الشباب قوة الأمة

منذ 2023-01-20

إن الشباب هم قوة الأمة وعماد نهضتها، ومبعث عزتها وكرامتها، وهم رأس مالها وعدة مستقبلها، هم ذخرها الثمين وأساسها المتين، عزهم عزنا، وضعفهم ضعفنا، وخسارتهم خسارتنا

إن الشباب هم قوة الأمة وعماد نهضتها، ومبعث عزتها وكرامتها، وهم رأس مالها وعدة مستقبلها، هم ذخرها الثمين وأساسها المتين، عزهم عزنا، وضعفهم ضعفنا، وخسارتهم خسارتنا؛ فدورهم في الحياة دور عظيم جدًّا، ومن يطالع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أن معظم أصحابه كانوا شباباً، وكثير من أتباعه عليه الصلاة والسلام كانوا من الشبيبة الفتية، أصحاب الهمم العلية، والنفوس الزكية، الذين زعزع الله بهم عروش كسرى وقيصر؛ فأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.

ما كان أصحاب النبي محمد  **  إلا شبابًا شامخي الأفكـار 

من يجعل الإيمان رائده يفز  **  بكرامة الدنيا وعقبى الدار 

 

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله» وذكر منهم: «شاب نشأ في طاعة الله».

 

لقد علم أعداء الإسلام أهمية دور الشباب في بناء الأمة؛ فحرصوا حرصاً كبيراً على إلهائهم، وتسميم أفكارهم، وزرع الميوعة والخلاعة في نفوسهم، وخططوا ودبروا لتبديد هذه الثروة، ثروة الشباب وتعطيلها وإفساد طاقتها، وتخريب قوتها، فظهر جيل من الشباب مقلِّدٌ لأعداء الله، متشبهٌ بهم، معجبٌ بأطروحاتهم وأفكارهم، متبعٌ لهم، مسلمٌ بما جاء من عندهم؛ حتى وصل الحال ببعضهم بازدراء أحكام الإسلام، والتخوُّف من الحكم الإسلامي، والتندُّر بالملتزمين والمتدينين، ووصفهم بأنهم معقدون ومتشددون!! {إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ} [المطففين: 29 - 32].

 

وظهر جيل آخر من الشباب متشبهٌ بأعداء الله في الظاهر أو المظاهر، فيتسمى بأسمائهم، ويقلدهم في لباسهم، ويتشبَّه بهم في تصرفاتهم وحركاتهم وقصَّاتهم، ويعظم صور لاعبيهم وسفهائهم، وكأنهم لم يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن تشبه بقوم فهو منهم».

 

وظهر جيلٌ آخر من الشباب شباب مترفون، عابثون ساهون لاهون، تافهون تائهون، يهدرون أوقاتهم في سفاهات، ويضيعون شبابهم في شهوات وملذات، لم يفلحوا في دين ولا دنيا؛ فهم في الدراسة راسبون، وفي العمل فاشلون، وفي الحياة تائهون حائرون، يجلسون على الأرصفة والشوارع، يصدون عن سبيل الله، أو يجلسون أمام البيوت يتتبعون عورات خلق الله، ويتجمعون في الأسواق والمنتزهات لمضايقة النساء وإيذاء المارة.

 

حياتهم حياة بهيمية، وتصرفاتهم تصرفات شيطانية، يسهرون ويسمرون، ويتجملون ويتزينون، ويضحكون ويمزحون، وعلى الخبث وأماكن اللهو يتغاشون ويتهافتون.

 

يطنون أن الرجولة في تصفيف الشعر وتنسيق الثياب، والوقوف طويلاً أمام المرآة للظهور بمظهر جذاب.

 

يظنون أن الرجولة في التبجح بالحديث عن المغامرات والمعاكسات، وملاحقة الساقطين والساقطات، ويروون قصصهم في ذلك بكل جفاء وقلة حياء.

 

وآخرون يظنون أن الرجولة في سماع الأغاني ورفع الصوت بها في السيارة أو على الدراجة، مع التفحيط والتهور، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115، 116].

 

إنهم جيل القنوات الفضائية، والقصَّات الغربية، والرقصات الهستيرية، والتكسر في المشية.

جيل الأندية والتشجيع، والتفريط والتضييع، والقبعات والبدلات، والقات والسرقات، والحبوب والمخدرات.

 

جيل الأفلام والجريمة، والتخنث والميوعة، وتضييع الأصول والقِيَم؛ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك».

 

وفريقٌ آخر من الشباب تجد قِبلته هي الكرة؛ فهي شغله الشاغل وهمه الأول؛ فتراه دائم المتابعة لأخبارها، مدمن المشاهدة لأدوارها، شديد اللهفة لها، على حساب صلاته وواجباته، وحاجات أهله وبيته.

 

لو سألته عن جدول المباريات لأجابك بكل تطويل وتفصيل، ولو سألته عن اللاعب الفلاني لأجابك بملء فمه إجابة العارف عن اسمه وجنسيته وفريقه وكل تفاصيله، ثم لو سألته عن سورة من قصار السور لوجدت أنه لا يحفظها، بل ربما لا يحسن قراءتها، ولو سألته عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخبَّط ذات اليمين وذات الشمال ولم يعطك جوابًا.

 

أما الصلاة؛ فحدِّث ولا حرج عن تضييعها وإهمالها، لاسيما صلاة الفجر؛ فكثيرٌ من الشباب قد أضاعها وأهملها وفرَّط فيها، ونام عنها بشكل مستمر؛ {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].

 

إن إضاعة الصلاة وتركها كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب، وجريمة من أعظم الجرائم، سواء بتركها كلية أو بالصلاة أحياناً والترك أحياناً كما يفعل بعض الشباب، الذين يصلون بأهوائهم ورغباتهم؛ فمتى أراد أن يصلي صلى، ومتى أراد أن يترك ترك.

 

يتركون الصلاة المفروضة التي لا يجوز تركها بأي حال من الأحوال، حتى في حال المرض والسفر، لأتفه الأسباب؛ فبعضهم يقدم المباراة على الصلاة، وبعضهم يقدم اللعبة على الصلاة، وآخرون يقدمون ملاقاة ومقابلة أصدقائهم وأصحابهم على ملاقاة الله ومقابلته خمس مرات في كل يوم وليلة، وكثير منهم يفضل النوم على الصلاة ويقدمه، والصلاة خير من النوم.

 

ألم يعلم هؤلاء الشباب أن الصلاة هي عماد الدين وركنه الركين، وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، التي لا يصحُّ إسلام المرء إلا بها؟!

ألم يعلموا أن الصلاة هي أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة؛ فإن صلحت صلح سائر العمل، وإن فسدت فسد سائر العمل؟!

 

ألم يسمعوا قول الله سبحانه وتعالى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} [الماعون: 4، 5].

ألم يقرئوا: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34]، {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 23].

ألم يسمعوا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر».

 

فهل يصح لشاب مسلم عاقل سمع هذه النصوص الصحيحة الصريحة أن يصلي ويترك، أو يصلي الصلاة بعد وقتها، أو يلعب في الشوارع والمقاهي والناس يصلون!! يقول الله سبحانه وتعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة: 91].

 

الخطبة الثانية

يقول الله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ} [الروم: 54]؛ فالشباب قوة بين ضعفين، بين ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة.

 

فيجب على الشاب أن يدرك أن مرحلة الشباب مرحلة خطيرة؛ فهي ضيف لا يعود، وفرصة إذا مرت فلن ترجع.

ألا ليت الشباب يعود يوماً ♦♦♦ أنبئه بما فعل المشيب

 

من مشكلات الشباب الصحبة السيئة؛ فالصاحب ساحب، وكثير من الشباب الذين وقعوا في شباك الرذائل والمخدرات وقعوا فيها بسبب الرفقة السيئة، الذين شبههم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنافخ الكير، إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة خبيثة.

 

فاحذروا أيها الشباب من هذه الشلل الفاسدة، التي تزين الفواحش وتجاهر بالمعاصي؛ فإنهم شياطين الإنس؛ فاستعيذوا بالله منهم ومن شرهم ووسوستهم؛ يقول الله سبحانه وتعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27 - 29]، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}  [الزخرف: 67].

اذا ما صحبت القوم فاصحب خيارهم  **  ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي 

عن المرء لا تسال وسل عن قرينـــــــه  **  فكل قرين بالمقارن يقتــــــــــــــدي 

 

إننا اليوم بحاجة إلى الشباب المؤمن الحريص العاقل، المستشعر لواجباته تجاه دينه وأمته، المتحمل لتبعات أهله وبيته ومجتمعه.

 

نحن بحاجة إلى الشباب المخلص، الذي يحول الخيبة إلى أمل، واللهو إلى عمل، بعيد كل البعد عن أماكن الفساد ومواطن الخلل.

 

نحن بحاجة إلى شباب يشتاقون إلى المعالي، ويذللون الصعاب، ويصنعون المستحيل، ويأنفون الذل والهوان.

 

أما أنتم أيها الآباء؛ فسدوا الفجوة التي بينكم وبين الشباب، وافتحوا لهم المجال ليبوحوا لكم بما تكنُّه سرائرهم وتخفيه صدورهم، وتبسَّطوا معهم في الحديث، وبادلوهم الرأي، وجادلوهم عند الخطأ بالتي هي أحسن، لا بالتي هي أخشن، وقدِّروا لهم المرحلة التي يمرون بها من غير إفراط ولا تفريط.

_________________________________________________________

الكاتب: د. مراد باخريصة