للنفس يقول ابن القيم: فليس للقلب أنفع من معاملة الناس باللطف. فإن معاملة الناس بذلك: إما أجنبي فتكسب مودته ومحبته، وإما صاحب وحبيب فتستديم مودته ومحبته. وإما عدو ومبغض. فتطفئ بلطفك جمرته وتستكفى شره[2].

 

وحض الشرع على الرفق واللطف في معالجة الأخطاء عمومًا ودعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفق في الأمر كله فورد: عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» [3].

 

ولا يخفى على أحد أن هناك أشياء وأمور لا تستقيم إلا باللطف والرفق واللين فمثلا: الأب والأم لأن حقهما عظيم، وبرهما من أهم الواجبات فلا يهجرهما، ولكن يتلطف فيهما، وقد اجتهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أبيه مع أنه مشرك معلن بالشرك، ومع هذا اجتهد إبراهيم في دعوة أبيه عليه الصلاة والسلام، فالمقصود أن الوالدين لهما شأنٌ عظيم فلا يهجرهما الولد، بل يتلطف في نصيحتهما وتوجيههما إلى الخير.

 

المرأة أحق باللطافة والرحمة من غيرها لضعف بنيتها واحتياجها في كثير من الأحيان إلى من يقوم بشأنها وقد شبهها النبي – صلى الله عليه وسلم - بالزجاج في الرقة واللطافة وضعف البنية فقال لأنجشة وهو يحدو: «رفقًا بالقوارير».

 

وفى رواية البخاري ومسلم: «وَيْحَكَ يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ بِالقَوَارِيرِ» [4].

 

والأفضل والأكمل: أن الرجل إذا عتب على امرأته شيئاً أن يتلطف في بيان خطئها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم متى تكون أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها راضيةً عنه ومتى تكون ساخطة، فإن كانت راضيةً عنه قالت: (ورب محمد)، وإن كان في نفسها شيئاً قالت رضي الله عنها: (ورب إبراهيم)، فعلم عليه الصلاة والسلام أنها ما اختارت الحلف.

 

حتى قال بعضهم: أن يتلطف في الأمر حتى في الطلاق بإعطائها ما تتمتع به لينجبر الفاجع، فقد روى عن الحسن بن على رضى الله عنهما أنه طلق امرأة وبعث إليها بعشرة آلاف درهم، فقالت: متاع قليل من حبيب مفارق.

 

التلطف مع الأبناء: فمن الأمور التي يكاد يجمع عليها علماء التربية: أن الطفل إذا عومل من قبل والديه ومربيه بالقسوة والتوبيخ والتحقير والازدراء والسخرية فإن ردود الفعل ستظهر في سلوكه وخلقه فكان هذا داعيًا إلى التلطف معه في التوجيه والتربية.

 

كذلك من الأمور المهمة في التلطف في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أن يتلطف في إبلاغ الحق وأن يمهد له، وإن كان ثمة شيء فيه شديد الغرابة على واقع الناس ومفهومهم فلا يفاجئهم به.

 

وأسوتنا وقدوتنا في ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو هريرة: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ» [5].

 

فكان دأبه صلى الله عليه وسلم أن يتلطف في معاتبة المقصرين دون أن يجرح مشاعر أحدًا منهم فكان يقول: «ما بال أقوامٍ... »، فيلمح ولا يصرح فتصل الرسالة وتبقى المودة وسعة الصدر.

 

وكان من هديه صلى الله عليه وسلم أنه كان يسأل المريض عن شكواه، وكيف يجده ويسأله عما يشتهيه، ويضع يده على جبهته، وربما وضعها بين ثدييه، ويدعوا له، ويصف له ما ينفعه في علته، وربما توضأ وصب على المريض من وضوئه، وربما كان يقول للمريض: « لا بأس طهور إن شاء الله »، وهذا من كمال اللطف[6].

 

فمن واجب الداعية أن يتلطّف في دعوته ويرفق بالناس، ويؤنسهم ويتباسط معهم، وإلاّ فما هي الحكمة والموعظة الحسنة التي أمر الداعية بها؟.

 


[1] تفسير القرطبي (7/ 57).

[2] مدارج السالكين ابن القيم (2/ 478).

[3] رواه مسلم (2594).

[4] البخاري (6161) ومسلم (2323).

[5] البخاري (6128).

[6] زاد المعاد في هدي خير العباد - مؤسسة الرسالة، بيروت.

__________________________________________________
الكاتب: الشيخ حسن عبدالعال محمود