أحسنوا جوار النعم

منذ 2023-04-02

مهما كانت النِّعْمة قليلةً، فإنَّ أقل منها العدم، ولربَّما استصغرت العينُ عطاء هو للغير غذاء ومنقذ من هلكة

خلق الله الإنسان وركَّبه من طين، وجعل مداده من هذه الأرض، ليتغذَّى ويعيش، فلم يترك له ما يُقيم أوْدَه، وتهنأ به معيشتُه إلا وقد تهيَّأ له في أحسن الأحوال، وكان مِنْ كَرَم الله سبحانه وتعالى أن بين منهج المعيشة في أوجز كلام، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168]، فجعل الأصل في أعيان المأكُولات الحِلَّ والإباحة، وأرشد أن تؤخذ بحلها لا غصبًا ولا سرقةً، وبيَّن الطيب وحرم الخبيث منها لعينه؛ كالميتة ولحم الخنزير، وحذَّر من طُرُق الحَرام؛ لأنها خُطوات الشياطين من جِنِّه وإنْسِه، فهل بعد هذا البيان بيان؟

ثُمَّ بيَّن سبحانه عظيم التوازن في المعيشة؛ فقال تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31]، هذه الآية حَوَت الطِّبَّ كُلَّه، سواء طب القلوب فلا تسرف ترفًا، ولا تسرف أخذًا من الحرام فإنهما هلكة، وشملت طِبَّ الأبدان، فما وجدت أغلب الأمراض إلَّا من الإسراف في الطعام والشراب.

 

حال النبي صلى الله عليه وسلم:

وإنَّ قِلَّة ذات اليد والعوز والفقر ونقص في الأموال والثمرات من قدر الله، ولا تعني بغض الله لعبده المؤمن، فهو نوعُ ابتلاء يُمحِّص الله به عبده ليسمع منه جميل الدعاء، وحُسْن العبادة، والضراعة لربِّه، هذا نبيُّنا صلى الله عليه وسلم كما ورد في حديث عروة بن الزبير عن عائشة: ((إنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إلى الهِلَالِ ثَلَاثَةَ أهِلَّةٍ في شَهْرَيْنِ، وما أُوقِدَتْ في أبْيَاتِ رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نَارٌ، فَقُلتُ: ما كانَ يُعِيشُكُمْ؟ قالَتْ: الأسْوَدَانِ: التَّمْرُ والمَاءُ، إلَّا أنَّه قدْ كانَ لِرَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ جِيرَانٌ مِنَ الأنْصَارِ، كانَ لهمْ مَنَائِحُ، وكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِن أبْيَاتِهِمْ فَيَسْقِينَاهُ))[1]، عاش صلى الله عليه وسلم الفقر بكل معانيه؛ ليكون لنا قدوةً، فلا ذات الفقر يبعدك عن الله، ولا ذات الغنى يُقرِّبك منه؛ بل قد وصل بحاله صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة: ((أنَّ رَجُلًا أتَى النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فَبَعَثَ إلى نِسَائِهِ، فَقُلْنَ: ما معنَا إلَّا المَاءُ، فَقالَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «مَن يَضُمُّ -أوْ يُضِيفُ- هذا؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: أنَا..»[2] فسبحان مَنْ أعطاه عظيم الصبر على البلاء وحُسْن الشكر على العطاء.

 

المحاسبة على النِّعَم:

ومَهْمَا كان وضعك أو حتى عوزك أو قِلَّة ذات يديك فلا شَكَّ أن بين يديك نعمة، وعليه أنت في دائرة المسألة من أين اكتسبتها وفيما أنفقتها، وهذا خير البشر صلى الله عليه وسلم كما روى أبو هريرة حيث قال: ((خرجَ رسولُ اللهِ في ساعَةٍ لا يخرجُ فيها ولا يلقاهُ فيها أحدٌ، فأتاهُ أبو بكرٍ، فقال: «ما جاء بِكَ يا أبا بكرٍ» ؟ قال: خرجْتُ ألقى رسولَ اللهِ وأنظرُ في وجهِهِ والتسليم عليهِ، فلمْ يلبثْ أنْ جاء عمرُ، فقال: ما جاء بِكَ يا عمرُ؟ قال: الجوعُ يا رسولَ اللهِ! قال: «وأنا قد وجَدْتُ بعضَ ذلكَ» . فانطلقوا إلى منزلِ أبي الهيثمِ بنِ التَّيْهانِ الأنصاريِّ، وكان رجلًا كثيرَ النخلِ والشَّاءِ، ولمْ يكنْ لهُ خَدَمٌ فلمْ يجدوهُ، فَقَالوا لامرأتِهِ: أين صاحبُكِ؟ فقالتْ: انطلقَ يَسْتَعْذِبُ لَنا الماءَ، فلمْ يَلبَثوا أنْ جاء أبو الهيثمِ بِقِرْبَةٍ يَزْعَبُها فوضعَها، ثُمَّ جاء يلتزمُ النبيَّ ويُفَدِّيهِ بأبيهِ وأُمِّهِ، ثُمَّ انطلقَ بِهمْ إلى حديقتِهِ فبسطَ لهُمْ بِساطًا، ثُمَّ انطلقَ إلى نخلةٍ، فَجاء بِقِنْوٍ فوضعَهُ، فقال النبيُّ: «أفلا تَنَقَّيْتَ لَنا من رُطَبِهِ» ؟ فقال: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أردْتُ أنْ تَختاروا أوْ تَخَيَّرُوا من رُطَبِهِ وبُسْرِهِ، فأكلوا وشَرِبُوا من ذلكَ الماءِ، فقال: «هذا والذي نَفسي بيدِهِ مِنَ النعيمِ الذي تسألونَ عنهُ يومَ القيامةِ، ظِلٌّ بارِدٌ، ورُطَبٌ طَيِّبٌ، وماءٌ بارِدٌ»[3]، تحاسب على ثلاث تكاد تكون عند الجميع ولا شك (ظِلٌّ بارِدٌ، ورُطَبٌ طَيِّبٌ، وماءٌ بارِدٌ) فكيف بالموائد التي تغص بأنواع الطعام والشراب؟!أ

 

الترف هلكة:

والنعمة إذا سقطت من يدك فلا تتركها للشيطان، والبقية الباقية من الطعام تناوله، فلعل البركة في آخره، يرشد لذلك فعل وقول خير الأنام صلى الله عليه وسلم، فعن أنس: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ كانَ إذَا أَكَلَ طَعَامًا لَعِقَ أَصَابِعَهُ الثَّلَاثَ، قالَ: وَقالَ: «إذَا سَقَطَتْ لُقْمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيُمِطْ عَنْهَا الأذَى وَلْيَأْكُلْهَا، وَلَا يَدَعْهَا لِلشَّيْطَانِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَسْلُتَ القَصْعَةَ، قالَ: فإنَّكُمْ لا تَدْرُونَ في أَيِّ طَعَامِكُمُ البَرَكَةُ»[4]، كل هذا سدًّا لباب الترف الذي ما جرى طبعًا في حياة الناس إلا كان نذيرَ هلاكٍ قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، اللهُمَّ إنا نعوذ بك من زوال نعمتك، وتحوُّل عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سَخَطك.

 

فالنعمةُ زائلةٌ، ولا تبقى في يد أحد على الدوام ما لم يقم عليها حراسةٌ ورعايةٌ على منهج رباني مؤدَّى مِن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أمور:

أولًا: بالشكر تدوم النِّعَم:

وعد من الله لمن شكر بالقلب اعترافًا ولهج باللسان كلامًا، وأعقبه بالعمل صلاحًا، أن يديم ويبارك ويزيد للعبد النعائم، قال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7]، قال عليٌّ رضي الله عنه: ((لَنْ يَنْقَطِعَ الْمَزِيدُ مِنَ اللَّهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ الشُّكْرُ مِنَ الْعَبْدِ)) [5].

 

ثانيًا: المعاصي مزيلة النعم:

فهذه مكة قبل الإسلام البلد الذي لا يوجد به الزرع، وقل ما يدر فيها الضَّرْع، يأتيها رزقها من كل مكان، فلمَّا أتاها النور المبين على يد سيد المرسلين كَفَرَتْ به؛ فرفع الله عنهم الخير، وصَبَّ عليهم البلاء حتى أكلوا العظام، قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112].

 

ثالثًا: احترام النِّعْمة:

مهما كانت النِّعْمة قليلةً، فإنَّ أقل منها العدم، ولربَّما استصغرت العينُ عطاء هو للغير غذاء ومنقذ من هلكة، قال أنس: ((مَرَّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بتَمْرَةٍ في الطَّرِيقِ، قالَ: «لَوْلَا أنِّي أخَافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا»[6].

 

رابعًا: إظهار النِّعْمة على وجه الفخر:

أخي الكريم، يا صاحب الخُلُق النبيل، إنَّ ما بين يديك من النِّعَم عليها رقيب وحسيب، وإن تصوير الموائد ونَشْرها عبر قنوات التواصُل نذير شر، فقد يراها حسود حقود فلا تنعم بها أبدًا، وقد يراها مَنْ لم يجد عند سحوره وفطوره إلا شربة الماء وفتات الطعام، فتوجع قلبًا قد عضَّه كلب الجوع، فأي خير يُرْجَى، وأي فضل يُبْتغى مِنْ مثل هذا.

_____________________________________________________________________

 

[1] البخاري.

[2] البخاري.

[3] أخرجه أبو داود (5128)، وابن ماجه (3745)، وأحمد (7874) مختصرًا، والترمذي (2369) باختلاف يسير. وصححه الألباني في مختصر الشمائل.

[4] مسلم.

[5] البيهقي في شعب الإيمان.

[6] البخاري.