رواء مكة المكرمة… (الحلقة الرابعة)
مكة التي لا تنام هي هي قائمة بغيرها (الحلقة الرابعة)
مكة التي لا تنام هي هي قائمة بغيرها :
حين كنت أستعيد أطوار رحلتي ومقامي في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت الألفاظ تنساب عبر دفق الحبر الإلكتروني كأنها تحاول أن تمسك بأنفاس تلك الضيافة التي لا يمل فيها المضيف من ضيفه، بل تقر بها العين، ويطمئن لها الفؤاد، ويرجع البصر منها برصيد يعلو بمنسوب الإيمان الذي ما فتئ يأرز بين مكة والمدينة أرز الحية إلى جحرها.
وقفت آنذاك عند محطة من محطات الوصف لأنبه على مشترك عشته في المدينة كما عشته في مكة: نداء الصلاة على الأموات، وذكر الطفل المعطوف عليه، وتلك العبارة التي لا يزال صداها يتردد في أذني: "يرحمكم الله"… عبارة تختصر فقر الإنسان وعظمة الرجاء في الرحيم الرحمن.
وها أنا أجدني اليوم أعود غير مضطر إلا بدافع التأمل لأتحدث عن مشترك ثان بين المدينتين الطيبتين، الطاهرتين، المأثورتين لحظة وأنفاسا.
إنه مشترك الذين يقومون على خدمتك هنالك:
فمن يطعمك ويسقيك،
هو من يبيعك ويشتري منك،
ومن يصرف لك العملة التي جئت متأبطا أوراقها،
هو من يناولك ماء زمزم الزلال،
ومن يقود بك الحافلة أو سيارة الأجرة.
هو من يدلك على المزارات المرتبطة بسيرة أمة صنعت تاريخها بالوحي والجهاد والبناء.
تتأمل الوجوه… فتجد أكثرها وجوها وافدة يعلوها ملمح الاغتراب طلبا للرزق وجريا وراء تحقيق الحد الأدنى للعيش.
إنها وجوه رسمت عليها مئنات لا تخطئ ولا يرجم بالغيب من يعتقد ويظن أنها جاءت من بلاد البنغال، ومن أقطار آسيا المختلفة، حيث الحاجة أم الهجرة والفقر أب السفر والاغتراب.
وجوه طلقة، تتصدق بابتسامتها قبل أن تتقاضى أجرتها،
تستدرجك إلى محالها بلطف مكلف أحيانا، فتتجشم وحدها عناء محاورتك بلهجتك المغربية الممزوجة بشيء من التعتعة، فسبحان من اصطفاها من دون الناس لخدمة زوار بيت الله الحرام ومدينة نبيه المنورة.
ولقد علمنا أن هذا الحضور الكثيف تقع طائلته تحت نظام الكفيل الذي لا تكاد ترى لأهله حضورا في الشارع حضورا وازنا، بل لماما ما ترى سعوديا يتجول في سكك المدينة كما شوارع مكة وهذا يكاد يطرد، اللهم استثناء فإن الأمن من الشرطة والدرك والجند قائمون على حياض هذه الخدمة المقدسة بنص الكتاب...
وكان رفيقي الدكتور محمد الخيراوي — حفظه الله — يعلق على هذا المشهد بقوله:
"إنها دولة قائمة بغيرها."
فكنت أقول في نفسي: لقد صدق ورب الكعبة بل جمعت عبارته المبتسرة الواقع المعاش من حيث الوصف الظاهر.
غير أن السؤال الذي ظل يطرق باب التأمل مفاده:
هل هو غياب مطلق؟
أم توزيع أدوار؟
أم تحول في طبيعة الاجتماع والاقتصاد؟
أم أننا أمام مشهد يختصر تعقيد العصر أكثر مما يكشفه؟
وتبقى هذه الأسئلة تحيل لهيبها في غير إحراق على مسؤولية من يفك شيفرتها ويلبي حاجة الفضول في دواخل أصحابها...
ولنبقى ونحن في توديع سطور هذا البوح مع تلك الوجوه النيرة التي مرت بنا عابرة، لكنها ليست ولم تكن عابرة في ميزان المعنى وعالم المعاني.
تقوم على خدمتنا فنمضي ثم يأتي من بعدنا سيل من الزوار على بدء متكرر في غير كف ولا انقطاع، لكنها المرة تلو الأخرى تحتفظ بكيانها الخدماتي في غير ملل ولا كلل، وتبتسم فننسى وينسى الآخرون الذين مروا من هنالك أن وراء الابتسامة حكاية اغتراب وكدح.
ولذلك فالوفاء لهذا المكان لا يكون بالطواف فيه وحده، بل يكون على الحق والصدق بحفظ حق من يقومون عليه.
هكذا علمتني مكة المكرمة وأضافت إلى رصيد التجارب التي مرت بي فصولا من الحكمة… وكان من هذه الحكمة البوح الصريح بكون أن هذه العظمة لا تقوم ولم تقم إلا بسواعد كثيرة، وأن الشرف كل الشرف أن تكون الخدمة فيها محض عبادة وملحظ اصطفاء لا امتهان فيه ولا ازدراء يرمى في وجه أولئك الأشراف الأفاضل الأخيار...
محمد بوقنطار
محمد بوقنطار من مواليد مدينة سلا سنة 1971 خريج كلية الحقوق للموسم الدراسي 96 ـ97 الآن مشرف على قسم اللغة العربية بمجموعة مدارس خصوصية تسمى الأقصى.
- التصنيف: