الشرك الخفي.. الرياء

منذ 2022-09-28

التذكير والتحذير من الرياء، وبيان خطورته، وكيفية النجاة منه.

١- علامات وخطورة الرياء.

٢- سبيل النجاة من الرياء.

 

الهدف من المقال:

التذكير والتحذير من الرياء، وبيان خطورته، وكيفية النجاة منه.

 

مقدمة ومدخل للموضوع:

• فإن أخوف ما خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أُمَّتِه هو الرياء، كما روى الإمام أحمد من حديث محمود بن لبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم الشِّرْكُ الأصْغَرُ»، قالوا: يا رسولَ الله، وما الشِّرْكُ الأصْغَرُ؟ قال: «الرِّياءُ، يقول الله يوم القيامة للمُرائين: اذهبوا إلى مَنْ كنتم تُراءون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء» ؟!)) فسمَّاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم شركًا؛ لأن فيه نوعَ تشريكٍ.

 

فالشرك قسمان:

• شرك أكبر لا يغفره الله أبدًا لمن مات عليه، ويحبط جميع الأعمال مهما كثرت، ويحرم صاحبه من الجنة، ويوجب الخلود في النار.

 

• شرك أصغر، وهو أيضًا قسمان:

شرك ظاهر؛ ويكون في الأقوال، وفي الاعتقادات، وفي الأفعال.

شرك خفي؛ وهو الرياء الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، ومعناه: مشتق من الرؤية؛ وهو طلب المنزلة عند الناس بإظهار عمله لهم، فالرياء هو: إظهار العبادة لقصد رؤية الناس، فيحمدوا صاحبها، فهو يقصد التعظيم والمدح والرغبة أو الرهبة فيمن يرائيه، أما السمعة؛ فهي العمل لأجل سماع الناس، فالرياء يتعلق بحاسَّة البصر، والسُّمْعة تتعلَّق بحاسَّة السَّمْع، ويُوضِّحه النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي سعيد مرفوعًا عند أحمد وغيره: «ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال»؟، قالوا: بلى، قال: «الشِّرْكُ الخفيُّ، يقوم الرجل فيُصلِّي، فيُزيِّن صلاتَه؛ لما يرى مِن نظر رجل إليه».

 

• وحقيقته: أن يعمل الإنسان العمل من أجل أن يراه الناس فيمدحوه.

 

ومن علاماته:

• أن ينشط الإنسان في العمل إذا كان يراه الناس، وإن كانوا لا يرونه ترك العمل.

 

• أن يزيد الإنسان في أعماله الصالحة، ويجتهد فيها عند سماعه لثناء الناس عليه، ومدحهم لأفعاله.

 

• أن يُنقص الإنسان في عمله، ويَتَباطَأ فيه إذا ذمَّه الناسُ، ولم يعجبوا به.

 

• أن يقصد إظهار أعماله الصالحة للناس، والحديث عنها، وإخبارهم بما يفعله من خيراتٍ.

 

• فكم من أناس يعملون أعمالًا كالجبال لا يعلم بها أحد إلَّا الله تعالى، في حين آخرين ربما يعمل العمل الصغير، ويريد أن تعلم به الدنيا كلها.

 

وترجع خطورة الرياء للأمور التالية:

• أن الله تعالى ذَمَّ المرائين في كتابه العزيز، وأنه من صفات المنافقين المكذِّبين بالدين: {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} [الماعون: 6]، {يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلً} ا ﴾ [النساء: 142].

 

• وبيَّن الله تعالى أنه لا يقبل أعمال المرائين؛ فهي مردودة؛ كما في صحيح مسلم: «يقول الله عز وجل: أنا أغْنَى الشُّركاء عن الشِّرْك، من عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكه»، وهذا أخطر ما في الرياء، أن المرائي يعمل العمل، ومع ذلك يضيع هباءً منثورًا.

 

ذكر الشيخ العثيمين رحمه الله: أنَّ الرياء ينقسم باعتبار إبطال العبادة إلى قسمين:

• الأول: أن يكون الرياء في أصل العبادة، فهذا عمله باطل مردود.

• الثاني: أن يكون طارئًا على العبادة، فهذا القسم ينقسم إلى أمرين:

• الأول: أن يدافعه فهذا لا يضره.

•الثاني: أن يسترسل معه فلا يخلو من حالين:

إما أن يكون آخرُ العبادة مبنيًّا على أوله كالصلاة؛ فالعبادة باطلة.

وإما أن يكون آخر العبادة منفصلًا عنها كالصدقة؛ فما كان خالصًا قُبِل، وما أشرك فيه فهو رَدٌّ.

