الثرثرة بالنعم

منذ 5 ساعات

الأصل التحدث بالنعم وشكرها, وأما سترها ونكرانها فهو كفر بها؛ كما روى الإمام أحمد والطبراني وغيرهما مرفوعا:  «التحدث بنعمة الله شكر, وتركها كفر» .. الحديث.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله 

نعم الله تعالى علينا تترى لا نحصيها، ونعم الله التي لا تحصى فينا عبرة كبيرة تستلزم الشكر وتدبر المرء لما حباه الله في نفسه من نعم كبرى، قال تعالى  {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات ] قال الإمام السعدي: كذلك في نفس العبد من العبر والحكمة والرحمة ما يدل على أن الله وحده الأحد الفرد الصمد، وأنه لم يخلق الخلق سدى.

ومن شكر النعم إظهار ما يبين أثرها وما يدل على منعمها سبحانها قال تعالى:  { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ } قال السعدي في التفسير:  وهذا يشمل النعم الدينية والدنيوية  { فَحَدِّثْ }  أي: أثن على الله بها، وخصصها بالذكر إن كان هناك مصلحة، وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق، فإن التحدث بنعمة الله، داع لشكرها، وموجب لتحبيب القلوب إلى من أنعم بها، فإن القلوب مجبولة على محبة المحسن.أهـ

فالأصل أن يتحدث المسلم بما أنعم الله تعالى به عليه على سبيل الشكر والامتثال لا على سبيل الفخر والخيلاء, كما أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:  {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}  {الضُّحى:11} والأمر وإن كان خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم فإنه عام لجميع أمته كما هو مقرر في الأصول وله أن يخفي تفاصيلها إن خشي الحسد أو تحدث أمام حاسد أو مبغض.

قال الشنقيطي في المراقي:

وما به قد خوطب النبي * تعميمه في المذهب السني

فالأصل التحدث بالنعم وشكرها, وأما سترها ونكرانها فهو كفر بها؛ كما روى الإمام أحمد والطبراني وغيرهما مرفوعا:  «التحدث بنعمة الله شكر, وتركها كفر» .. الحديث.

إلا إذا كان المسلم يخشى من العين أو الحسد فله أن يخفي النعمة ما دام يخاف على ما أنعم الله به عليه.

فالعين حق ولها تأثير، ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:  «العين حق» .... الحديث. وقال تعالى:  {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}   [الفلق:5] 

والأصل في إخفاء النعمة خوفا من الحسد والعين قول الله تعالى حكاية عن نبي الله يعقوب عليه السلام:  {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ}  {يوسف:5} وعلى هذا، فلا مانع شرعا من إخفاء النعمة إذا كان صاحبها يخشى من الحسد وغيره.

قال الإمام ابن الجوزي في صيد الخاطر:

ينبغي لمن تظاهرت نعم الله عز وجل عليه أن يظهر منها ما يبين أثرها، ولا يكشف جملتها، وهذا من أعظم لذات الدنيا التي يأمر الحزم بتركها، فإن العين حق.
وإني تفقدت النعم فرأيت إظهارها حلواً عند النفس، إلا أنها أظهرت لوديد لم يؤمن تشعث باطنه بالغيظ.
وإن أظهر لعدو فالظاهر إصابته لموضع الحسد، إلا أنني رأيت شر الحسود كاللازم، فإنه في حال البلاء يتشفى، وفي حال النعم يصيب بالعين.
ولعمري إن المنعم عليه يشتهي غيظ حسوده، ولكنه لا يؤمن أن يخاطر بنعمته، فإن الغالب إصابة الحاسد لها بالعين، فلا يساوي الالتذاذ بإظهار ما غيظ به ما أفسدت عينه بإصابتها.
وكتمان الأمور في كل حال فعل الحازم، فإنه إن كشف مقدار سنه استهرموه إن كان كبيراً، واحتقروه إن كان صغيراً.
وإن كشف ما يعتقده ناصبه الأضداد بالعداوة: وإن كشف قدر ماله استحقروه إن كان قليلاً، وحسدوه إن كان كثيراً، وفي هذه الثلاثة يقول الشاعر:
احفظ لسانك لا تبح بثلاثة ... سن ومال ما استطعت ومذهب
فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة ... بمموّه وممخرق ومكذب
وقس على ما ذكرت ما لم أذكره، ولا تكن من المذاييع الغر الذين لا يحملون أسرارهم حتى يفشوها إلى من لا يصلح.
ورب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان. أ هـ

أبو الهيثم

أبو الهيثم محمد درويش

دكتوراه المناهج وطرق التدريس في تخصص تكنولوجيا التعليم من كلية التربية بجامعة طنطا بمصر.