من أبجدية السعادة الزوجية - يسِّر ولا تعَسِّر

منذ 2022-05-15

والبيت الذي يلتَزم مبدأ التيسير ِوالتخْفيفِ لا شك أنه – مبني على أسُسٍ قوِيمة، تعْصِمه من الانحرافِ والغُلوِّ في الدِّين أو التفْريط فيه

   إن كان ثمَّة وصْفٍ يمكِن أن يوصَف به ديننا الحنِيفُ فهو أنَّه دين التَّيسير، فقد راعَت الشَّريعة الغرَّاء مصَالح العبادِ وأحوالهم، فمن النَّاس القَويُّ الجَلد، ومنهم الضَّعيفُ الخوَّار، ومنهُم الغّنيّ الموسِر، ومنهم الأعْوَز الفَقير، ومنهُم البخِيل الشَّحيح، ومنهم الجَواد الكَريم، ومنهم الرَّجلُ والمرْأة والطِّفل والشَّيخ والعجُوز بل فيهم المسَافر والمُقِيم، بل إنَّ أحوالَهم هذه تختلف حَتى في العبَادة والطَّاعة، فقد قال الله – جل وعلا - : " {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ} " [ فاطر:  (32)]

   وقد انتهج الإسْلام التَّيسير نهجًا قويمًا في كل منَاحي الشَّريعة، وزخَرت به آياتُ القرآن الكريم التي تؤكِّد على ذلك، بل وتُبيِّن أنَّ هذا الدّين دين يسْر، وأنَّ الله قد رفع الحَرج عن هَذه الأمَّة فيما يَشقّ عليها، حيث لم يكلّفها إلا وُسْعها. قال الله - تعالى-: ( {يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} ) (البقرة: من الآية185). وقال - سبحانه -: ( {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} ) (النساء:28). قال القاسمي في تفسير أية البقرة: قال الشعبي: إذا اختلف عليك أمران، فإن أيسَرهما أقربُهما إلى الحقَّ لهذه الآية، وقد ذكر المفسّرون في تفسِيرهم لهذه الآيات أنَّ الله أرادَ لهذه الأمَّة اليسْر ولم يرد لها العسر.

   وفي سُورتي الفتْح والنور: ( {لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ} ) (النور: من الآية61). في هذه الآيات دلالة ظَاهرة على رفْع الَحرجِ على هذه الأمَّة، وأنَّ الله لم يجعل في التّشريع حرجًا، وبعض هذه الآيات وإن كانت خاصّة في أحكام معيّنة، ولكنَّنا نجد التّعليل عامًّا، فكأنّ التّخفيفَ ورفْع الحَرج في هَذه الأحْكام والفروضِ بإعَادة الشيء إلى أصْله وهو رفع الحَرج عن هذه الأمَّة، فكل شيء يؤدّي إلى الَحرجِ لسَببٍ خاصّ أو عامّ فهو معفوّ عنه، رجُوعًا إلى الأصْل والقاعِدة.

   وقد كان التيسير عَلامة وسمَة لا تفَارق النَّبي – صلى الله عليه وسَلم – في كل حَال، ففي شعائر الحَج مثلاً وفيما رواه البخاري ومُسْلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ « أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. فَقَالَ: (اذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ). فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي. قَالَ: (ارْمِ وَلاَ حَرَجَ). فَمَا سُئِلَ النَّبيُّ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلاَ أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: افْعَلْ وَلاَ حَرَجَ. " بل إنَّ هَديه في أمور العبادات وشرائع الدِّينِ إنما هو التيسير فقَد وردَ في الحَديث أنَّ – النبي – صَلى الله عليه وسلم – فيما رُوي عن أَبِي هريرة t النَّبيّ ﷺ قَالَ": إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولنْ يشادَّ الدِّينُ إلاَّ غَلَبه فسدِّدُوا وقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، واسْتعِينُوا بِالْغدْوةِ والرَّوْحةِ وشَيْءٍ مِن الدُّلْجةِ"» [ رواه البخاري] .

