رواء المدينة المنوّرة (الحلقة السادسة)

منذ 4 ساعات

في حضرة المسجد النبوي تتهذب القلوب...(الحلقة السادسة).................................

 

...لم يكن ذلك القول الذي أسررت به في أذن صاحبي عن جهلي بالصوب الصحيح للقبلة إذا ما  وجدت المسجد النبوي الشريف فارغا من السباقين الأولين قولا عابرا ولا مزاحا ثقيلا، بل كان اعترافا صريحا بعلة لازمتني طويلا، فذاكرتي في بوصلة المكان وتحديد الدروب بدقة مخرومة حدّ القرف والاستثقال لمن يرافقني، لا تثبت على جهة ولا تقوى باحاتها على تخزين خرائط الطريق وإحداثيات الظرف المكاني، مهما طال المكث أو تكرر المرور، على خلاف ما أُوتيت من قدرة عنيدة على حفظ الوجوه، واستحضارها بالرسم مع الاسم كما هي، ولو بعد عقود من انقطاع الصلة وانعدام دربة الرؤية وحصول اللقيا.
ولعلها المفارقة التي جعلت دخولي المسجد النبوي امتحانا مضاعفا، سيما والمكان هنا لا يدرك بالحد ولا بالزاوية، ولا يستطيع الناظر إلى أمامه أو خلفه أو عن يمينه أو يساره أن يستوعب نظره الجهة الواحدة، حتى كأن الجهات نفسها قد تخلت عن صرامتها، واكتفت بأن تكون احتمالات تحت سطوة الضم والإدماج، في توسعات مترادفة لا يكاد فعلها ينقطع ولا معول الهادم الحافر خدمة لساعد الباني المشيد يكف عن هده.
غير أن الذي أنقذني من هذا الاضطراب المكاني، لم يكن نقشا ولا علامة ولا محرابا، بل إنما كان الارتكاز على الوجوه ذاتها وجوه المصلين وهي تنثال، وتنتظم، وتستقر في صفوفها، وتطفق ملبية في صمت وتأمل يعكس ما وصلت إليه من خشوع وما نالته قلوبهم في غير طرق ولا استئذان من إخبات وتهذيب، فصرت أقرأ القبلة في سكونها، وأهتدي إلى الاتجاه منطلقا من استقامة الأكتاف قبل استقامة الجدران.
وهنا فقط بدا لي أن ضعفي لم
 يكن ضعفا مطلقا، بل ميلا قسريا إلى أن أهتدي بالمريد لا بالجدران، وبالأثر لا بالنظر.
ولعل في هذا بعض أسرار  تلك البركة التي تضيق بها الساحات ولا تضيق بعروتها الصدور، إذ كلما همت طائفة وكادت أن تغادر خلفتها أخرى في غير انقطاع، وعلى بدء متكرر، حتى ليخيل للناظر أن المدينة النبوية لا تتسع ولا يتوسع عمرانها إلا بقدر ما يقصد فيها، وأنها لا تعرف بالخرائط، بل بما تحفظه الوجوه من قصدٍ واحد، وسعي واحد، وتوجّه لا يخطئة المراد.
وكنت كلما هممت أن أبحث عن نفسي في هذا الاتساع، وجدتها تتضاءل لا خوفا ولا ضياعا، بل حيرة واستغرابا فهنا لا يليق للذات أن تتقدم الصفوف، ولا للذاكرة أن تزاحم السيرة.
لقد فهمت من أول يوم وطئت قدماي المدينة المنورة أن هاهنا يعاد ترتيب المقاييس وتتغير معايير المعهود الذي دأبت على النهل من معينه المحلي:
ولا جرم أنني صرت أعرف أن هذه العظمة وهذه الهالة من القداسة ليست هي ترجمة ما يملأ العين ويرد البصر، بل لما يملأ الفؤاد من إيمان حدثني الصادق المصدوق عن رصيده الوافر وأنه يأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها،
وأن القريب من مرمى بصرك لم يعد هو ما تُدركه اليد وتلمسه الكف، بل هو ما تجنيه الروح وتتدثر به النفس المقبلة على ربها هنالك أيما إقبال...
لقد وجدت نفسي فجأة أغير نظرتي بل أنسف تصورها نسفا، إذ كل المساجد المحلية والوطنية ومعها التركية و المصرية والتونسية من التي كنت أتوهم فيها الضخامة والفخامة وأتخيل نفسي أمشي طويلا بين أروقتها وعلى صرحها أظن فيها الفرادة والتميز والخصوصية، فكلها في مقابل هذا الصرح الإسلامي البديع على صعيد العمران كونا ناهيك عن قداستها شرعا، نعم صارت صغيرة في عيني متصاغرة في تقديري الاستدراكي، في ظل جديد نظرتي وكبير  تأثري بعظمة وضخامة هذا الصرح والبنيان والعمران الإسلامي العظيم...يتبع

محمد بوقنطار

محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.