أسباب ضيق الصدر

منذ 2023-11-06

قال ابن القيم رحمه الله: فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:

فإن انشراح الصدر من أعظم نِعم الله على عباده التي تستوجب الشكر، وقد امتنَّ الله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بانشراح صدره؛ قال تعالى:  {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ}  [الشرح: 1]، وقال تعالى عن نبيه موسى عليه السلام:  {قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي}  [طه: 25]، وقال تعالى:  {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}  [الزمر: 22].

 

أي: أفيستوي من شرح الله صدره للإسلام، فاتسع لتلقي أحكام الله والعمل بها منشرحًا قرير العين على بصيرة من أمره، كمن ليس كذلك بدليل قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ}؛ أي: لا تلين لكتابه ولا تتذكر آياته، ولا تطمئن بذكره، بل هي معرضة عن ربها ملتفتة إلى غيره، فهؤلاء لهم الويل الشديد والشر الكبير»[1].

 

وقال تعالى:  {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}  [الأنعام: 125].

 

قال ابن القيم رحمه الله: فالهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر، والشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وانحراجه.

 

والنور الذي يقذفه الله في قلب العبد وهو نور الإيمان، فإنه يشرح الصدر، ويوسِّعه ويُفرح القلب، فإذا فقد هذا النور من قلب العبد، ضاق وحَرِجَ، فصار في أضيق سجن وأصعبه، فنصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور؛ قال تعالى:  {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}  [الأنعام: 122].

 

ومن أعظم أسباب ضيق الصدر: الإعراض عن الله وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن ذكره، ومحبة سواه؛ قال تعالى:  {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا}  [طه: 124، 125]، فإن من أحب شيئًا غير الله عذب وسجن قلبه في محبته ذلك الغير[2].

 

وضيق الصدر مما يعاني منه كثير من الناس، وقد بيَّنت الآيات المتقدمة وأقوال أهل العلم سببَ سَعة الصدر وانشراحه، وكذلك سبب ضيق الصدر وحزنه، وأن الاهتداء للإسلام وقبوله والرضا به، هو سبب انشراح الصدر، وعكس ذلك هو سبب ضيقه، ولا يمنع هذا من وجود ضيق في الصدر وقتًا وجزئيًّا لأسباب أخرى.

 

وأريد في هذه الكلمة أن أذكر بعض التفاصيل؛ حتى يمكن حصر العلة، ومن ثم تسهيل الطريق لعلاجها.

 

فأقول بالله أستعين:

علة ضيق الصدر إما أن تكون ظاهرة، سواء كانت تلك الأسباب دينية أو دنيوية، وهذه سهَّل علاجها لمن وفَّقه الله وأعانه، وذلك بقطع تلك الأسباب المؤدية لضيق الصدر، فمن الأسباب الدينية:

1- مخالفة أمر الله تعالى بترك ما أمر الله به، أو فعل ما نهى الله عنه، والأول أخفى من الثاني، فالذنوب والمعاصي أكثرها معلوم لدى الكثير من الناس، وإنما الذي يخفى حتى على بعض الخاصة منهم، هو التفريط فيما أمر الله، ولا سيما حين يلابس ذلك شهوات محرمة أو تأويلات فاسدة، كقول إبليس لما أمره الله بالسجود فامتنع وقال:  {أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا}  [الإسراء: 61]، ودواء ذلك وعلاجه تدارُك ما فات أو قضاؤه، فإن إمكان ذلك وسهولته من محاسن دين الإسلام العظيم؛ قال الله تعالى:  {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}  [الفرقان: 62]، فمن فاته شيء من عمل الليل، تداركه بالنهار والعكس، وتفسير هذه الآية: من أراد أن يتذكر بهما؛ أي: الليل والنهار، ويعتبر ويستدل بهما على كثير من المطالب الإلهية، ويشكر الله على ذلك، ولمن أراد أن يذكر الله ويشكره، وله ورد من الليل أو النهار، فمن فاته وردُه من أحدهما أدركه في الآخر[3].

 

قال تعالى:  {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ}  [هود: 114].

 

2- وقوع المصائب والبلايا وطرق علاجها وتحقيقها كثيرة.

