رمضان إطعام!

منذ 7 ساعات

إطعام الجوعى، وسد عوز المحتاجين، من شعائر الإسلام الظاهرة، التي عُرف بها في أوائل العهدين المكي والمدني.

إطعام الجوعى، وسد عوز المحتاجين، من شعائر الإسلام الظاهرة، التي عُرف بها في أوائل العهدين المكي والمدني.  
ففي صدر الإسلام جاء من حديث عمرو بن عبسة رضي الله عنه - بسند حسنه بعضهم- قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، من معك على هذا الأمر؟ قال: «حر وعبد» قلت: ما الإسلام؟ قال: «طيب الكلام، وإطعام الطعام»، ويسنده - من جهة المعنى- بمجموع شواهده حديث: (يمكنكم من الجنة، إطعام الطعام، يا بني عبد المطلب، أطعموا الطعام وأطيبوا الكلام). 

وفي مفتتح قدومه ﷺ إلى المدينة، جاء من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: (لما قدم النبي ﷺ المدينة انجفل الناس قِبَله، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، قدم رسول الله، قدم رسول الله، ثلاثاً، فجئت في الناس لأنظر، فلما تبينت وجهه، عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته تكلم به أن قال: «يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام». 
والنصوص متضافرة في الحث على ذلك؛ فإطعام الطعام من عمل المجتبين الأبرار، الذين يطعمون الطعام ابتغاء رضوان الله، حتى في حال حاجتهم إليه.  
وفي صفتهم يقول تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا}[الإنسان: 8-9].  

وقال سبحانه - حاثاً على مجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر-: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد: 11-16], قال مقاتل: (هذا مثل ضربه الله؛ يريد أن المعتق رقبة، والمطعم تقاحم نفسه وشيطانه، مثل من يتكلف صعود العقبة)، فالعبد (مطالب بأن يتجاوز العقبة التي تفصله عن الجنة فيقطعها ويتجاوزها)، و(العقبة التي عليه أن يقطعها ليدخل الجنة؟!، هي إعتاق رقبة ذكراً كانت أو أنثى، أو أن يطعم في يوم مجاعة يندر فيه وجود الطعام: طفلاً فقد أباه، له به قرابة أو فقيراً ليس له شيء يملكه). 

وجاء في صفة أهل النار: {إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ}[الحاقة: 33-34]. 
يقول السعدي: (أي: ليس في قلبه رحمة يرحم بها الفقراء والمساكين فلا يطعمهم من ماله ولا يحض غيره على إطعامهم، لعدم الوازع في قلبه، وذلك لأن مدار السعادة ومادتها أمران: الإخلاص لله، الذي أصله الإيمان بالله، والإحسان إلى الخلق بوجوه الإحسان، الذي من أعظمها، دفع ضرورة المحتاجين بإطعامهم ما يتقوتون به، وهؤلاء لا إخلاص ولا إحسان، فلذلك استحقوا ما استحقوا). 

وأما السنُّة المشرفة، فالنصوص فيها متكاثرة في الحث على إطعام المحتاجين. فمن ذلك ما جاء أنه من أحب الأعمال إلى الله، وفيه يقول ﷺ: «أحب الناس إلى الله تعالى أنفعُهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تُدخله على مسلم، أو تَكشف عنه كُربة، أو تَقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعاً».  
وهو من أجلِّ الأعمال عنده سبحانه، فقد سئل ﷺ: (أي العمل أفضل؟ فقال ﷺ: «أن تدخل على أخيك المؤمن سروراً، أو تقضي عنه ديناً، أو تطعمه خبزاً». 

وجاء من حديث صهيب رضي الله عنه قال: (قال عمر: أي رجل أنت، لولا خصال ثلاث فيك! قال: وما هن؟ فذكر منهن: وفيك سرف في الطعام، فقال: وأما قولك: فيك سرف في الطعام، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «خياركم من أطعم الطعام، فذلك الذي يحملني على أن أطعم الطعام». 
يقول الطبري: (إن قرى الضيف وإطعام الطعام كان من حميد أفعال أهل الشرك والإسلام التي حمد الله أهلها عليها وندبهم إليها، وإن الله لم يحرِّم ذلك في عصر من العصور، بل ندب الله عباده وحثَّهم عليه). 

