هل لوقتك قيمة

منذ 2024-02-05

إن من عظيم ما ينتبه إليه المرء هو زمنه ووقته الذي يقسم الله عز وجل به؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لأمره، وإرشادًا إلى قيمته، وإشارةً إلى الانتفاع به والاتعاظ.

إن من عظيم ما ينتبه إليه المرء هو زمنه ووقته الذي يقسم الله عز وجل به؛ تعظيمًا لشأنه، وتفخيمًا لأمره، وإرشادًا إلى قيمته، وإشارةً إلى الانتفاع به والاتعاظ.

 

قال الله تعالى:  {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}  [العصر: 1 - 3].

 

فالوقت تقع فيه الحسنات والسيئات، والمعاصي والطاعات، وما يكون فيه، وما يقوم به المرء في وقته وعمره وزمانه مسجَّل له أو عليه، يراه يومَ العرض على الله تعالى، ووضع الكتاب؛ أي: كتاب الأعمال.

 

{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}  [الكهف: 49]،  {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}  [الانشقاق: 7، 8].

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يُدني المؤمن، فيضع عليه كَنَفَه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون، فيقول الأشهاد:»   {هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}  [هود: 18]))[1].

 

والزمان - عباد الله - مملوء بالحوادث، حافل بالوقائع التي فيها العِبر والدروس والعظات.

 

أذلَّ الله في هذه الحوادث أممًا كانت عزيزة، ورفع أممًا كانت ذليلة، أكرم الصالحين، وأذل الطالحين، وأعز العادلين، وأهان الظالمين، فأعظم ما يكون لوقتك وزمنك هو أن تنتبه لقيمته، وأن تتعظ وتهتدي، وأن تطيع الله عز وجل فيه، وأن الله عز وجل لم يخلقك عبثًا ولم يتركك سُدًى، بل خلقك لعبادته:  {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا}  [النساء: 123، 124].

 

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ}  [آل عمران: 185].

 

فإذا علِم المرء هذه الحقائقَ، وتيقن أمرها، وانتبه لأثرها، فقد حاز خيرًا كثيرًا، عمَّر عمره بطاعة الله، واستثمر وقته فيما ينفعه عند الله، وتَرَكَ كل ما من شأنه ضياع أوقاته ودمار زمانه، ومن المعلوم من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الفراغ نعمة، إذا اشتغل فيه بعمل الصالحات، وقد متعه الله عز وجل بالعافية والصحة: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»[2].

 

فاعلم – عبدَالله - أنك إذا اجتهدت في تنظيم وقتك، وترتيب زمانك، وتحريك ذلك في فعل الخيرات، وتمرين نفسك لفعل الخيرات، واجتناب المنكرات، صار ذلك سجية لك وعادة، وفقك الله إليها، فإن أقسى ما يواجه الإنسان في أمره هو الندم، فإذا ندِم الآن نفعه ندمه، فالندم توبة، أما إذا ندم وتحسَّر يوم القيامة، فلا ينفعه ندمه، نسأل الله عز وجل العفو والعافية والمعافاة الدائمة، في الدنيا والآخرة.

 

فاتقوا الله عباد الله، واعملوا بطاعة الله، فإن التقوى وقاية من النار بفعل الطاعة وترك المعصية:  {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}  [الطلاق: 2، 3].

 

واعلم – عبدَالله - أن وقتك ثمين، وأن وقتك قصير، فلا تضيعه فيما لا ينفع، لا تضيعه في لهوٍ ولغوٍ، ولا في نقد الناس والطعن في أعراضهم، وذكر معايبهم، ولا في الجدال، ولا في المراء الباطل، ولا في جلسات لا يُذكَر فيها الله إلا قليلًا، ولا في لزوم الأجهزة الحديثة والنظر فيها فيما لا ينفع عند الله، بل استثمر وقتك فيما يقربك إلى الله، وينفعك عند الله يوم تُبلى السرائر؛ في صلاة تسمو بها الأرواح إلى الله، أو في قراءة قرآن يخاطبك به الله، أو صيام تراقب الله فيه، أو تكون من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، ولا يوفق إلى ذلك إلا من أحبه الله وبرَّأه من النفاق، أو أنك تصل الرَّحِم، أو تصلح بين متخاصمين، أو تتقرب إلى الله بما يعود بالخير على نفسك أو على أهلك أو على جيرانك:  {وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}  [لقمان: 12].

 

قال الفضيل بن عياض لرجل: كم عمرك؟ فقال الرجل: ستون سنة، قال الفضيل: إذًا أنت منذ ستين سنة تسير إلى الله، تُوشِك أن تصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: يا أخي، هل عرفت معناه؟ قال الرجل: نعم، عرَفت أني لله عبدٌ، وأني إليه راجع، فقال الفضيل: يا أخي، من عرَف أنه لله عبد، وأنه إليه راجع، عرَف أنه موقوف بين يديه، ومن عرف أنه موقوف عرف أنه مسؤول، ومن عرف أنه مسؤول فليُعِدَّ للسؤال جوابًا، فبكى الرجل، فقال: يا فضيل، وما الحيلة؟ قال الفضيل: يسيرة، قال الرجل: وما هي يرحمك الله؟ قال الفضيل: أن تتقي الله فيما بقي، يغفر الله لك ما قد مضى وما قد بقي.

 

فليس للمرء - عباد الله - إلا أن يتوب، وأن يملأ وقته بعظيم الأعمال، وصالح الخِصال، ويتعظ بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك»[3].

 

نسأل الله عز وجل أن يعاملنا بلطفه، وأن يوفِّقنا إلى الخير دائمًا، وأن يصلحنا وأن يصلح لنا، وأن يصلح بنا، وأن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته.

 


[1] متفق عليه.

[2] البخاري، 6412.

[3] البيهقي في شعب الإيمان (10248).

______________________________________________

الكاتب: سعد محسن الشمري