   وإنْ كان هذا هو دسْتور الإسْلام ونهجه، وما أَكَّدت عليه آياتُ القُرآن الكريمِ وأقوالِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم- فإنَّ التزام هذا النَّهج في أمُور الحيَاة، وسُبل المعِيشة هو أوجَبُ وآكَد، لأنَّ في عَدم الانضِباط بهذا النَّهج، والجنُوحِ إلى التَّشَدد والأخْذ بعزائم الأمور في كلِّ حَال هو – لا شَكَّ – مهلَكة تودِي بأصحَابها إليها، ولا تكونُ عاقبَتها خيرًا على أي حَال، وهذا موقِف من السِّيرة النَّبوية يوَضِّح إلى أي مدى يؤدِّي التَّشدِّد في الأقوال أو الأفعَال أو الأفَكَار، عن جَابر بن عبْد الله قال:خَرَجْنا في سَفَرٍ، فأصابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فشَجَّه في رَأْسِه، ثم احتَلَمَ، فسألَ أصحابَه، فقال: هل تَجِدونَ لي رُخصةً في التَّيمُّمِ؟ فقالوا: ما نَجِدُ لكَ رُخصةً وأنتَ تَقدِرُ على الماءِ. فاغتَسَلَ، فماتَ، فلَمَّا قَدِمْنا على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُخبِرَ بذلك، فقال: قَتَلوه قَتَلَهمُ اللهُ، ألَا سألوا إذْ لم يَعلَموا؛ فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كان يَكفيه أنْ يَتيَمَّمَ ويَعصِرَ أو يَعصِبَ -شَكَّ موسى- على جُرحِه خِرقةً، ثم يَمسَحَ عليها ويَغسِلَ سائِرَ جَسَدِه.

    ولذلك فإن أردَّت أن تكونَ حياتك هنيةً، وأن تبْني أسْرة سعِيدة، فيِّسر ولا تعَسِّر، ولا تخْتار من الأمُور إلا أيسَرها، زوجتُك خُلقَتْ من ضَعْف، ولطَالما مرَّت - بطبيعة تكوينها - بأحوالٍ قاسِية شديدةٍ، فهي تمر بما يمرُّ به بنات ُحَوَّاء من حَيضٍ وحَمْل ونفاسِ، وليسَ لديها القُوَّة الجسَدية لكِثير من الأعْمال، فكن رقيقًا رفيقًا بها، ولا تكلِّفها ما لا تُطِيق والتزم التيسير، وخفِّف عنها، سَأَلْتُ عَائِشَةَ – رضي الله عنها - ما كانَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- يَصْنَعُ في بَيْتِهِ؟ قالَتْ: كانَ يَكونُ في مِهْنَةِ أهْلِهِ - تَعْنِي خِدْمَةَ أهْلِهِ ...." رواه البخاري.

   وليكُن هذا نهْجك مع أبنائك وبنَاتك، ومن هُم في رعَايتك وكفَالتك، لا تكنْ شَديدًا في توجِيهم وتربيتهم، ولا تكنْ ليِّنًا في ذلك أيضًا، خفّف عَنهم، وراعِ أحْوالهم من سَفر أو مَرضٍ أو انشِغَال ونحوه، ولا تكلَّفهم ما لا يطيقونَ، فإنْ أمرتهم بأمرٍ فعِنْهم، واطْرح البدَائل عندَ الاختِيار، وانتبه إلى مسْتوى أعمارهِم، وقدُراتهم.

    والبيت الذي يلتَزم مبدأ التيسير ِوالتخْفيفِ لا شك أنه – مبني على أسُسٍ قوِيمة، تعْصِمه من الانحرافِ والغُلوِّ في الدِّين أو التفْريط فيه، ولا أدَلَّ على ذلك من قولِ النبي -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- فيما رواه أنَس بن مالكٍ – رضِي الله عنه - أنَّ رهطًا من الصحابَةِ ذهبوا إلى بيوتِ النَّبِيِّ يسألونَ أزواجَهُ عن عبادتِهِ فلمَّا أُخبِرُوا بها كأنَّهُم تقالُّوها أي : اعتبروها قليلةً ثُمَّ قالوا : أينَ نحنُ مِن رسولِ اللَّهِ وقد غَفرَ اللَّهُ له ما تقدَّمَ من ذنبِهِ وما تأخَّرَ ؟ فقال أحدُهُم : أما أنا فأصومُ الدَّهرَ فلا أفطرُ وقال الثَّاني : وأنا أقومُ اللَّيلِ فلا أنامُ و قال الثَّالثُ : و أنا أعتَزِلُ النِّساءَ فلمَّا بلغ ذلك النَّبيَّ بيَّنَ لهم خطأَهم و عِوَجَ طريقِهِم و قال لهم : إنَّما أنا أعلمُكُم باللَّهِ و أخشاكم له و لكنِّي أقومُ و أنامُ وأصومُ و أفطِرُ و أتزوَّجُ النِّساءَ فمَن رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ منِّي"  فإنْ كان التيسير منهَجُكم في كل مناحي الحَياة، والبسَاطة والتخْفيف سمَة أسْرتكم، كنُتم أسرة هنيئَة سعِيدة، تقر بها عينُك، وتنعَم بالهُدوء والطمَأنينة وراحَة البَال.

 

المقال السابق
هَدِّئ مِن رَوعِك