وإطعام الطعام من أسباب دخول الجنة ورفعة الدرجات عند الله تعالى. فقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام).  
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني إذا رأيتُك طابت نفسي، وقرت عيني، وفيه قال: (قلت: يا رسول الله، أنبئني عن أمر إذا أخذتُ به دخلت الجنة؟! قال: «أفشِ السلام، وأطعم الطعام، وصلِ الأرحام، وقم بالليل والناس نيام، ثم ادخل الجنة بسلام».  

وجاء من حديث ابن عمر رضي الله عنه: (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات،... وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام). 
وهو من وصايا النبي ﷺ لأمته. ففي حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (بعثني رسول الله ﷺ إلى قوم، فقلت: يا رسول الله أوصني قال: «اعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وأفش السلام، وابذل الطعام، واستحي من الله استحياءك رجلا من أهلك، وإذا أسأت فأحسن، ولتحسن خلقك ما استطعت».

ولما كان رمضان شهر الخير والرحمة والعطاء والإحسان، وكان من صفات ربنا سبحانه أنه يحب المحسنين ويزيدهم فوق ثوابهم ثوابا، وأنه رحمن يحب الرحماء، وجواد يحب الجود؛ كان إطعام الطعام من أجلِّ أعمال الشهر وأظهر شعائره.  

يقول الزهري: (إذا دخل رمضان إنما هو قراءة القرآن، وإطعام الطعام). ويشهد لذلك أمران: 
أولهما: حثه ﷺ على إطعام الصائمين وتفطيرهم، إذ قال ﷺ: «من فَطَّرَ صائماً كان له مثل أجرِه، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً». 

والثاني: ازدياد جوده ﷺ في هذا الشهر على سائر الشهور، كما جاء من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان)، يقول ابن رجب في صفة جوده ﷺ: (وكان جوده ﷺ كله لله وفي ابتغاء مرضاته؛ فإنه كان يبذل المال إما لفقير أو محتاج أو ينفقه في سبيل الله أو يتألف به على الإسلام من يقوي الإسلام بإسلامه، وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع،...، وكان جوده ﷺ  يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور كما أن جود ربه تضاعف فيه أيضاً، فإن الله جبله على ما يحبه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة). 

ثم يذكر - رحمه الله- أن من أسباب تضاعف جوده ﷺ في هذا الشهر المبارك: شرف الزمان ومضاعفة أجر العمل فيه، وفي الترمذي عن أنس مرفوعاً: أفضل الصدقة صدقة رمضان.  
ومنها: إعانة الصائمين والقائمين والذاكرين على طاعتهم فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم. 
ومنها: أن شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرحمة والمغفرة والعتق من النار لا سيما في ليلة القدر والله تعالى يرحم من عباده الرحماء كما قال ﷺ: «إنما يرحم الله من عباده الرحماء» فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل والجزاء من جنس العمل. 

ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة من موجبات الجنة، كما في حديث علي رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها  فقام إليه أعرابي فقال لمن هي يا رسول الله قال «هي لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى لله بالليل والناس نيام»، وهذه الخصال كلها تجتمع في رمضان.  

ومنها: أن الجمع بين الصيام والصدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنم والمباعدة عنها، وخصوصاً إذا ضم إلى ذلك قيام الليل، فقد ثبت في حديث معاذ عن النبي ﷺ قال: «الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقيام الرجل من جوف الليل يعني أنه يطفئ الخطيئة، وكان أبو الدرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يوماً شديداً حره لحر يوم النشور، تصدقوا بصدقة لشر يوم عسير». 

ومنها: أن الصائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصائمين على التقوي بطعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله وآثر بها أو واسى منها. 

ولهذا كان السلف يحرصون غاية الحرص على زيادة الإنفاق في هذا الشهر المبارك، فيطعمون الطعام، ويفطرون الصوام، حتى إن الواحد منهم ليؤثر غيره بفطوره وهو صائم. وكان ابن عمر  رضي الله عنهما لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين، وكان الحسن البصري وابن المبارك يطعمان إخوانهما الطعام، ويقومان على خدمتهم.  

وقد كان الشافعي يقول: (أحب للرجل الزيادة في الجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم). 
جعلنا الله من عباده الرحماء، ورزقنا الجود والإحسان، وسخرنا لخدمة عباده، إنه بر رحيم. 
والله الهادي.