فمنها أن يعلم العبد أن هذه المصائب تكفيرٌ للسيئات، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث زهير قال: أُخبرت أن أبا بكر رضي الله عنه قال: يا رسول الله كيف الصلاح بعد هذه الآية:  {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}  [النساء: 123]، فكل سوء عملنا جزينا به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ،أَلَسْتَ تَمْرَضُ؟ أَلَسْتَتَنْصَبُ؟ أَلَسْتَ تَحْزَنُ؟ أَلَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْوَاءُ»؟، قَالَ: بَلَى، قَالَ: «فَهُوَ مَا تُجْزَوْنَ بِهِ»[4].

 

وقال تعالى:  {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}  [الشورى: 30].

 

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ مِن نَصَبٍ ولَا وصَبٍ، ولَا هَمٍّ ولَا حُزْنٍ ولَا أذًى ولَا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِن خَطَايَاهُ»[5].

 

وروى الترمذي في سننه من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بعبْدِهِ خَيْرًا عجَّلَ لَهُ الْعُقُوبةَ في الدُّنْيَا، وإِذَا أَرَادَ اللَّه بِعبدِهِ الشَّرَّ، أمسَكَ عنْهُ بذَنْبِهِ حتَّى يُوافِيَ بهِ يَومَ الْقِيامةِ»[6]، قال بعض السلف: «لولا المصائب لوردنا يوم القيامة مفاليس»، وكان السلف يفرح أحدهم بالبلاء كما يفرح أحدنا بالرخاء.

 

ومنها أن يكون المرض سببًا لرفع منزلة المريض في الآخرة، روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «إنَّ الرَّجُلَ تَكُونُ لَهُ المَنزِلَةُ عِنْدَ اللَّهِ فَمَا يَبْلُغُها بِعَمَلٍ، فَلَا يَزَالُ يَبْتَلِيهِ بِمَا يَكْرَهُ حَتَّى يُبلِّغَهُ ذَلِكَ» [7].

 

وقد يجتمع الأمران فتكون الحصيلة تكفيرًا للسيئات ورفعة للدرجات.

قال شريح: ما أصابني من مصيبة إلا حمدت الله عليها لأربع:

1- أن الله رزقني الصبر عليها.

2- أن الله رزقني الاسترجاع عندها.

3- أن الله لم يجعلها أكبر منها.

4- أن الله لم يجعلها في ديني.

 

روى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما مِن مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فيَقولُ ما أمَرَهُ اللَّهُ:  {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}  [البقرة: 156]، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأَخْلِفْ لي خَيْرًا مِنْها، إلَّا أخْلَفَ اللَّهُ له خَيْرًا مِنْها»، قالَتْ: فَلَمَّا ماتَ أبو سَلَمَةَ، قُلتُ: أيُّ المُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ؟ أوَّلُ بَيْتٍ هاجَرَ إلى رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ إنِّي قُلتُها، فأخْلَفَ اللَّهُ لي رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم [8].

قال الشاعر:

وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتــــــى  **  ذَرعًا وَعِندَ اللَّهِ مِنها المَخرَجُ 

ضاقَت فَلَمّا استَحكَمَت حَلَقاتُها  **  فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفـرَجُ 
 

الثالث بعض الأمراض تبيَّن طبيًّا أن بعضها يصاحبه ضيق الصدر وإن لم يكن شديد الألم كغيره، فمن المهم أن ينتبه المريض إلى ذلك، فإن بعض المرضى قد يظن أن به مرض آخر مع أن الأمر ليس كذلك، مثل بعض أمراض المفاصل والروماتزم أو نقص فيتامين (د)، أو غيره مما يعلمه الأطباء المتخصصون في ذلك.

 

فيتلخص مما تقدم أن ضيق الصدر ينحصر في ثلاثة أمور:

الأول: أسباب دينية أو دنيوية.

الثاني: وقوع المصائب والبلايا.

الثالث: بعض الأمراض التي يصاب بها الإنسان.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.

 


[1] تفسير الشيخ السعدي رحمه الله ص (970).

[2] زاد المعاد (2 /23 /28) باختصار.

[3] تفسير الشيخ السعدي ص (776).

[4] (1 /230) برقم (68)، وقال محققوه: حديث صحيح بطرقه وشواهده.

[5] صحيح البخاري برقم (5642)، وصحيح مسلم برقم (2573).

[6] برقم (2396)، وقال الألباني رحمه الله في صحيح الترمذي (2 /285) برقم (1953): حديث حسن صحيح.

[7] صحيح ابن حبان برقم (2897) والحاكم (1 /664) برقم (1314)، وحسنه الشيخ الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة برقم (1599).

[8] برقم (918).

_____________________________________________________
الكاتب: د. أمين بن عبدالله الشقاوي