حدود التعلق بالأسباب
قلوب العارفين يغار عليها من الأسباب وإن كانت لا تساكنها لأنها لما انفردت لمعرفتها انفرد لها بتولي أمورها.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:
قلوب العارفين يغار عليها من الأسباب وإن كانت لا تساكنها لأنها لما انفردت لمعرفتها انفرد لها بتولي أمورها.
فإذا تعرضت بالأسباب محي أثر الأسباب: " {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُم شَيئاً } {} " .
وتأمل في حال يعقوب وحذره على يوسف عليهما السلام، حتى قال: { " وأَخَاف أَنْ يأكلَهُ الذِّئْبُ "} فقالوا: " فأكله الذئب " .
فلما جاء أوان الفرج، خرج يهوذا بالقميص فسبقه الريح " { إنِّي لأجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } " .
وكذلك قول يوسف عليه السلام للساقي: " اذكْرني عِند رَبّكَ " فعوقب بأن لبث سبع سنين، وإن كان يوسف عليه السلام يعلم أنه لا خلاص إلا بإذن الله، وأن التعرض بالأسباب مشروع، غير أن الغيرة أثرت في العقوبة.
ومن هذا قصة مريم عليها السلام: {" وَكَفّلَهَا زَكَرِيَّا "} فغار المسبب من مساكنة لأسبابك { " كلمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحراب وَجَدَ عِنْدَهَا زِرْقاً "} .
ومن هذا القبيل ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا ن حيث لا يحتسب» .
والأسباب طريق، ولا بد من سلوكها. والعارف لا يساكنها غير أنه يجلى له من أمرها ما لا يجلى لغيره، من أنها لا تساكن، وربما عوقب إن مال إليها وإن كان ميلاً لا يقبله، غير أن أقل الهفوات يوجب الأدب، وتأمل عقبى سليمان عليه السلام لما قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، تلد كل واحدة منهن غلاماً، ولم يقل: إن شاء الله. فما حملت إلا واحدة جاءت بشق غلام.
ولقد طرقتني حالة أوجبت التشبث ببعض الأسباب بالا أنه كان من ضرورة ذلك لقاء بعض الظلمة، ومداراته بكلمة. فبينما أنا أفكر في تلك الحال دخل علي قارىء فاستفت فتفاءلت بما يقرأ فقرأ: " وَلاَ تَرْكَنُوا إلى الذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُم النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُون " .
فبهت من إجابتي على خاطري، وقلت لنفسي: اسمعي فإنني طلبت النصر في هذه المداراة فأعلمني القرآن أنني إذا ركنت إلى ظالم فاتني ما ركنت لأجله من النصر.
فيا طوبى لمن عرف المسبب وتعلق به، فإنها الغاية القصوى، فنسأل الله أن يرزقنا.
- التصنيف: