المتدينون بين التوظيف والفتور

منذ 13 ساعة

أمر الله بالاهتداء بالكتاب الكريم وأخذه بقوة، وتطبيقه، والسير على نهجه في الشأن الخاص والعام، وفيما يتصل بالفرد والمجتمع والدولة.

أمر الله بالاهتداء بالكتاب الكريم وأخذه بقوة، وتطبيقه، والسير على نهجه في الشأن الخاص والعام، وفيما يتصل بالفرد والمجتمع والدولة.

فالكتاب لم ينزل حتى يتلى فقط، بل وليكون ينبوع هداية، ومنهاج حياة، وميزان تقويم، يُحتكم إليه في الفهم والعمل وفي سائر الأحوال والمواقف.

ولذا فإنّ المسلم الحق لا يفتأ طوال حياته أن يكون متقلبًا بين العلم والعمل، وبين التذكير والاحتساب، وبين تعزيز الخير وتمكينه والسعي لوأد الشر أو التخفيف من أضراره.


وفي ضوء هذا المشهد فهناك أمران لا يجوز للمسلم الوقوع في أحدهما:
أولهما: ترك الأمر الواجب تعلّمًا أو امتثالًا أو دعوة؛ فمن وجب عليه شيء لزمه القيام به والإتيان به على وجهه، من غير تسويف أو تقصير.

والثاني: تقحّم دروب المحرّم؛ إذ لا يجوز للمسلم إتيان ما نهاه الله عنه، ولا المشاركة في نشره، ولا الإسهام في تمكينه، فإنّ الإثم لا يقف عند حدود الفعل وحده، بل يتعدّاه إلى الإعانة والتسويغ وملازمة الصمت الاختياري في موضعٍ يتعيّن فيه الجهر بالقول.

ومن تأمّل في واقع كثير من المتدينين اليوم وجد انتشار ظاهرتين مشكلتين في أوساطهم:
فالأولى: تتمثّل في التهاون والفتور عن القيام بتبليغ الدين: تعليمًا وتزكية، ودعوةً واحتسابًا، وكان من نتائج ذلك أن كذب على الدين، وتمدّد الباطل، وفشا الظلم، واستشرى الجهل، واضطرب الوعي، وكثرت المخالفة، واتسعت الفرقة، واشتدّ التهاون بأمر الدين، وتصدّر الجاهلون وأنصاف المتعلمين لمواقع البلاغ والتبيين.
وأما الثانية، فهي توظيف كثير منهم من قبل بعض المؤسسات الغاشمة والجهات النافذة في مسارات شتى؛ منها ما فيه تلميع لمن لا يرقب في مسلمٍ إلًّا ولا ذمّة، ومنها ما فيه عدوان وتجاوز لحدود الله، ومنها ما فيه تمزيق لكلمة المسلمين، وحمل لراياتٍ عميّة، وتمكين لعصبيات جاهلية، حتى صدق فيهم أنهم لا الإسلام نصروا، ولا المسلمين جمعوا، ولا الأعداء كسروا، ولا الباطل قمعوا.
وبلا شك، فإنّ في ترك البيان الواجب في مشهد كهذا خذلانًا للحق وأهله.
 وبلا شك، أنهم متى وهنوا وتقاعسوا، أو اختلفوا وتمزقوا، أو ساروا في ركاب الباطل، فإنهم لم يقوموا بالأمانة على وجهها، وأنهم على خطر عظيم.
وليس بخاف، أنّ الدعاة وجموع المتدينين هم جند الإسلام، وشوكة الحق، وأداة قمع الباطل وأهله، والمطالبون برفع راية الحق وتحكيم الشرعة، وبث الخير وعمارة الأرض بالإحسان والرحمة والعدل والبر والخير، وتعرية الجهالة وقمع الباطل، ومتى تخلّوا عن هذه الوظيفة الشريف، فلم يرعووا أمكن أن يتحقّق فيهم الوعيد الإلهي: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ}.
فقد بيّن الله الطريق القويم، وأقام الحجة على العالمين، وأوضح العاقبة للسالكين، وحذّر من سلوك سبل الشياطين، ثم حمّل المرء مسؤوليته كاملة، فقال عز اسمه: {فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}.
فاللهم اهدنا سبيلك،  وأقمنا بفضلك عليه، واستعملنا في طاعتك، واجنبنا الزيغ والفتنة، إنك جواد كريم.
والله الهادي.