 

• ولنتأمل هذا الحديث في بيان أول من تُسعَّر بهم النار، وهم ثلاثة نفر كانوا يفعلون أبوابًا عظيمة من أبواب الخير؛ لكنهم يفعلونها طلبًا لمدح وثناء الناس؛ وهم: قارئ للقرآن، ومتصدِّق، ومجاهد، فهذا قارئ للقرآن يقول: «كُنْتُ أَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ؛ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ، فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وهذا مُتصَدِّق يقول: كُنْتُ أَصِلُ الرَّحِمَ، وَأَتَصَدَّقُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: كَذَبْتَ؛ بَلْ أَرَدْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ، وهذا مجاهد يقول: أُمِرْتُ بِالْجِهَادِ فِي سَبِيلِكَ، فَقَاتَلْتُ حَتَّى قُتِلْتُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: كَذَبْتَ؛ بل أردْتَ أَنْ يُقَالَ: فُلَانٌ جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ ذَاكَ».

 

• فينبغي علينا أن نحفظ أعمالنا من الرياء، فإنه لصٌّ خفيٌّ، يسرق الأعمال الصالحة الكثيرة من حيث لا نشعر.

 

نسأل الله العظيم أن يرزقنا الإخلاص، والقَبول في القول والعمل.

 

سبيل النجاة من الرياء:

• وعلاج ذلك بأن نخلص لله تعالى في جميع الأقوال والأفعال؛ فلا خلاص إلا بالإخلاص، وقد جاء في تعريف الإخلاص أنه: تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين، ويقول الهروي رحمه الله: الإخلاص: تصفية العمل من كل شوب، والإخلاص هو حقيقة الدين، وهو مضمون دعوة المرسلين، قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة: 5] {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2، 3].

 

• وهو شرط قبول العمل؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا له سبحانه وتعالى، فقد روى النسائي عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلًا غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شيءَ له»، وأعادها ثلاث مرات، ثم قال: «إنَّ اللهَ لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغِي به وجهُه»، قال الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]، قال الفضيل بن عياض في هذه الآية: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا، ولم يكن صوابًا لم يُقبَل، وإذا كان صوابًا، ولم يكن خالصًا لم يُقبَل، حتى يكون خالصًا صوابًا؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنَّة.

 

ومما يعين على الإخلاص:

• أن تسأل الله تعالى أن يرزقك الإخلاص، وأن يطهر أعمالك من الرياء.

 

• ألا يعمل العمل من أجل أن يراه الناس، أو يسمعوا به، ففي الصحيحين عن جُنْدُب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعِ اللهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللهُ بِهِ».

 

• أن تُعظِّم الله تعالى في قلبك حتى لا يتعاظم غيره في قلبك، وأن تعلم أنه مُطَّلِع عليك وعلى أعمالك، {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [آل عمران: 29]، {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص: 69]، {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [الملك: 13]، {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ} [الرعد: 10]، {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [هود: 5]، {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [يونس: 61].

 

• أن تجعل لك خفايا من الأعمال لا يطَّلِع عليها أحدٌ إلا الله تعالى، قال الحسن: كان الرجل يكون عنده زوار، فيقوم من الليل يصلي، ولا يعلم به زوَّاره، وكانوا يجتهدون في الدعاء، ولا يسمع لهم صوتًا، وكان أحدهم يصوم الدهر ولا يعلم به أهله ولا من في السوق، وكان الرجل ينام مع امرأته على وسادة، فيبكي طول ليلته وهي لا تشعر، ولما مات علي بن الحسن وجدوه يعول مائة بيت في المدينة.

 

سُئل بعضُ الحُكماء: مَن المخلص؟ فقال: المخلص الذي يَكْتُم حسناتِه كما يكتم سيئاتِه.

 

• أن يتهم دائمًا نفسه بالتقصير، ولا يرى لها فضلًا، ويعلم أن الفضل كله لله تعالى، قال الله تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور: 21].

 

• أن تعلم أنه ليس أحد ينفع مدحُه، أو يضُرُّ ذمُّه إلا الله تعالى، فلو مدحك جميعُ الناس فلن تنتفع بذلك شيئًا إذا كنت مذمومًا عند الله.

 

• أن تقطع الطمع فيما عند الناس، وتُعلِّق القلب فيما عند الله تعالى من ثواب وجزاء، وأجر عظيم، ونعيم مقيم؛ فإن الجزاء عند الله تعالى هو الجنة، أما الجزاء عند الناس إنما هو عرض زائل، (شهادات تقدير... نياشين)، وكلها تزول بزوال الدنيا.

 

أخيرًا: ما يتوهم أنه رياء وشرك وهو ليس كذلك:

• حمد الناس للرجل على عمل الخير، عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟! قال: «تلك عاجل بُشْرى المؤمنين».

 

• نشاط العبد بالعبادة عند رؤية الصالحين، العابدين، قال المقدسي: يبيت الرجل مع المتهجِّدين، فيصلون أكثر الليل، وعادته قيام ساعة فيوافهم، أو يصومون فيصوم، ولولاهم ما انبعث هذا النشاط.

 

نسأل الله العظيم أن يجعلنا من عباده المخلصين.

__________________________________________________________

الكاتب: رمضان صالح العجرمي