العقل زين

منذ 7 ساعات

فالعقل - يا إخوتي- زين، والتؤدة وترك التفاعل مع  الترهات ولحظات الانفعال حياة.

قال: زرتُ ابن عم لي في مدينة مجاورة، تبعد عن مدينتي قرابة مئة كيلومتر. ولم تكن الزيارة لغير البر والصِلة، فوجدت منه حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وبالغ في إكرامي حتى أحرجني ببشاشته ولطفه وكبير ضيافته.

وأنا في مجلسه متكئ، وقعت عيني على جنبية، "ذلك الخنجر التراثي المعروف في جنوب جزيرة العربية "معلَّقة على أحد الجدران، وكانت تبدو غالية الثمن، بديعة الصنعة، فائقة الجمال في قبضتها وحزامها. 
فكنت أسترق النظر إليها بين حين وآخر، دون أن أنطق بشيء، غير أن ابن عمي فطن لتكرار نظري إليها.
فلما هممت بالمغادرة، استأذنته وعانقته، وخرجت متجهاً إلى سيارتي. 
ولم تمضِ إلا لحظات حتى لحقني، وفي يده كيس. فوضعه في السيارة، وقال: هذه الجنبية هدية مني لك، ولن أقبل بحال أن ترد. 

وحلف  على ذلك أيماناً مغلظة، فحاولت الاعتذار وردها بكل سبيل، فلم أفلح. فشكرته كثيراً، وانطلقت في طريقي.
وفي أثناء العودة، تفقدت الجنبية، فازداد إعجابي بها، ثم جرَّبت نصلها، فرأيت حِدَّة عجيبة وصنعة مدهشة.
وقبل أن أصل إلى بوابة مدينتي ببضعة كيلو مترات، انفجرت إحدى عجلات سيارتي. 

وبحمد الله، تمكنت من تهدئة سرعتها وإيقافها على جانب الطريق. ثم نزلت أبحث عن العجلة الاحتياطية، فإذا بها غير موجودة. فلم يكن أمامي إلا أن أواصل السير ببطء شديد على العجلة الفارغة مسافة ثلاثة كيلومترات تقريباً، حتى وصلت إلى مصلح عجلات.
وحين نظر الرجل إلى العجلة قال: هذه منتهية فلا تصلح للإصلاح، ولا بد من تغييرها.
وبعد أن اتفقنا على الثمن، شرع في تغييرها، ولم تمضِ دقائق حتى أنهى عمله. 
فمددت يدي إلى جيبي لأخرج محفظتي، فإذا هي غير موجودة.  وعندها تذكرت أنني نسيتها في البيت.
فاعتذرت من الرجل وشرحت له موقفي وطلبت منه أن يمهلني، فلم يقبل، وسرعان ما همَّ بنزع العجلة التي أصلحها. فرفضت ذلك، وارتفعت الأصوات، كلمة بكلمة، ودفعة بدفعة، حتى تقابضت الأيدي.
وكنت أضخم منه جسماً، فألصقت جسده بالسيارة وبدأت في ضربه، وهو في المقابل أخذ يلكمني في وجهي وجنبي. 
فاشتد غضبي، وغاب عني وعيي، وبدأت نفسي الأمارة بالسوء تدفعني دفعاً إلى الإقتراب من الجنبية رغبة في أن أنهر بها دمه.
وفي تلك اللحظة الحرجة، أتى رجل وافد من جنوب آسيا، وكان صاحب بقالة مجاورة. 
فتدخل بيننا بحكمة وهدوء، محاولا جهده تلطيف الموقف. وبعد جهد جهيد، فهم القصة كاملة، فقال لمصلح العجلات: حسابك عليَّ.
ثم أخذه من يده، ودخل به إلى بقالته، وأعطاه قيمة العجلة كاملة.
فانطفأت بيننا نار الفتنة، وحين استرددت بعض وعيي حمدت الله كثيراً على أني لم أتهور في سفك دم الرجل بمثل سبب تافه كهذا.
ثم  شكرته، وقلت له: يا أخي، سأذهب إلى بيتي، لآتي  بمحفظتي، ثم أعاود المجيء إليك لأرد لك مبلغك.
فقال بابتسامة صافية: لا بأس، وإن شئت ألا تعود، فلا تعد.
فركبت سيارتي، وذهبت إلى البيت، وأخذت محفظتي، وعدت إليه، فأعطيته قيمة العجلة، وزدت عليها ضعفها هدية مني له وإكراماً. فأبى تلك الزيادة  أشد الإباء، ولم يرضَ أن يأخذ شيئاً إلا ما دفعه للرجل.
فعندها دعوته إلى العشاء، وأقسمت عليه أن يلبي الدعوة. فوافق على أن يكون الموعد بعد إغلاق بقالته، عند الساعة التاسعة مساءً.
ثم توجهت إلى سوق المواشي، فاشتريت ذبيحة كرامة له، ودعوت أقاربي، فحضروا. 
وجاء ضيفنا في الموعد على دراجة هوائية. فقصصت على الحاضرين موقفه، وكيف أن الله سخَّره سبباً ليمنعني من سفك دمٍ بغير حق، وكيف أن لحظة غضب وطيش كادت تجرني إلى هاوية لا قرار لها.
وختمت حديثي قائلاً: إن الناس، حين يعطلون عقولهم، ويستسلمون لحمق الغضب وتهور اللحظة، قد يدخلون بسبب قضايا تافهة في مشكلات لا أول لها ولا آخر.
فالعقل - يا إخوتي- زين، والتؤدة وترك التفاعل مع  الترهات ولحظات الانفعال حياة.
والله الهادي.