جحيم الأنا ونعيم اهدنا

منذ 2022-09-14

لو تساءلنا ما الذي أخرج إبليس من الجنة ومن صحبة الملائكة ومعيَّة المقرَّبين ليكون حاله السُّخطَ المهين وتحلَّ عليه اللعنة إلى يوم الدين ؟؟

منذ بدء الخليقة التي أبدعها المولى فاطر السماوات والأرض سبحانه وإبليس اللعين وجنوده يتربصون بآدم عليه السلام ويترصدون له ولذريته رافعين راية العداوة والحرب على بني آدم فلم يكتف إبليس اللعين بأن أخرج أبوينا من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما لكنه أقسم ليحتنكن ذريته إلى يوم الدين وليضلَّنَّهم وليمنِّينَّهم وليفتنَّنهم متفنِّناً في طرق غوايتهم متلوِّناً في أحابيل كيده ومكره لهم ليحيد بهم عن الصراط المستقيم والنعيم المقيم.


أجل هذا دأبه وجنوده ثم ليلقي بمن أطاعوه في نيران الجحيم والعياذ بالله بعد أن حلَّت عليه اللعنة ... ونال سخط الله ... بعد أن أمره الله بالسجود لآدم فكان ما كان !!‍‍‍‍‍؟


ترى لو تساءلنا ما الذي أخرج إبليس من الجنة ومن صحبة الملائكة ومعيَّة المقرَّبين ليكون حاله السُّخطَ المهين وتحلَّ عليه اللعنة إلى يوم الدين ؟؟ لجاءنا الجواب عليه في الذكر الحكيم


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين} [سورة ص(75-77)].
أجل .. أجل هو الكِبْرُ ... والعُجْبُ ... والفخرُ ... والاستعلاء
(( أنا خيرٌ منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين ))


هي أنا الأنانية، وأنا الكبر، وأنا الجحود ،وأنا الاستكبار ،وهي التي أودت به واستحق بسببها اللعنة.
لا غرو أن يكون لكل إنسان شخصيته المستقلة، وأداؤه الذاتي، وحُلَّتهُ الخاصة به، وتميزه واستقلاليته الطبيعية دون سرفٍ أو شططٍ فليس هذا بمستغرب ولا مستنكر في شرعنا الحنيف أبداً أبداً


ولكن القضية أن يتعدى التميز خطوَه!! ويتمادى الإنسان بشخصيته!! ويتعالى المرء على بني جنسه!! فهذا مالا يحمد عقباه.. حيث يدخل في عالم النَّرجسية والطَّاووسية!! ليقع في آفة الغرور!! ويهوي في درك الاستعلاء!! ويكون فريسة الغطرسة والاستكبار والعياذ بالله.


وقد حذرنا المصطفى عليه الصلاة والسلام من الكبر إلى أبعد مدى بقوله:
«لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (رواه البخاري)
أي آفةٍ هذه بحيث أن ذرةً من الكِبْرِ تحرم صاحبها من دخول الجنة !!؟ أجل ...أجل


فالكبر داء ٌوبيلٌ إن أصاب أحداً جعله في أردى أحواله سلوكاً، حيث تتمادى الأنا الفردية لتشوبها نبرة الكبر لشخصها!! والاستعلاء بذاتها!! والتميز بحالها!! والتفضيل لكينونتها على البشر!! لتقع بذلك في الأذى والشرور، وتهوي في درك الغرور فتغور بذلك بإبليسية فعلها مع إبليس لتهوي في درك الشقاء ومستنقع الكبرياء.


وهذا ما أردى وأودى بإبليس ونال به السخط وحقت عليه اللعنة
{أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين
لغة التكبر ... ونزعة الاستعلاء ... ومنطق الحجود ... ولهجة النكران ...


تبرز نوازع الأنا نافرة!! بحواف حادة!! ونظرات جارحة!! لتنفث سموم الكبرياء، وتفحََّ نقع الاستعلاء
هي ليست قصة إبليس فحسب ولكنها قصة جبابرة وطغاة الأرض في كل مكان وعلى مر الزمان الذين يستكبرون على أقوامهم ويتعالون على بني جلدتهم من البشر ويمنحون أنفسهم ألقاباً وأوسمة وسلطات ومسميات ما أنزل الله بها من سلطان
وهذه قصة فرعون شاهدة ناطقة كما قصَّها لنا القرآن الكريم:


{ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا الذي هو مهينٌ ولا يكاد يُبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين} [الزخرف (51-54)].


أي استكبارٍ هذا ؟! وأي منطقٍ يتحدث به ؟! وأي غرورٍ أصابه ؟!
الأنا ... الأنا هذا الضمير المنفصل إن لم يهذِّب نفسه ويصلح حامله ويعالج طبائع ذاته في علاقاته وتعاملاته يقصي صاحبه، ويقطع وتينه، ويلقي به في مهاوي الجحيم، ليفصله عن معية المهتدين في الدنيا قبل يوم الدين والجنة والنعيم.


تسمع قصتهم في كل زمان وتلقى أمثالهم حيث وجود الطغيان، وتشاهدهم بمواقع الظلم والعدوان
وهذا عصرنا الحديث ناطقٌ شاهدٌ على أممٍ تلبس لبوس الكبر!! وتتحدث بلغة الاستعلاء!! وتتشدَّق بنبرات الكبرياء!! تملك ناصية الأمم المتحدة بجبروتها!!.. تدعي أن قولها الفصل !!..


وتزعم أن بيدها الحل!! تتحرك كأنها تملك مقاليد العالم كله!!! متألهة بذلك على أهل هذه البسيطة!! أساطيلها منتشرة لتظهر قوتها.... بوارجها متنقلة تبدي غطرستها ....طائراتها قاذفة صواريخها ناسفة تهدي الفناء... وتفني الحياة... تبيد الحرث والنسل ...تدبج المكر وتصنع الغدر ...تتلون كالحرباء وتفح كالأفاعي بحجة الديمقراطية وحقوق الانسان تفني العباد وتدمر البلاد!!!!!
وبرسالة التحضر تحرق القرى وتهدم المدن!!!! وبالتحضر تحاول تغيير الحال وطمس المعالم والمكان
أي رسالة يقدمها لنا البيت الأبيض؟! وما هي فحوى مقالتهم !؟
بئس ما يقولون وسحق ما يفعلون لسان حالهم يقول We are the first نحن الأول كما قال إبليس:أنا خير منه
والبيت الأبيض عندهم أصبح محكمة العالم Global Court
يتحدثون باستعلاء كأنهم المتصرفون في شؤون البلاد والعباد، يخطبون بغطرسة يسوسون بمنطق القوة
نفس المنطق ونفس اللهجة وذات الأقوال وأردى الأفعال لنرى نبرة فرعون !! وخطاب قارون !! ومقال إبليس !! ((أنا خير منه .. ))
نبرة الكبرياء.. ونزعة الاستعلاء.. ومنطق السفهاء.. ولغة الطغاة المستكبرين.
هذا المخلوق الكريم الذي يستحق كل تكريم وكل تقدير أكرمه المولى سبحانه من فوق سبع سماوات
 {ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} [الإسراء 70]


وسخر المولى سبحانه له ما في السماوات والأرض جميعاً منه لخدمته ولراحته هذا المخلوق الكريم يستحق كل تكريم أجل أجل والله ولكن ماذا نقول عن واقع الحال: آه.. آه.. ولا ينفع قول الآه.


و لا حول ولا قوة إلا بالله فما نراه في هذا العصر مما يظلم فيه الإنسان أخيه الإنسان ليندى له الجبين ويسم أهل هذا الزمان بأقذع النعوت وأقدح العبارات حيث قاموس اللغة كله لا يتسع لما نراه من انتهاكات لحقوق الإنسان في كل مكان وسجن أبو غريب شاهدٌ ناطقٌ والعراق وفلسطين عينا الأمة التي يحاولون فقأها وطمس معالمها ولكن.


خسئوا فما عرف الحقيـــــــــــــقة ظالمٌ ميْت الضَّمير ولا جبانٌ أحمقُ يتعاملون مع البشر كالبهائم هنا وهناك وغوانتنامو أفظع إهانة للبشرية والإنسانية في مطلع هذا القرن ولتتأمل بعد ذلك المولى سبحانه وتعالى وهو الكريم القادر العظيم الجبار من بيده ملكوت السماوات والأرض كيف يخاطب الإنسان مستثيراً فيه عقله وحكمته موقظاً فيه ضميره وفطرته
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

{يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك}  [الانفطار 6ـ7].
ما أعظم هذا الخطاب وما أبلغه وماأجمل مايثيره في النفس أما تتحرك المشاعر والقلوب له؟
ثم لو تأملنا فاتحة الكتاب وأم القرآن و إطلالة الذكر الحكيم السورة التي لا تصح صلاة إلا بها لرأينا فيها عجباً ومعاني غاية في الروعة والحكمة ترشدنا إلى ما يصلح حالنا في حياتنا ودنيانا وآخرتنا في توجهنا إليه سبحانه وما يروي أشواقنا ويثبت فؤادنا ويهدينا إلى الصراط المستقيم قولاً وفعلاً سلوكاً واتباعاً بقوله:

{إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم}
جلَّ مقام الله وتنزه في علاه فأنت تتوجه في صلاتك إلى الله بكليتك وجوارحك وفعلك وقولك ترى هل تتوجه إليه وحدك ؟؟ كلا فأنت لست وحدك ولست بمفردك وليس المقام هنا أن تقول إياك أعبد ... وإياك أستعين ... واهدني الصراط المستقيم ... فالمولى سبحانه وتعالى يعلمنا أن نخاطبه ونتوجه إليه بلغة الجمع لتكون في معية المهتدين وخلية من خلايا نحلهم لسانك لسانهم وحالك حالهم وجسمك بجوارهم وروحك معهم لتكون في معيتهم وتأنس بصحبتهم وتكون أقدر على الثبات في خضم الحياة بطاقة أكبر وقدرة أعظم على تجاوز الصعاب فالمؤمن قوي بأخيه والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً هذه صفة المؤمنين الصادقين وهذا منطق الإيمان بقولك
{اهدنا الصراط المستقيم} وليس اهدني الصراط المستقيم
فالإسلام دين الفرد ضمن الجماعة..... ودين الجماعة ضمن الأمة.... ودين الاعتصام بحبله المتين والتوجه إليه كليةً بقلوبٍ متعانقةٍ ،وأجسادٍ متلاصقةٍ، وألسنةٍ صادقةٍ، صفاً واحداً كالبنيان المرصوص

{اهدنا الصراط المستقيم}
الإسلام دين الجسد الواحد، والصف المستقيم، والبنيان المرصوص كما وصفهم سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ونعت به المؤمنين بقوله:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (متفق عليه).

 
فمع من ترانا ؟؟! نكون مع من يقول: أنا خير منه
أم مع الذين يتوجهون بقلوبهم وعقولهم وأبدانهم وأجسادهم كياناً واحداً صفاً مستقيماً كالجسد الواحد معتصمين بحبل الله المتين 
{اهدنا الصراط المستقيم} ​​​​​​
اللهم اجعلنا بفضلك ومنك وجودك وكرمك هداةً مهتدين غير ضالِّين ولا مضلِّين
والحمد لله رب العالمين.

___________________________________________________

الكاتب: د.محمد إياد العكاري