صلة الأرحام بركة

منذ 2026-01-08

فصلة الرحم ليست مجرد خُلُق اجتماعيً فحسب، بل وسببٌ للبركة، وسعة الرزق، وبوابة للبشر والسعادة، وسبيل لتمتين العلاقة وزيادة التكافل والمحبة والود بين الأرحام والأقارب.

يقول: عشتُ في كنف والدي – رحمه الله تعالى – سنين طويلة، وكان من أعظم الناس صلةً لرحمه، وأصدقهم وفاءً لأهله، وأشدهم تعظيمًا لهذا الخُلُق النبيل. ولم تكن صلة الرحم عنده سلوكًا عابرًا، بل عبادةً راسخة، ومنهجَ حياة.
وكان لا يفتأ يوصيني، قائلاً: «يا بني، صِل رحمك؛ فمن وصلها وصله الله، ومن وصله الله فُتحت له أبواب الخيرات، ونال التوفيق والفلاح في دنياه وأخراه».

ومضت الأيام، وانتقل والدي إلى جوار ربه، أسكنه الله الفردوس الأعلى من الجنة، وبقيت وصيته محفورة في قلبي،  ووجدت نفسي أمام مسؤولية تطبيقها لا مجرد الإيمان بها فقط.

وبعد تخرّجي والتحاقي بوظيفة مناسبة، ادّخرت مبلغ ثلاثين ألف ريال، وتقدّمت لخطبة فتاة صالحة، فوافق أهلها مشكورين، وتواعدنا على موعد محدد أقدّم فيه ما تيسّر من المهر، على أن يُستكمل لاحقًا، ويكون الزواج بعد عام.
وقبل الموعد المضروب بيوم واحد، عزمت على زيارة أختي الكبرى في بيت زوجها، أزفّ إليها خبر الخطبة وألتمس دعاءها، فإذا بي أجدها مريضة قد أنهكها الألم. فعرضتُ عليها الذهاب بها إلى مستشفى مدينتنا، فاعتذرت بأنها، قد راجعته كثيرًا دون جدوى، وذكرت أن أطباء بلدة مجاورة يُعرفون بالمهارة وحسن التشخيص، لكنها لا تملك – ولا زوجها – تكاليف السفر والعلاج.

فقلت لها مطمئنًا إياها: أبشري، ثم عدت إلى البيت، وأحضرت المبلغ الذي كنت قد أعددته للمهر، وقدمته لها كاملًا، من غير تردد، ولا تثاقل، محتسبًا الأجر من الله وسعيا في صلة الرحم . فرفعت يديها بالدعاء، ودعت لي بدعواتٍ ما زلتُ أوقن أن أبواب السماء فُتحت لها.


وفي اليوم التالي، ذهبت إلى والد الفتاة، وقصصت عليه ما جرى بصدق ووضوح، وقلت له: أنتم في حلٍّ من أمر الخطبة، فإن رأيتم الصبر علي فجزاكم الله خيرًا، وإن رأيتم فسخها فأنتم معذورون، وهيأ الله لابنتكم من هو خير مني..


فقال – جزاه الله خيرًا – كلمات لا تُنسى: «بل جزاك الله خيرًا، وما دام هذا فعلك مع أختك، فأنت خير من نأتمنه على ابنتنا. فخذ راحتك، وجهّز نفسك، فنحن بانتظارك».
فعدت إلى عملي، وشُفيت – بفضل الله – بعد فترة أختي، وعاد إلي الفرج من حيث لا أحتسب.
وبعد أيام قليلة، جاءتني أمي وهي تبشّرني قائلة:
«أبشر يا ولدي الواصل، لقد باع إخوتي أرضًا كانت لي ولهم  بعد أبي، وأعطوني نصيبي، وقد اقتطعتُ لك منه ستين ألف ريال، بعد أن استأذنت إخوتك فوافقوا جميعًا، فخُذها وأتمّ زواجك، بارك الله لك فيه».


فحمدت الله حمدًا كثيرًا، وتأملت في سعة فضله عز وجل، إذ المبلغ الذي أعطيته لأختي قد عاد إليّ مضاعفًا، ولم تمضِ سوى أسبوعين حتى أقمتُ عرسي، بحمد الله، وتوفيقه.
ومنذ ذلك اليوم، لم يغب عن قلبي معنى عظيم، تؤكده النصوص وتصدّقه التجارب، وهو قول الله تعالى في الحديث القدسي: «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ، فمَن وصَلَها وصَلْتُه، ومَن قَطَعَها قطَعْتُه».
وقول النبي ﷺ: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه».
فصلة الرحم ليست مجرد خُلُق اجتماعيً فحسب، بل وسببٌ للبركة، وسعة الرزق، وبوابة للبشر والسعادة، وسبيل لتمتين العلاقة وزيادة التكافل والمحبة والود بين الأرحام والأقارب.
  جعلنا الله تعالى من الواصلين البررة، وكتب لنا بركة البر وثواب الطاعة، إنه جواد كريم.
والله الهادي.